خمس نجوم لا تكفي.. البرازيل تطارد اللقب السادس بعد عقدين من الغياب

منتخب البرازيل
منتخب البرازيل


حين تُذكر البرازيل، لا يتحدث العالم عن منتخب كرة قدم فقط، بل عن أسطورة طويلة كتبتها الأقدام الحافية فوق رمال الفقر، ثم حملتها إلى منصات الذهب والمجد، البرازيل لم تكن يومًا مجرد بطل للمونديال، بل كانت الإمبراطورية الأخيرة التى جعلت الكرة تُلعب بالمتعة قبل الحسابات، وبالسحر قبل التكتيك.

خمسة ألقاب صنعت علاقة أبدية بين السامبا والكأس الذهبية، لكن منذ ليلة كوريا واليابان 2002، بدا وكأن الفصل السادس تأخر كثيرًا، مرت السنوات ثقيلة على الجماهير البرازيلية، تعاقبت الأجيال، وتبدلت الوجوه، بينما ظل السؤال معلقًا فى الهواء: أين البرازيل التى كانت ترعب العالم بالابتسامة قبل الأهداف؟.

من رونالدو الظاهرة، ورونالدينيو الساحر، إلى جيل جديد يقوده فينيسيوس ورافينيا، تبحث البرازيل عن وريث حقيقى للمجد، لاعب يعيد للقمصان الصفراء هيبتها، ويمنح الجماهير تلك الرقصة التى افتقدتها طويلًا، وبينما يقف أنشيلوتى على رأس المشروع الجديد، تبدو المهمة أكبر من مجرد الفوز ببطولة.. إنها محاولة لإحياء روح كرة القدم البرازيلية نفسها.

العالم ينتظر عودة السامبا، ليس فقط لترفع الكأس، بل لتعيد المتعة التى جعلت الملايين يعشقون اللعبة من الأساس.

إذا ذُكر المونديال، على الفور يحن موعد البرازيل، كبير البطولة، سيد العالم، المنتخب صاحب الرقم القياسى فى التتويج بالبطولة العالمية برصيد خمس مرات، أعوام ١٩٥٨ و١٩٦٢ و١٩٧٠ و١٩٩٤ و٢٠٠٢.

البرازيل كانت وستبقى لها علاقة خاصة بكل محبى كرة القدم على وجه الأرض، خاصة إن كنت لا تنافسها، مثل ولع الشعوب العربية وشعوب قارتى أسيا وإفريقيا الذين يضعون منتخب السليساو فى المركز الثانى خلف منتخبهم فى التشجيع والاهتمام فى بطولتى كأس العالم وكوبا أمريكا.. يعانى منتخب البرازيل منذ آخر تتويج له فى ٢٠٠٢، المونديال الذى أقيم فى كوريا واليابان، يفتقد لهويته المعروفة، لم يصل منذ هذا التاريخ للنهائى وتعرض لضربات قاسية ومفاجئة فى مقدمتها الهزيمة التاريخية بنصف نهائى نسخة ٢٠١٤ التى أقيمت فى البرازيل، حينما خسروا أمام الألمان ١/٧ فى يوم هو الأصعب على الكرة البرازيلية ومحبيها.

◄ اقرأ أيضًا | مونديال 2026.. 48 منتخبًا و104 مباريات وثلاث دول تستضيف الحلم الأكبر

◄ أهلًا بالمفارقات

هناك أكثر من فأل حسن للجماهير البرازيلية فى النسخة المقبلة، فعلى سبيل المثال كان آخر تتويج فى نسخة استضافتها أكثر من دولة، كوريا الجنوبية واليابان، والنسخة المقبلة ستكون فى أكثر من بلد أيضًا .. آخر تتويج للسامبا كان منذ ٢٤ عامًا، وهى نفس المدة التى احتاجوها للتتويج بلقبهم الرابع عام ١٩٩٤، فكان التتويج الثالث لهم يسبقه بـ٢٤ عامًا عام ١٩٧٠.

ومن ضمن المفارقات العجيبة التى تأتى فى صالح البرازيل، أن اللقب الثالث نسخة ٧٠ كان فى المكسيك، والرابع نسخة ٩٤ كان فى الولايات المتحدة الأمريكية، وسيستضيف البلدان النسخة المقبلة فى يونيو المقبل .

◄ الواقع أهم

وبالابتعاد قليلًا عن المفارقات، والعودة للواقع، فإن البرازيل، بل العالم أجمع، على موعد مع تجربة فريدة وجديدة من نوعها، وهى مشاركة البرازيل تحت قيادة فنية أجنبية فى المونديال، المدرب الإيطالى المخضرم كارلو أنشيلوتى، فلم يسبق للبرازيليين أن توجوا بالمونديال مع مدرب أجنبى، توج المدربون الوطنيون مع البرازيل بالبطولات الخمسة، فيسنتى فيولا فى ١٩٥٨، ايمورى موريرا فى ١٩٦٢، زاجالو فى ١٩٧٠، كارلوس البرتو بيريرا فى ١٩٩٤، فيليب سكولارى فى ٢٠٠٢ .. ليس ذلك فحسب، فلم يتوج بأى بطولة مونديالية عبر التاريخ، منذ ١٩٣٠ حتى ٢٠٢٢ سوى المدرب الوطنى، لذا فإن التحدى الذى يواجه المدرب الإيطالى كبير.. يبلغ أنشيلوتى من العمر ٦٦ عامًا، وتاريخه يبقى غنيًا عن التعريف، فعل كل ما يمكن فعله فى مشواره التدريبى مع الأندية، توج بالدورى الإسبانى مع ريال مدريد، الإيطالى مع إى سى ميلان، الفرنسى مع باريس سان جيرمان، الألمانى مع بايرن ميونيخ، الإنجليزى مع تشيلسى.

حقق أنشيلوتى الإنجاز التاريخى فى دورى الأبطال بالحصول عليه خمس مرات، ثلاثة مع الريال ومرتين مع ميلان.

كل هذه الحصيلة التاريخية، وهذا العمر الكروى الذى قص شريطه كلاعب مع روما ثم ميلان وصولًا للمشوار التدريبى، تجعل كارلو لا يخشى التجربة التى إذا نجحت لن تكون كغيرها وقد يفكر بعدها فى الاعتزال، فماذا بعد الذهب البرازيلى؟ وأى شىء يوازى هذا الإنجاز ؟.

الأمر لم يعد سهلًا، يعى أنشيلوتى ذلك جيدًا، لاعبو الأمس ليس كلاعبى اليوم، العقلية تغيرت، الآن تسيطر اللقطة، وتتحكم وسائل التواصل الاجتماعى فى عقلية الجميع، والسيطرة على غرفة ملابس الأجيال الحالية عالميًا أصبح أمر صعب المنال، وهو ما يزداد صعوبة فى البرازيل، حيث العقلية المزاجية للاعبين وعدم استقرار التفكير مهما بلغت الموهبة مداها.

◄ المشروع الحلم

لدى أنشيلوتى خبرة كبيرة فى التعامل مع مثل هذه المواقف، لم ينفلت الأمر منه كثيرًا فى مختلف الدوريات التى درب بها، يتعامل بحكمة مع الكبير والصغير، لكن يبقى السؤال هل يستطيع السيطرة على السحر البرازيلى؟ هل يجعل التكتيك والأسلوب الانضباطى فى اللعب يتحكم ويطغى على المهارات؟ كلها أسئلة تدور فى عقل الجميع، ويبقى الإيطالى صاحب الجواب النهائى الشهر المقبل.

يمتلك المنتخب البرازيلى فى جيله الحالى كوكبة من النجوم، فى كل المراكز، على رأسهم فينيسيوس جونيور نجم ريال مدريد، رافينيا جناح برشلونة، كونيا صانع ألعاب مانشستر يونايتد، كاسيميرو لاعب وسط اليونايتد، ريتشارلسون مهاجم توننهام، جواو بيدرو مهاجم تشيلسى، مارتينلى جناح أرسنال، ويبقى هناك انتظار لموقف نيمار النجم الذى لم يستطع التتويج فى قمة مجده بالبطولة العالمية ويلعب حاليًا فى سانتوس البرازيلى وسط تراجع حاد لمستواه المعهود خلال فترته فى باريس سان جيرمان وبرشلونة .

◄ الصدمات والتاريخ المونديالي

الصدمات البرازيلية فى التاريخ المونديالى كانت كثيرة ومعتادة على عشاق كرة السامبا، فمن ينسى جيل ١٩٨٢، حيث سقراطس وزيكو وايدير وغيرهم من النجوم، ورغم السحر الذى نثروه فى بداية البطولة فإنهم ودعوا البطولة أمام الكاتاناتشو الإيطالى.

أيضًا نسخة فرنسا ١٩٩٨، حيث انطلاقة رونالدو وروبرتو كارلوس وريفالدو وغيرهم من النجوم الذين خسروا بالثلاثة فى النهائى أمام الديوك أصحاب الأرض والجماهير.

وتكرر الأمر أمام فرنسا أيضًا فى ربع نهائى ٢٠٠٦ فى نهاية جيل رونالدو ورونالدينيو.

تنتظر الجماهير بشدة رؤية البرازيل من جديد، البرازيل التى تمتع وتبدع وترفع الكأس، البرازيل التى قدمت نماذج عدة اقتدى بها الملايين حول العالم، أولئك الذين تحدوا الفقر والصعوبات ليقتحموا باب العالمية؛ ليصبحوا مصدر فرحة لشعوبهم وجميع محبى الساحرة المستديرة، فهل من رقصة جديدة فى ملاعب العم سام؟.. بانتظار الرد المرصع بالذهب.