انتشروا كثيرًا.. بلطجية الشاشات، لا يحتاجون إلى سكين أو سيف أو بندقية لنشر الخوف، يكفيهم حساب مزيف أو تطبيق خبيث، لتدمير حياة آلاف الضحايا.. جرائم مبتكرة وذكية، وتأثيرها أعمق وأسرع، وتنتشر بسرعة وتستغل ثغرات الثقة والخصوصية، وتترك آثارًا يصعب علاجها.
هذا التحول فى سلوك العنف والإجرام، أفرز ما يمكن تسميته بـ «البلطجة الرقمية»، وخطورتها أنها تنال وعى المجتمع بأسره، فتتحول وسائل التواصل الاجتماعى من أدوات للتقارب الإنسانى، إلى منصات للتشويه وانتهاك الأعراض وصناعة الخوف.
وتجسد البلطجة الرقمية أسوأ استغلال للتطور التكنولوجى وخلق فوضى منظمة، عبر المتاجرة بمشكلات الناس وأزماتهم الشخصية، وتحويلها إلى سلعة رخيصة فى سوق «التريند» والمشاهدات.
والعلاقة تكاملية بين البلطجى التقليدى والبلطجى الرقمى، فبينما يرتكب الأول جريمة محددة الزمان والمكان، يعيد الثانى بثها وتضخيمها، وتوجيه سياقها لخدمة مصالح شخصية والنيل من الآخرين، وفى هذا الفضاء المشوه، يعيش صانع المحتوى على ترويع الآخرين، وتمنح الإعجابات والمشاركات انتشارًا واسعًا للجرائم.
وللبلطجة الرقمية أشكال متعددة، تتراوح بين صناعة المقاطع المفبركة، وإعادة تدوير مشاجرات قديمة أو مجتزأة، وصولًا إلى اصطناع فيديوهات بالتقنيات الحديثة، لعرض واقع وهمى يتسم بالانفلات الأخلاقى والقانونى.
ولا ينكر أحد الأهمية البالغة لوسائل التواصل فى كشف بعض الجرائم ومساعدة العدالة، إلا أن الفارق كبير بين التوثيق النزيه للواقع، وبين الاستغلال السيئ التوظيف الخبيث للحوادث الفردية، ولا ننسى ما شهدته البلاد فى أحداث يناير ٢٠١١، حينما قامت جهات معادية، بإنتاج مقاطع تمثيلية بإخراج احترافى متطور، وكانت رسائل مقصودة لضرب الثقة بين المواطن وأجهزة الدولة، وخلق ذعر جماعى يهيئ الساحة للفوضى.
ولا يتوقف الضرر عند حدود الخوف والتشويه، بل يمتد لينتج سيلًا من التعميمات المسمومة، التى تحاول تصوير مصر على أنها بؤرة للمعاناة والانفلات، رغم أن هذه الظواهر المزعجة تنتشر فى مختلف دول العالم، والهدف هو زرع الإحباط والتشكيك، فى قدرة الدولة وأجهزتها الأمنية على فرض الانضباط، وتصدير صورة ذهنية مشوهة للبلاد، تؤثر سلبًا فى اقتصادها واستقرارها.
ويثبت الواقع العملى، أن أجهزة الأمن تتعامل بجدية وسرعة مع كل ما يُنشر، ويتم رصد الفيديوهات وتحديد الجناة، وتقديمهم للعدالة فى أوقات قياسية، وتعلن عنها وزارة الداخلية بانتظام، لكن المواجهة يجب ألا تقتصر على الأدوات الأمنية والقانونية فقط.. هى معركة وعى، ورفض أن يكون المواطن «إسفنجة» تمتص الأكاذيب، أو أداة لإعادة نشر الذعر، ووعى الإعلام بملء الفراغ بالحقائق، وإدراك الدولة أن أسلحة المعارك الحديثة قد تغيرت، وأن كاميرا الهاتف المشبوهة، قد تفوق أحيانًا الأسلحة النارية فى قدرتها على التدمير.
أتمنى أن يبقى هذا الوطن، بعمقه الحضارى، عصيًا على الفوضى، وتظل المشاهد السوداء على الشاشات مجرد انعكاس لمخططات واهية، لا تمثل حقيقة مصر ولا أغلبية شعبها.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







