تساؤلات

«كيسة سمرا»

أحمد عباس
أحمد عباس


إلى مقعدى عُدت أنتظر عودة الشاب الذى خرج قبل قليل، لأتابعه أمام موظف الشباك مرة أخرى يقول: ما هذا؟ وكيف؟ ولماذا؟ هل هذا معقول أو منطقى!

الشاب فى مكتب البريد وقف يضرب كفًا بكف، يتصبب عرقه من وجهه إلى أنحاء جسده ويسأل الموظف على الشباك: هل ما تطلبه هو جد أم هزار؟
سألته: مالك؟ قال: أتيت لشحن طرد صغير إلى أخى فى المنصورة، وبعد انتظار قارب نصف الساعة وصلت إلى الشباك وبعدما سألنى الموظف عن نوع الخدمة المطلوبة فأخبرته أننى أحتاج إلى خدمة شحن إلى محافظة الدقهلية، تسلم منى الطرد المطلوب ووضعه على الميزان ثم أخبرنى بالتكلفة ووافقت، ثم انتظرت أمام الشباك وطال الانتظار، فسألت الموظف: ماذا أنتظر لتستخرج لى بوليصة الشحن؟ فقال: بكرة سوليتيب!
خرج الشاب من مكتب البريد بعدما نصحه الموظف بأن يسرع فى شراء بكرة السوليتيب لزوم لف وتغليف طرده، لأن موعد الإغلاق قد أوشك على الحلول وساعتها لن يستطيع تنفيذ شحنته ويكون عليه أن يعاود الزيارة فى صباح اليوم التالى، ومضيت أنا أراقب أصحاب الشحنات والطرود، إذ ربما يكون الشاب غير مرغوب فى وجوده أو لعل الموظف أراد «زحلقة» الزبون.
المفاجأة!
أن الذين يطلبون نفس الخدمة-الشحن- لمناطق مختلفة يدخلون إلى المكتب وكل منهم يحمل بكرة لاصق سوليتيب من النوع السميك والعريض، فتسللت أسألهم واحدًا تلو الآخر: من أين هذه؟ فيقول من المكتبة الكائنة على الناصية، عدا واحد بدا أكثرهم ذكاءً وحيطة، سألنى: أول مرة؟ فأجبته: نعم، فطبطب على كتفى كأنه يواسينى، وقال: من هنا ورايح إذا كنت ستلجأ كثيرًا إلى خدمات شحن البريد فلا ينبغى أن تفارق هذه البكرة يدك ورفع يده اليسرى بفخر، كان يرتدى بكرة سوليتيب كبيرة فى معصمه!
أما الطيب منهم فنصحنى بأن أسارع بإحضار واحدة إن كنت أنوى شحن حاجة أو طرد إلى أى مكان وذلك قبل أن ينفد مخزون المكتبة من البكرات!
الى مقعدى عُدت أنتظر عودة الشاب الذى خرج قبل قليل، لأتابعه أمام موظف الشباك مرة أخرى يقول: ما هذا؟ وكيف؟ ولماذا؟ هل هذا معقول أو منطقى!
اقتربت أكثر لأعرف ما الأزمة التى عصبته إلى هذا الحد بعدما حل مشكلته الأولى ونجح فى شراء بكرة سوليتيب! لأسمع موظف الشباك يطلب من الشاب الخروج مرة أخرى لشراء شنطة بلاستيك قوية تتحمل تغليف الطرد المراد شحنه!
يعنى مكتب البريد الذى يقوم بنقل الشحنات بين المحافظات وبعضها، وبين مصر والدول الأخرى لا يوجد به لا سوليتيب لتغليف القطعة ولا كراتين للحماية ولا بلاستيك فقاعات ولا حتى شنطة بلاستيك عادية، ناهيك عن سبل التغليف البدائية جدًا المعتمدة على الكيس البلاستيك الواهن، هل هذا يعقل؟
كأنك بالضبط تاجر أعلنت عن بيع سلعة ثم لما أتاك الزبائن طلبت منهم شراءها من الخارج أولًا ثم العودة بها لتشتريها مرة أخرى! وهذا بالضبط ما فهمته من المشهد الدائر أمامي.
عاد الشاب بعدما اقتنص «كيسة سمرا» من الفكهانى المفترش الناصية القريبة ودسها للموظف مرة أخرى، فتأفف الموظف الطيب وقال للشاب: ألم تجد شنطة بيضاء يا راجل!
أنجز الشاب بُعيثته وخرج من المكتب-بلا مبالغة- وهو يجرى خشية أن يطلب منه توصيل الطرد بنفسه، وبينما كان يجرى كان يهمهم: آخر مرة والله العظيم آخر مرة، مالها كذا وكذا! وذكر أسماء لشركات شحن كثيرة محلية وأجنبية!
الشاب لخص الحدوتة واختصرها، إذا كنت-هيئة البريد- لن تستطيع تقديم الخدمة كما يقدمها الآخرون فسأختصر السكة وألجأ لهؤلاء الآخرين، وكان يتساءل: إذا كنت سأشترى بكرة السوليتيب و«الكيسة السمرا» فلماذا إذن تحصلون على رسوم مرتفعة!
الشاب صغير لا أظنه تجاوز مرحلة جيل زد، وبدا لو أنه تورط فى التعامل مع مكتب البريد بلا اختيار منه، وأنه لو خيروه لكان استخدم شركة أخرى تؤدى له خدمته على أكمل وجه، كانوا سيصلون إلى البيت ويتسلمون الشحنة ويتولون هم شأن بكرة السوليتيب و«الكيسة السمرا» دون ادنى معاناة منه ولا لف فى الحر على الفكهانية، وهذه بالضبط هى المشكلة، إذا كنت-هيئة البريد- لن تستطيع خدمتى فلن أفعلها مرة أخرى وليس أكثر من شركات الشحن، الأزمة بالنسبة لى أنك بهذه الطريقة تفقد ملايين من الجيل الجديد الذين تحب أن يدخلوا دائرتك لتكسبهم، وهذا جيل متعلم وخلقه ضيق ولا يحب التعطل.