لم تعد المراهنات مجرد لعبة عابرة أو وسيلة ترفيه كما يحاول البعض تصويرها، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى ظاهرة مقلقة تحمل في طياتها أبعادًا أخلاقية واجتماعية خطيرة، وكلها للاسف تهدد استقرار الأفراد وتضرب قيم المجتمع في صميمها.. فحين يتحول السعى وراء الربح السريع إلى هوس، يصبح كل شيء قابل للتضحية.
الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في خسارة المال، بل في ما تدفع إليه هذه الممارسات من سلوكيات منحرفة، تبدأ بالمخاطرة غير المحسوبة، وقد تنتهى بالكذب والاحتيال واستغلال مشاعر الآخرين.. وهو ما كشفته بوضوح واقعة بأحد محال الملابس الشهيرة، حين لجأ أحد العاملين إلى إدعاء وفاة والدته للحصول على أموال الفرع، قبل أن تنكشف الحقيقة الصادمة بأن هذه الأموال ذهبت إلى المراهنات، في مشهد يعكس إلى أى مدى يمكن أن يصل تأثير هذا الطريق المظلم .
هذه الواقعة، رغم قسوتها، فهي ليست حالة فردية، بل جرس إنذار يعكس ما يمكن أن تفعله المراهنات بعقول بعض الشباب.. خاصة مع انتشار تطبيقات ومنصات تروج للربح السريع دون إدراك حقيقى لحجم الخسائر أو العواقب
المشكلة لم تعد في اللعب ذاته، بل فى الثقافة التي تبرره، وتغفل أنه في جوهره قائم على المقامرة، بكل ما تحمله من مخاطر وانحرافات، بالإضافة إلى تحريمها دينيًا لما فيها من أكل أموال الناس بالباطل وإفساد للقيم؛ لذا يناقش مجلس الشيوخ تغليظ عقوبة المراهنات، ليؤكد أن الأمر لم يعد مجرد سلوك فردي، بل قضية مجتمع تستدعي تدخلا حاسمًا، خاصة مع تزايد الوقائع المرتبطة بها، واتساع تأثيرها بين فئات الشباب .
وبين وقائع تكشف حجم الأزمة.. وتحركات تشريعية لمحاصرتها يبقى السؤال الأهم: هل يكفي الردع القانوني وحده لمواجهة هذه الظاهرة؟.. أم أننا بحاجة إلى وعي مجتمعي حقيقي يعيد ضبط البوصلة، قبل أن تتحول المراهنات من أزمة فردية إلى خطر يهدد المجتمع بأكمله؟، هذا ما سوف نجيب عنه في السطور التالية.
قد لا تصدق أن هذا السرطان المسمى بالقمار الإلكتروني أو المراهنات الرياضية قد يقود الانسان للسرقة أو النصب أو الكذب أو ربما للقتل وهذا ما شاهدناه وكتبناه على صفحات «أخبار الحوادث» حينما تبنينا هذا الملف أكثر من مرة خلال الشهور القليلة الماضية وقد حذرنا منه مرارًا وتكرارًا .. فقد شهد الأسبوع الماضي واقعة في أحد فروع سلسلة محلات ملابس شهيرة واقعة مؤسفة للغاية والتي تظهر لنا مدى إدمان المراهنات، وذلك بعدما تواصلنا مع أحد العاملين ويدعى محمد سعيد، بدأ حديثه قائلاً: كان لدينا أحد العاملين بالفرع ويشغل وظيفة مساعد مدير فرع، كان مكلف بالتوجه إلى البنك القريب من مقر الفرع لإيداع مبلغ مالي خاص بالإيرادات اليومية.. إلا أن إدارة الموارد البشرية تلقت في ذلك التوقيت رسالة منه تفيد بوفاة والدته، وهو ما دفع الإدارة إلى التعامل مع الموقف من منطلق إنساني.. حيث تم صرف مبلغ مالي له للمساهمة في مصاريف العزاء كما تم تأجيل عملية الإيداع تقديرًا للظروف.. إلا أن الشكوك بدأت تتصاعد بعد اختفاء الموظف بالمبلغ المالي وعدم عودته لإتمام عملية الإيداع، بجانب عدم توافر أي معلومات واضحة بشأن واقعة الوفاة أو مكان العزاء.. ومع تكرار محاولات التواصل معه التي باءت بالفشل هنا تأكدت الإدارة من وجود شبهة تلاعب.. وبعد ساعات طويلة من المحاولات.. ظهر الموظف ليتواصل مع الإدارة في وقت متأخر من الليل.. وتأكدت الإدارة وكشفت التحقيقات الداخلية أن الموظف لم يتعرض لأي ظرف عائلي كما ادعى بل تبين تورطه منذ فترة في المراهنات على مباريات كرة القدم، إلى جانب اقتراضه مبالغ مالية من بعض زملائه داخل الفرع.. وبدلاً من إبلاغ الشرطة.. قرر الموظف إعادة المبلغ على دفعات متفرقة، من خلال تحويلات مالية صغيرة جمعها من معارفه واستمرت هذه العملية حتى استرداد كامل المبلغ خلال يومين.. ثم تم التأكد من سلامة العهدة المالية وعدم وجود عجز آخر بعدها تقرر إنهاء خدمته.
مناقشة القانون

في الوقت ذاته كان مجلس الشيوخ عقد اجتماعًا الاسبوع الماضي وطالب بخطة فورية لوقف المراهنات.. وأكد أعضاء مجلس الشيوخ خلال المناقشات، على أهمية وقف جميع أشكال الترويج للمراهنات الرياضية وذلك بما فيها الإعلانات داخل الاستادات، وكذلك المواقع الإلكترونية والتطبيقات المختلفة مطالبين بضرورة إجراء خطوات فورية لوقف هذه الممارسات بشكل كامل، كما شهدت الجلسة العامة لمجلس الشيوخ مفاجأة غير متوقعة، عندما صرح النائب سيف زاهر، وكيل لجنة الشباب والرياضة؛ بأن هناك عددًا من اللاعبين يتلاعبون بنتائج أنديتهم للفوز في المراهنات قائلاً: لابد من حملة توعية كبيرة، ولا بد من قانون قوي يجرم هذه الظاهرة، لأن اللاعب اليوم يبيع ناديه، وغدًا قد يبيع بلده، وبالتالي فهذه هي الخطورة الحقيقية، كما أكد النائب محمد نوح عضو مجلس الشيوخ؛ أن المراهنات الرياضية تمثل قنابل موقوتة، لأنها تمس الهوية المصرية والقيم والمبادئ التي نشأ عليها المجتمع، لما تسببه من أضرار جسيمة تطال الشباب والأطفال مطالبا بإصدار قانون حازم للتصدي للمنصات المشبوهة، حفاظًا على النشء من هذه المخاطر المتزايدة، كما قال جوهر نبيل وزير الشباب والرياضة خلال الجلسة؛ أن ألعاب الكازينو تمثل 40% من حجم المراهنات بينما تمثل المراهنات الرياضية 25%، والألعاب الافتراضية نحو 15%.. وكشف عن مخاطبة البنك المركزي لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمتابعة والرقابة على المراهنات الرياضية، في إطار مواجهة مخاطر المنصات الإلكترونية، وأوضح انه هناك بعض المواقع يتم الإبلاغ عنها وإغلاقها، إلا أن بعض القائمين عليها ينشئون مواقع بديلة، ما يتطلب استمرار المتابعة والتصدي، وأعلن خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ، أنه شُكلت لجنة لمتابعة مخاطر المراهنات الرياضية، موضحا أن اللجنة تضم عددًا من المختصين، وسيعلن عن نتائج أعمالها في الفترة المقبلة.

في الوقت ذاته أصدر النائب محمد السيد مجاهد رئيس لجنة الشباب والرياضة بمجلس النواب، ونائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب حماة الوطن بالمجلس، بيانا قال فيه: إن ألعاب القمار الإلكتروني وبرامج المراهنات تصل باللاعب إلى مرحلة إدمانية صعبة تحتاج إلى تأهيل نفسي وتوفير بيئة مناخية جيدة يمكن من خلالها علاج الشخص الذي أدمن تلك الألعاب، والحفاظ على الشباب المصري من تلك الممارسات التي توجه لهم من خلال منصات تهدف إلى استنزاف أموالهم وتحويلها إلى خارج مصر، كما أن المراهنات الرياضية تزداد بشكل كبير خاصة مع اقتراب البطولات الكبرى مثل كأس العالم الذي قارب على البداية، كما أنهم داخل لجنة الشباب والرياضة بمجلس النواب يعكفون خلال الفترة الحالية على التواصل بشكل مكثف مع كل الوزارات المعنية والجهات الرقابية والمالية في البلاد، وذلك لإعداد مشروع قانون يجرم تلك الممارسات ويتم توقيع عقوبات رادعة على المشاركين في تلك المراهنات للحفاظ على شبابنا من تلك الممارسات التي تكون نهايتها مأساوية، متوقعًا إصدار القانون خلال الفترة المقبلة، كما أن القوانين المصرية تعتبر أي اتفاق قائم على القمار أو الرهان باطل ومجرم، كما لا يوجد أي نظام قانوني يتيح ترخيص هذا النوع من الأنشطة داخل البلاد، وهو ما يضعنا كلجنة شباب ورياضة بالبرلمان لوضع تشريع بشكل سريع، ما يلزم بدوره وجود نص قانوني واضح لمعاقبة مروجي ولاعبي المراهنات.
تهديد لشبابنا
وبالتواصل مع النائب محمد السيد مجاهد رئيس لجنة الشباب والرياضة بمجلس النواب، أكد أن خلال عام 2025 قدر حجم سوق المراهنات الرياضية بما يقارب 110 مليارات دولار على مستوى العالم، بينما يصل متوسط إنفاق الشخص الواحد 305 دولارات، وهو رقم مفزع يجب الانتباه إليه جيدا، خاصة في ظل التوقعات أن السوق قد يصل إلى 190 مليار دولار بحلول 2030، كما أن كرة القدم هي أكثر لعبة تتصدر سوق المراهنات الرياضية، كما أن انتشار ظاهرة المراهنات الرياضية بمصر والقفزة الكبيرة في حجم التداول بها يمثل تهديدًا كبيرًا لشبابنا، وهو ما يتطلب التكاتف من الجميع للتصدي لمثل تلك الممارسات التي تخالف تعاليم الأديان السماوية والقانون المصري.
إدمان

الدكتور جمال فرويز أستاذ الطب النفسي، بدأ حديثه محذرًا من خطورة إدمان المراهنات، وأنه يعد أحد أخطر أشكال الإدمان السلوكي الحديثة، لما له من تأثير مباشر على الجوانب النفسية والاجتماعية والمالية للفرد، كما أن بداية هذا النوع من الإدمان غالبًا ما تكون بدافع الفضول أو التسلية، إلا أن تحقيق أول مكسب يمثل نقطة تحول، حيث يؤدي إلى إفراز هرمون الدوبامين المسئول عن الشعور بالمتعة، وهو ما يدفع الشخص إلى تكرار التجربة للبحث عن نفس الإحساس، كما أن المشكلة تتفاقم عندما يتحول الأمر إلى اعتماد نفسي، إذ لا يسعى الشخص للربح بقدر ما يسعى لاستعادة شعور المكسب الأول، ليدخل بعدها فيما يعرف بدائرة تعويض الخسارة، حيث يندفع للمراهنة مرة أخرى لاسترداد ما فقده، وهو ما يؤدي في أغلب الأحيان إلى خسائر أكبر، كما أن هذا السلوك قد ينعكس على حياة الفرد، في صورة تراجع في العمل أو الدراسة، واضطرابات نفسية مثل القلق والتوتر، وقد يصل في بعض الحالات إلى الاستدانة أو فقدان ممتلكات، كما شدد على أن إدمان المراهنات ليس مجرد ضعف إرادة، بل اضطراب سلوكي يحتاج إلى تدخل متخصص، يبدأ بالاعتراف بالمشكلة، والابتعاد عن مصادر المراهنة، مع الاعتماد على العلاج النفسي والدعم الأسري، وقد يتطلب الأمر في بعض الحالات تدخلا دوائيا لتنظيم الحالة النفسية.
منافسة شريفة ولكن

يستكمل الداعية الإسلامي الدكتور أحمد هاشم البطريق، من علماء الازهر الشريف قائلاً: إن الشريعة الإسلامية نظمت مسألة المنافسات الرياضية، موضحا أن النبي أقر هذا النوع من المنافسات وأشرف عليها بنفسه في بعض المواقف، كما أوفد الصحابي علي بن أبي طالب للفصل بين المتنافسين في بعض الحالات، كما أن الإسلام لا يقتصر على كونه دين عبادات فقط، بل هو منهج حياة متكامل أنزله الله لتنظيم شؤون الناس كافة، وليس ليجعل حياة المسلم أقرب إلى الرهبانية، كما أن الشريعة وضعت ضوابط واضحة تحكم مختلف الجوانب الحياتية، ومن بينها المنافسات الرياضية، كما أوضح أن النبي وضع قواعد للمنافسات، بل وشارك فيها بنفسه، مستشهدًا بواقعة مصارعته لرجل يدعى «يزيد»، حين عرض عليه الرجل التحدي، وتابع أن النبي صارع الرجل وتمكن من إسقاطه أرضًا، في مشهد يشبه المصارعة المعروفة حاليًا، والتي تعتمد على السيطرة الكاملة على الخصم وإسقاطه كما أن هذا النوع من المنافسات كان منضبط بضوابط شرعية، على عكس المراهنات المنتشرة حاليًا، فهي محرمة تحريم مطلق، لأنها تفسد العلاقات بين الناس، وتضعف الروابط الإنسانية، وتسهل الكسب دون جهد، كما تفتح الباب أمام الغش والخيانة وارتكاب أبشع الجرائم، وتخرج المنافسة عن إطارها المشروع، ايضا هذه الممارسات لا تستند إلى أي أساس شرعي، وتؤدي إلى إفساد الفرد والمجتمع على حد سواء، لما تحمله من آثار سلبية على القيم والسلوك العام.
تحركات لاحتواء أزمة الكلاب الضالة بإنشاء ملاجئ آمنة لهم
تزامنًا مع عيد الأضحى .. الداخلية تحكم قبضتها على الأسواق وتضبط المخالفين
ياسين .. أصغر ضحية المــراهنـــات







