لم تكن علاقة الإنسان المصري بـ نهر النيل مجرد علاقة بقاء، بل كانت إدراكًا مبكرًا وقدرة استثنائية على فهم قوانين الطبيعة وتوظيفها لصناعة الحضارة. فسرُّ عبقرية مصر، كما وصفه المفكر الكبير جمال حمدان، «ليس في النهر وحده، بل في الإنسان الذي فهم النهر وحوّله إلى حضارة».
على مدى آلاف السنين، قامت الحضارة المصرية على التكيّف الذكي مع حركة الطبيعة؛ برع المصري القديم في قراءة حركة الفيضان، وشق الترع، وتنظيم مواسم الزراعة والحصاد، بينما كانت المياه تنساب من الجنوب المرتفع إلى الشمال المنخفض بفعل قوانين الجاذبية. فى واحدة من أعظم تجارب «الهيدرولوجيا الطبيعية»، التي صنعت استقرار مصر الزراعي والحضاري، من عصر الفراعنة حتى عصر محمد علي باشا.

لكن الأمم الكبرى لا تتوقف طموحاتها عند حدود ما تمنحه الطبيعة. فحين تضيق الجغرافيا التقليدية بتحديات العصر، تبدأ لحظات التحول الكبرى. ومع الزيادة السكانية المتسارعة، وضيق الوادي، وتصاعد تحديات المياه والغذاء والطاقة، دخلت مصر مرحلة جديدة؛ مرحلة لم تعد تكتفي فيها بقراءة حركة المياه، بل تسعى إلى إعادة تشكيلها بالكامل عبر رؤية سياسية طموحة وإرادة دولة وتضافر كافة جهاتها ومشاركة فاعلة من القطاع الخاص.
ومن هنا تأتي عظمة مشروع «الدلتا الجديدة» بمحور الشيخ زايد، بوصفه انتقالًا تاريخيًا من حضارة بنت مجدها على «هيدرولوجيا الطبيعة»، إلى حضارة صنع فيها الإنسان المصري نهره الجديد ، بعقول مبدعة، وسواعد استطاعت أن تنتزع من قلب الصحراء شريانًا جديدًا للحياة والتنمية المستدامة، وأن تصنع معجزة مصرية جديدة تعيد هندسة الجغرافيا و تكسر المستحيل، وهو ما أكده الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال افتتاح المشروع العملاق، قائلا: «إن ما تحقق في الدلتا الجديدة لم يكن ليتحقق إلا بفضل الله سبحانه وتعالى، ثم بجهود الشعب المصرى».
اقرأ ايضا| جـواســيـس الـــظل
ما رأيته وخطونا فوق أرضه لم يكن مجرد مشروع ، بل ميلادا لجغرافيا جديدة ؛ فالمشروع الممتد على مساحة 2.2 مليون فدان تُضاف إلى الرقعة الزراعية المصرية، لا يعتمد على انحدار النيل الطبيعي، بل على «هيدرولوجيا صناعية» متقدمة تقوم على نقل المياه عكس حركة الطبيعة؛ من المناطق المنخفضة إلى الأراضي المرتفعة داخل الصحراء، عبر منظومة هندسية متفردة ومحطات رفع عملاقة.

«الدلتا الجديدة» لا تتوقف عند مجرد استصلاح الأراضي الصحراوية، بل تمثل مشروعًا لإعادة هندسة الجغرافيا، وبناء تنمية حقيقية مستدامة، وإنشاء مصانع جديدة ، وتعزيز الأمن الغذائي للدولة المصرية. وهو ما تعكسه الأرقام الضخمة التي سلط الرئيس عبد الفتاح السيسي الضوء عليها خلال افتتاح المشروع؛ إذ يضيف المشروع نحو 15% إلى مساحة الأراضي المنزرعة في مصر، ويُعد أحد أكبر مشروعات التوسع الزراعي في العالم، بتكلفة تقترب من 800 مليار جنيه، ويوفر مليوني فرصة عمل مستدامة.
وقد نجح المشروع القائم على تنفيذه «جهاز مستقبل مصر» بتضافر جهات الدولة في تجاوز أحد أصعب التحديات المرتبطة بتوفير المياه، من خلال إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي بعد معالجتها معالجة ثلاثية، وتجميعها من محافظات الدلتا، ثم نقلها عبر مسارين رئيسيين؛ الشمالي والشرقي، بطول يصل إلى 150 كيلومترًا لكل منهما، عكس الميل الجغرافي الطبيعي للأراضي. وهو ما استلزم إنشاء 19 محطة رفع رئيسية لتوفير المياه اللازمة لزراعة 2.2 مليون فدان، في إنجاز هندسي غير مسبوق.
وتبرز محطة «نبع»، التي شهد الرئيس السيسي تدشينها، باعتبارها القلب النابض للمشروع، حيث تبلغ قدرتها التشغيلية 9.75 مليون متر مكعب يوميًا، وتعتمد على منظومة تحكم ومراقبة مركزية «SCADA» تتيح الإدارة اللحظية عن بُعد لكافة العمليات التشغيلية، بما يعكس الاعتماد على أحدث النظم التكنولوجية في إدارة الموارد المائية. كما شملت إنجازات المشروع إنشاء محطات لإنتاج الكهرباء بطاقة إجمالية تقترب من 2000 ميجاوات، لضمان استدامة تشغيل هذه المنظومة العملاقة.

وترتكز الرؤية الاستراتيجية لـ«الدلتا الجديدة» على تحقيق التكامل بين الأراضي الزراعية القديمة والجديدة؛ -خاصة فى ظل صعوبة تحقيق الاكتفاء الذاتي من جميع المحاصيل سواء في مصر أو في أغلب دول العالم، لأن الإنتاج الزراعي يعتمد على عدة اعتبارات مناخية ومائية وبيئية- بحيث يتم التركيز في أراضي الوادي والدلتا على المحاصيل التقليدية ذات الإنتاجية المرتفعة، مثل القمح والذرة، بينما تتجه الأراضي الجديدة نحو المحاصيل التي تحقق جودة وإنتاجية أعلى في البيئة الصحراوية، وفي مقدمتها بنجر السكر، بما يضمن تعظيم الاستفادة من الموارد والأراضي والدورات الزراعية .
اقرأ ايضا| المقاتل المصرى.. القوة الحقيقية
ستظل القيمة الأهم لـ «الدلتا الجديدة» أنها لا تعكس فقط قدرة الدولة المصرية على استصلاح الأراضي أو بناء مشروعات عملاقة، بل قدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، وتكشف عن جوهر الشخصية المصرية؛ التي لم تتوقف يومًا عند حدود الجغرافيا أو قسوة التحديات، بل تملك دائما القدرة على إعادة صياغة الواقع وصناعة الممكن من قلب المستحيل.

نوال مصطفى تكتب: صباح الأحد
التغيير للأفضل
المركز الطبى العالمى







