النصب باسم المرض على السوشيال ميديا

البلوجر دنيا فؤاد
البلوجر دنيا فؤاد


في زمن السوشيال ميديا، تغيّرت أشكال النصب ولم تعد تعتمد على الطرق التقليدية فقط، فالمتسول اليوم لم يعد بحاجة للجلوس على الأرصفة أو طرق أبواب المارة، بل يكفيه هاتفا وكاميرا وبث مباشر حتى يتحول التعاطف إلى مصدر دخل.

حكاية البلوجر دنيا فؤاد، كشفت كيف يمكن لصناعة المشاعر المزيفة على الإنترنت أن تتحول إلى وسيلة لاستغلال الناس، بعدما نجحت في تقديم نفسها كضحية لمرض السرطان، مستندة إلى فيديوهات مؤثرة ودموع ورسائل إنسانية جذبت آلاف المتابعين والمتبرعين، وبين مشاركة المشاهير وتعاطف الجمهور، تحولت القصة إلى نموذج جديد لما يمكن وصفه بـ"التسول الإلكتروني"، حيث أصبحت بعض الحسابات تعتمد على استدرار العطف وجمع التبرعات دون رقابة حقيقية أو إثباتات واضحة، مستغلة ثقة الناس ورغبتهم في المساعدة.. تفاصيل أكثر في السطور التالية

الآن، أصبحت "اللايفات" هي الوسيلة الأسرع للوصول إلى الناس من الشوارع، لم يعد المتسول بحاجة إلى الوقوف على الأرصفة أو مد يده للمارة، بل يكفيه هاتفا محمول وكاميرا وقصة مؤثرة حتى تتحول المشاهدات إلى تبرعات وتعاطف واسع، ومع اتساع تأثير السوشيال ميديا، ظهرت أشكال جديدة من النصب تعتمد على اللعب على مشاعر المتابعين تحت غطاء المرض أو الأزمات الإنسانية، وهي الظاهرة التي أعادت قضية البلوجر دنيا فؤاد فتحها من جديد، بعد اتهامها باستغلال ادعاء الإصابة بالسرطان، لجمع ملايين الجنيهات من التبرعات.

بدأت القصة عندما ظهرت دنيا فؤاد في فيديوهات متكررة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بملامح مرهقة ورسائل مؤثرة، تتحدث فيها عن معاناتها مع مرض السرطان، مؤكدة أنها تخوض رحلة علاج قاسية وتحتاج إلى الدعم المادي لاستكمال العلاج، وأنها أجرت 13 عملية جراحية حرجة، وخلال فترة قصيرة نجحت في كسب تعاطف واسع من المتابعين، الذين بدأوا في تحويل أموال لها بشكل مباشر، سواء عبر الحسابات البنكية أو المحافظ الإلكترونية.

وأسهم دعم الفنان تامر حسني في انتشار قصتها بشكل أكبر، بعدما نشر عبر حساباته فيديو لها وهي تغني أغنيته "طول عمري أنا أقوى من الأيام"، ووجّه رسالة دعم مؤثرة طالب فيها الجمهور بالدعاء لها ومساندتها.

تبرعات بالملايين

وأظهرت تقارير وقتها أن تامر حسني تبرع لها بمبلغ وصل إلى نصف مليون جنيه، إلا أن الرقم لم يصدر بشأنه أي تأكيد رسمي منه حتى الآن.

وبحسب التحريات، فإن حجم التبرعات التي حصلت عليها وصل إلى نحو 4 ملايين جنيه، بعدما تلقت تحويلات مالية من متابعين داخل مصر وخارجها، بينهم مشاهير وشخصيات عامة، وسط حالة تعاطف كبيرة مع ما كانت تصفه برحلة علاجها من المرض.

لكن الشكوك بدأت تتصاعد بعدما لاحظ بعض المتابعين ظهور دنيا فؤاد بمقتنيات باهظة الثمن، وسيارات حديثة، إلى جانب نشر صور من أماكن ترفيه وسفر، رغم تأكيدها المتكرر أنها تمر بمرحلة علاج صعبة. 

الغريب هنا، أنها لم تنشر قط تقريرًا طبيًا طوال هذه الفترة يفيد بأنها مريضة سرطان، ولا طبيب معالج يمكن الرجوع إليه للتأكد، والأغرب، أن متابعيها واصلوا التبرع لها بدافع الشفقة، دون أي دليل على صحة ما ادعت به سوى كلامها على السوشيال ميديا. 

حتى أنه في التحقيقات، لم تقدم دنيا فؤاد أي مستندات رسمية تثبت إصابتها الحالية بالسرطان، كما جرى التواصل مع المستشفيات والمراكز الطبية، التي قالت إنها كانت تتلقى العلاج بها، وجاءت الردود بعدم وجود ملفات علاج أورام أو جلسات علاج كيماوي باسمها.

وعلى الرغم من تداول تصريحات من بعض المقربين منها، تفيد بأن "دنيا فؤاد" كانت مصابة بورم في الثدي، إلا أنها في التحقيق معها لم تتطرق إلى هذه النقطة أصلا، وهو ما يشير إلى أنه ادعاء قديم وغير حقيقي، مثله مثل ما فعلت مؤخرًا.

ومن بين التفاصيل التي أثارت الجدل أيضًا، رفضها في بعض الأحيان تلقي المساعدات عبر المستشفيات بشكل مباشر، وتفضيلها الحصول على الأموال نقدًا أو عبر التحويلات الإلكترونية. 

نصب واحتيال

وزارة الداخلية أعلنت في وقت لاحق ضبط دنيا فؤاد بمحافظة الإسماعيلية، فيما قررت النيابة حبسها 4 أيام على ذمة التحقيقات بتهم تتعلق بالنصب والاحتيال وجمع الأموال بطرق غير مشروعة، مع فحص التحويلات المالية والاستماع لأقوال المتبرعين والشهود، إلى جانب استدعاء زوجها للتحقيق في مدى ارتباطه بالقضية.

ولم تكن قضية دنيا فؤاد هي الأولى من نوعها، إذ شهدت السنوات الأخيرة وقائع مشابهة ارتبطت باستغلال السوشيال ميديا لتحقيق مكاسب مالية عبر استدرار التعاطف.

 ومن أبرز تلك الوقائع قضية البلوجر هدير عبد الرازق، التي واجهت اتهامات تتعلق بجمع أموال من متابعين بدعوى المرور بأزمات إنسانية وصحية، قبل أن تكشف التحقيقات وجود شبهات حول استغلال منصات التواصل لتحقيق أرباح بطرق غير قانونية.

كما أثارت فتاة “التيك توك” المعروفة إعلاميًا بـ”أم مكة” حالة واسعة من الجدل، بعدما اعتمدت في عدد من فيديوهاتها على استجداء المتابعين وطلب الهدايا والمساعدات المالية عبر البث المباشر، قبل القبض عليها في قضايا مرتبطة بمحتوى مخالف واستغلال شهرتها على مواقع التواصل لتحقيق أرباح أثارت انتقادات واسعة.

وعن هذه المسألة تحديدًا، وهل هناك عقوبة قانونية خاصة بالتسول عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتلقي تبرعات؟، كشف الدكتور مصطفى سعداوي، أستاذ القانون الجنائي بجامعة المنيا، أن القانون المصري لا يتضمن نصًا صريحًا تحت مسمى “ادعاء المرض للتسول”، إلا أن مثل هذه الوقائع يمكن تكييفها قانونيًا تحت عدة جرائم مختلفة وفقًا لطبيعة الفعل والوسيلة المستخدمة، خاصة إذا كان الهدف منها الحصول على أموال من المواطنين عن طريق الخداع واستغلال التعاطف الإنساني.

وأوضح سعداوي، في حديثه لـ"أخبار الحوادث"، أن جريمة النصب والاحتيال المنصوص عليها في المادة 336 من قانون العقوبات تُعد من أبرز الجرائم التي يمكن تطبيقها في مثل هذه الحالات، وذلك حال ثبوت استخدام وسائل احتيالية وإيهام المواطنين بوجود مرض أو ظروف إنسانية غير حقيقية للحصول على أموال، مشيرًا إلى أن العقوبة قد تصل إلى الحبس مع إلزام المتهم برد الأموال، وقد تُشدد العقوبة إذا تعدد المجني عليهم أو تم استخدام وسائل إلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي في ارتكاب الواقعة.

وأضاف أستاذ القانون الجنائي، أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات قد يدخل ضمن التكييف القانوني للقضية إذا ثبت استخدام السوشيال ميديا في نشر معلومات مضللة أو جمع تبرعات بطرق غير مشروعة بهدف تحقيق مكاسب مادية.

وأشار إلى أن قانون مكافحة التسول رقم 49 لسنة 1933 يجرم أيضًا التسول بصوره المختلفة، خاصة إذا اقترن بادعاء الإصابة أو العجز لاستعطاف المواطنين، لافتًا إلى أن القانون ينص على عقوبات قد تصل إلى الحبس، وتزداد حال استخدام وسائل احتيالية أو ادعاءات كاذبة تتعلق بالأمراض والإصابات.

وأكد سعداوي، أن تلقي تبرعات من المواطنين دون الحصول على تصريح رسمي قد يفتح الباب أيضًا أمام تهمة جمع أموال بالمخالفة للقانون، موضحًا أن النيابة العامة في القضايا المرتبطة بالسوشيال ميديا لم تعد تنظر إلى تلك الوقائع باعتبارها مجرد “تسول”، وإنما باعتبارها صورًا من النصب الإلكتروني واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق مكاسب غير مشروعة والاستيلاء على أموال المواطنين عن طريق التحايل.

اقرأ  أيضا: حبس زوج البلوجر دنيا فؤاد 4 أيام لاتهامه بالاشتراك في جمع التبرعات

;