«نحن نشقى ليس لأن ما عندنا قليل، بل لأن ما عند الآخرين أكثر».
تبدأ رحلتك الصباحية فى الشوارع فتجد نفسك محاصراً بفيضان من اللوحات الإعلانية.. تصرخ فى وجهك إعلانات «الكمبوند» الفاضل والجنة الموعودة بأسماء أجنبية ورسومات سريالية مذيلة بأرقام أقسام المبيعات دون إشارة حتى للموقع!!.. وعلى الهاتف تحاصرك رسائل كبار المطورين العقاريين.. كلهم يتحدثون بنبرة توحى بأنهم صنعوا المستحيل لأجلك.. الآن يمكنك حجز وحدتك ادفع ١٪ فقط من الثمن! ..
سرعان ما تكتشف أن هذه النسبة الضئيلة تمثل فى الواقع ١٠ ملايين جنيه!! .. أرقام تجعل الموظف منا يدرك أنه يحتاج ٢٥٠ عاماً من العمل ليشترى «طرقة» فى إحداها!!.. تقرير الثروة العالمى الصادر عن مؤسسة «نايت فرانك « ٢٠٢٦ يقول إن عدد الأثرياء الفائقين فى مصر- أى من تتجاوز ثرواتهم الثلاثين مليون دولار - عددهم ٨٢٢ شخصاً من بين ١٢٠ مليون مصرى ..وهم بالمناسبة أقل لدينا من دول عديدة...
هؤلاء وغيرهم من أعضاء نادى الثراء الفائق حول العالم هم المستهدفون الحقيقيون بهذه الإعلانات الصاخبة والأرقام ذات الثمانية والتسعة أصفار، أما أنت فدورك فى هذه المسرحية مختلف تماماً، أنت الجمهور الذى عليه أن ينبهر ثم يمضى إلى حياته. لكن المشكلة أن كثيرين منا لا يمضون، بل يظلون يتفرجون ويسألون ويحلمون حتى يتحول التفرج إلى ألم والحلم إلى حسرة.
الأزمة الحقيقية ليست فى أسعار تلك الجنان الموعودة لكن فيما تصنعه من «جنان» داخل رأسك ..تقرير السعادة العالمى يقول إن التعرض المستمر لمشاهد الثراء الفائق تتحول مع الوقت بداخلك إلى اكتئاب هادئ يجثم على صدرك دون أن تعرف اسمه.
هنا يأتى دور الفلسفة الرواقية..أدعوك عزيزى القارئ بتجربتها ..فلسفة عملية جداً وطبقها أناس عاشوا فى أوقات لم تكن أسهل من أوقاتنا. 'الرواقية» نشأت فى اليونان القديمة على يد «زينون الرواقى» حوالى ٣٠٠ عام قبل الميلاد، ثم صقلها بعده كبار المفكرين.. هؤلاء لم يكونوا يتفلسفون فى أبراج عاجية، بل كانوا يواجهون الحروب والمجاعات وتقلبات الزمن والأمراض، وكانت «الرواقية» هى درعهم الحامى.
جوهر الفكرة الرواقية بسيط ..قسّم العالم إلى قسمين فقط، ما يقع تحت سيطرتك وما لا يقع...سعر الفيلا فى الساحل؟ ليس فى يدك. إعلان السيارة الجديدة؟ ليس فى يدك. قرار المطور العقارى أن يبيع شقة بمائة مليون جنيه؟ ليس فى يدك. لكن ردّ فعلك على كل هذا؟ هو ملكك وحدك أنت ولا يستطيع أحد أن ينتزعه منك.
أحد أهم وأبرز الفلاسفة الرواقيين هو «ماركوس أوريليوس» يقول « إننا لا نحتاج إلا القليل لنكون سعداء، ونشقى ليس لأن ما عندنا قليل، بل لأن ما عند الآخرين أكثر»..يعنى أنت راض عن راتبك حتى تعلم أن فلان يتقاضى أكثر منك ونرضى عن بيتنا حتى نزور بيتاً أفخم أو أكبر.
الرواقية لا تعنى أن تكون بلا طموح أو سلبيًا بل تقوم على أربعة أعمدة هى «الحكمة» لمعرفة ما تملكه وما يخرج عن إرادتك، و«الشجاعة» لمواجهة الضغوط والمغريات دون أن تشعر بالدونية، و«العدل» للعمل بإنصاف من أجل الخير العام، و«الاعتدال» لكبح جماح الاستهلاك وهى بمجموعها تمنحك درعاً نفسياً وصلابة ضد هراء العالم.
وحتى تصبح من «الرواقيين» عليك ممارسة تمارين مختلفة لتدريب النفس..مثل أن تقضى يوماً تتناول فيه أبسط طعام أو الصيام أو تتخلى عن كل الرفاهيات المعتادة، ليس عقاباً للنفس بل تذكيراً لها بأنها قادرة على الصمود والسعادة حتى فى أشد الظروف بساطة..الهدف ليس التقشف الدائم بل أن تُعلّم نفسك درساً واحداً .. أنا أستطيع أن أكون بخير حتى لو لم يكن لدى ما يملكه غيري.
التمرين الرواقى الثانى هو ما سماه الفلاسفة «التوقع السلبي»، وهو أن تتخيل بهدوء زوال الأشياء التى تظنها أساسية لسعادتك وأن ما تملكه الآن من صحة وراتب صغير وقدرة على العمل هو ثروة حقيقية لو أُخذت منك لدفعت كل شيء لاستعادتها. الرواقية ليست استسلاماً ولا رضى بالظلم، هى ببساطة أن تقرر أن سعادتك ملك يدك لا ملك إعلان ممول .لذا، إذا كنت «راضياً» اليوم، فأنت تطبق «الرواقية» بالفطرة لأن قمة هدف الفلسفة الرواقية هو الوصول لحالة يسمونها «الأتاراكسيا» وهى كلمة يونانية تعنى «هدوء البال، وصفاء النفس، وخلوها من الحزن».. أو كما نقول بالمصري: «روقان البال» أو ملخص كل ذلك فى كلمتين «الحمد لله».

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







