تجاوزت دول فى المنطقة سريعاً حالة الإرباك التى سادت موقفها من المواجهات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وسعت ليكون لها كلمتها الخاصة، نتيجة معاناتها من توابعها، دون أن تكون طرفاً فيها، ظهر هذا واضحاً فى الموقف السعودى الذى خصصنا له مقال الأسبوع الماضي، برفضه تقديم أى تسهيلات للجيش الأمريكى فى عملية الحرية، لم تكتف الرياض بذلك، بل تم الكشف عن اهتمامها بالمساهمة بالأفكار والمقترحات، فى الإجابة على السؤال الأصعب والأخطر، وهو ماذا بعد أن تتوقف المواجهات؟، أو شكل اليوم التالي، وذلك على قناعة راسخة بأن الحرب المفتوحة، قد تخلق حالة فوضى طويلة الأمد، لا يمكن السيطرة عليها وتداعياتها كارثية على أمن واستقرار المنطقة. سبب آخر لم يعد خافياً على أحد، وجود حالة غضب خليجى مكتوم، من انخراط واشنطن فى مباحثات مع طهران، بعيداً عن دوله، التى طالبت بالمشاركة أو طرح مشاغلها الأمنية، دون أدنى استجابة من الإدارة الأمريكية، مع تركيز واضح على قضايا تهم إسرائيل وأمنها، ومنها البرنامج النووي، والصواريخ البالستية والمسيرات، ولن أتوقف كثيراً، عند الموقف الأخير بتأجيل ضرب إيران، احتراماً لرغبة قادة المنطقة، السعودية وقطر والأمارات، فقد جاء فى ظل ممارسة سياسات (الضغوط القصوى) لدفع إيران لتقديم تنازلات، تسمح له بإعلان الانتصار، وإنهاء الحرب.
الجهد السعودى كشفت عنه صحيفة فاينانشيال تايمز، فى تقريرها منذ أيام، عن تقديم الرياض لمقترحات لصياغة ترتيبات للأمن والتعاون فى المنطقة، تساعد على إنهاء حالة التوتر، وتعالج تبعات الأزمة، وبناء مناخ أكثر أمناً وثقة وسلاماً، واستكشاف فرص التعاون المشترك، صحيح أن التقرير لم يتحدث عن مبادرة رسمية، أو مشروع معلن، بل عن طرح أفكار ونقاشات موسعة عليها، مع توسيع دائرة المشاركين فيها، من داخل المنطقة وخارجها، ومنها العديد من مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتى دعمت المقترح، باعتباره أفضل سبيل، لتجنب الصراع فى المنطقة، ومنح ضمانات للطرفين، ويمكن فهم حماسة أوروبا للأفكار السعودية، من خلال مخاوفها من أن غياب ترتيبات أمنية إقليمية فى المنطقة، قد يبقيها عالقة فى دوامة العنف والعنف المضاد، وتأثير ذلك على مصالحها الاقتصادية وأمن الطاقة.
ولعل أهمية المبادرة، أنها لم تأت من فراغ، بل استرشدت بتجربة تاريخية مهمة، ونموذج أتى ثماره، وهى «معاهدة هلسنكي» فى سبعينيات القرن الماضي، والتى تم التوقيع عليها في١٩٧٥، بمشاركة أمريكا والاتحاد السوفيتى سابقاً والدول الحليفة للجانبين، وسعت إلى معالجة القضايا الأمنية، وتعزيز التعاون الاقتصادى بين كل تلك القوى المتنافسة، وكانت تعبيراً عن إرادة أطرافها بمخاطر استمرار الصراع، حيث تم التوقيع عليها من ٣٥ دولة، من خلال مؤتمر الأمن والتعاون فى أوروبا، الذى أرسى مجموعة من المبادئ الأساسية، احترام سيادة الدول، وعدم التدخل فى شئونها الداخلية، أو تغيير الحدود بالقوة، والممنوع استخدامها أصلاً، مع الالتزام بالتسوية السلمية للنزاعات وتعزيز التعاون الاقتصادي، هو نفس ما تضمنته الأفكار السعودية، من خلال معاهدة عدم اعتداء فى الشرق الأوسط مع إيران، كجزء من مباحثات مع الحلفاء، حول كيفية إدارة التوترات فى حاله حدوثها.
ودعونا نتفق، أن تمرير مثل هذا الطرح رغم أهميته، يواجه بعض الإشكاليات، فى مقدمتها موقف الطرفين الأساسيين، الإيرانى والإسرائيلي، والأمر هنا يحتاج إلى رصد وتحليل لموقف كل طرف.
ولنبدأ بطهران، فمن حيث المبدأ قد تلقى الفكرة هوى لدى إيران، التى تدعو على الدوام لترك المنطقة لإدارة شئونها، دون تدخلات خارجية، ولكنها تحتاج إلى جهد منها، لإزالة المخاوف الخليجية من قناعة أنها قوة مزعزعة للاستقرار وتهديد منذ اندلاع الثورة ١٩٧٩، وأنها قد تظل خطراً على المنطقة، مهما كانت نتائج مرحلة ما بعد العدوان، خاصة وأن طهران استهدفت دولها كجزء من الرد على العدوان عليها، ولهذا فعليها أن تعمل على إنهاء حالة الشك التاريخي، وبناء قواعد جديدة لعلاقات مع المحيط الجغرافي، قائمة على حسن الجوار واحترام سيادة هذه الدول، خاصة وأنها جربت ثمار فترات ساد فيها التفاهم، بعد نجاح الوساطة الصينية بينها وبين السعودية فى مارس٢٠٢٣، وعلاقات طبيعية مع الإمارات.
والأمر يبدو مختلفاً مع إسرائيل، فهناك صعوبة فى تحديد موقعها ضمن هذه الترتيبات، رغم تراجع قدراتها ونفوذها وحالة العزلة الدولية التى تعانى منها على أكثر من مستوي، آخرها مع أوروبا، وزاد القلق منها أكثر وأكثر بعد طوفان الأقصي، وتحولت إلى قوة مزعزعة للاستقرار، مع استمرار عمليات الهجوم على لبنان وسوريا وغزة والضفة، مما صعب فكرة تطبيع علاقاتها مع أى من دول المنطقة، فى ظل الظروف الحالية، أو حتى المستقبلية، مما أثر على مخططات توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية، فدولة مثل السعودية هى من تقود منذ سبتمبر٢٠٢٤، تحالفاً دولياً لحل الدولتين، وقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، وظهر موقف الرياض كما لو كان مسعى لتعطيل مسار المشروع الإسرائيلي، الذى يعمل على تهميش، بل تصفية القضية الفلسطينية بالقوة، وتنصيب نفسها كقوة مركزية وحيدة، ويضاف إلى ذلك أن تل أبيب قد تتحفظ على المشاركة، فى منظومة متعددة الأطراف، دون أن تكون قائداً لها، وتتناقض مع مبادرة (درع إبراهيم)، أو مبادرة (الائتلاف من أجل الأمن الإقليمي)، التى طرحتها فى يوليو من العام الماضي، والتى توافقت مع تصريحات نتنياهو المتكررة حول تغيير وجه الشرق الأوسط، وقد اعتمدت بالأساس على وجود توافق غير مسبوق مع واشنطن بإنشاء تكتلات أمنية وسياسية فى المنطقة، وتوسيع مظلة الاتفاقيات الإبراهيمية، واتسم الطرح الإسرائيلى بالقفز على الواقع، حيث مازالت ملفات العدوان على غزة والضفة واستهداف لبنان، مفتوحة بدون أفق سياسي، يضاف إلى ذلك أن علاقاتها مع جوارها المباشر مصر والأردن، تمر بمرحلة من التأزم غير مسبوقة.
المبادرة تحسب للسعودية، التى لم تنتظر انتهاء الحرب، وسعت للتحرك وتقديم أفكار للمناقشة، مع كافة الأطراف، وهو ما يضمن لها دور محورى فى المرحلة القادمة، المهم أن على دول الخليج معالجة الفكرة السائدة أثناء الأزمة، وهى أنها لا تتحرك ككتلة أمنية وسياسية واحدة، بل وفق مقاربات متباينة تحكمها اعتبارات الأمن والمصالح الخاصة لكل دولة، وأن تعى أن تحركها الجماعى يضمن لها تأثيراً أكبر على أى منظومة إقليمية قادمة.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







