بقلم: دينا الأدغم
تُعتبر الإرادة والإنتماء وجهان لعملة واحدة وأيضا النواة الحقيقية تجاه تحقيق الأمن القومي لتأمين كيان الدولة المصرية ضد كافة التهديدات والعدائيات داخليا وخارجيا ومواجهة التطرف والإرهاب والمبادئ الهدامة، التي تستهدف النيل من تماسك الوطن واستقراره، ورجال القوات المسلحة بإرادتهم القوية وعزيمتهم التي لا تلين ماضون في أداء المهام المقدسة المكلفين بها لحماية الوطن والتصدي لكل من يحاول استباحة أرض مصر وسيادتها.
ثمة مشاهد لا تُقاس بما تراه العين وحدها، بل بما توقظه في الذاكرة من معانٍ وما تزرعه في القلب من يقين. وثمة لحظات يصبح فيها صوت الخطوات المنتظمة أبلغ من آلاف الكلمات، لأن خلف كل خطوة تاريخًا من التضحية، وخلف كل قطرة عرق وطنًا كاملًا يطمئن إلى أن أبناءه ما زالوا قادرين على حمل الأمان فوق أكتافهم.
هكذا كان الفجر في مدينة العبور، حين تحولت شوارع المدينة إلى مسرح مفتوح لملحمة وطنية، بعد أن نفذت عدة سرايا من سلاح الصاعقة المصرية طابور اختراق ضاحية امتد بين الطرق والأحياء، في مشهد أعاد إلى الأذهان صورة الجندي المصري الذي يصنع من المشقة مجدًا، ومن الانضباط لغةً لا تحتاج إلى ترجمة.
حين انطلقت خطوات رجال القوات المسلحة المصرية، بدا المشهد وكأن الزمن عاد إلى تلك اللحظات الخالدة التي ارتفعت فيها الطائرات المصرية تشق السماء، يتقدمها اسم الشهيد الطيار عاطف السادات، الذي كتب بدمه أولى صفحات النصر في حرب أكتوبر، ليصبح رمزًا خالدًا للشجاعة والإقدام والتضحية.
كان رجال الصاعقة يركضون كأنهم يطاردون المستحيل، وكأنهم يحملون في صدورهم وصية الأبطال الذين عبروا من قبل. لم تكن خطواتهم مجرد حركة على الإسفلت، بل كانت نشيدًا وطنيًا يؤكد أن القوة الحقيقية لا تُولد في ساحات العرض، بل في ساعات التدريب القاسية التي تصنع الإنسان قبل أن تصنع المقاتل.
وبعد هذا المشهد المهيب، خرجت بعض الأصوات تتساءل: ما جدوى الجري في عصر التكنولوجيا والأسلحة الذكية؟ وكأنهم يتصورون أن التطور التقني يمكن أن يحل محل الإنسان، أو أن الآلات تستطيع أن تعوض الإرادة والعزيمة والانضباط.
لكن الحقيقة التي تعرفها الجيوش الكبرى في العالم أن التكنولوجيا مهما بلغت لا تساوي شيئًا إذا لم يكن خلفها مقاتل قادر على التحمل واتخاذ القرار تحت الضغط. وهذا هو السر الذي يجعل الجندي المصري موضع احترام كل من يعرف معنى العسكرية: إن السلاح الحديث يحتاج إلى إنسان أكثر حداثة في عقله، وأكثر صلابة في جسده، وأكثر رسوخًا في إيمانه برسالته.
وخلال السنوات العشر الأخيرة، شهدت القوات المسلحة المصرية تطورًا ملحوظًا في مجالات التكنولوجيا العسكرية، شمل الطائرات بدون طيار، والحرب الإلكترونية، وأنظمة القيادة والسيطرة، والتصنيع العسكري المحلي عبر مؤسسات مثل الهيئة العربية للتصنيع. ففي معرض EDEX 2025 ظهرت منظومات جديدة من المسيّرات وأنظمة الاستطلاع والرصد، إلى جانب تطوير عربات تكتيكية ومنصات صاروخية وأنظمة تسليح متقدمة.
ومع ذلك، يبقى العنصر البشري هو جوهر المعادلة. فالطائرة المسيّرة تحتاج إلى عقل يديرها، وأنظمة الحرب الإلكترونية تحتاج إلى مقاتل يفهمها، والدبابة الحديثة تحتاج إلى رجل يعرف كيف يحول التكنولوجيا إلى قوة فعلية على الأرض.
لهذا لم يكن مشهد الصاعقة في مدينة العبور استعراضًا للقوة البدنية فحسب، بل إعلانًا واضحًا بأن مصر تجمع بين أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا العسكرية، وأعرق ما عرفته الجندية من انضباط وصلابة وتحمل.
كل خطوة كانت وعدًا للوطن، وكل نفسٍ متسارع كان قسمًا جديدًا، وكل قطرة عرق تسقط على أرض العبور كانت امتدادًا طبيعيًا لدماء الشهداء التي روت تراب مصر، من السماء التي حلّق فيها عاطف السادات إلى الأرض التي يحرسها أبناء اليوم.
وقف الناس على الأرصفة يتابعون المشهد بإعجاب وطمأنينة. لم يروا مجرد جنود يركضون، بل رأوا مصر وهي تتدرب، ومصر وهي تطور سلاحها، ومصر وهي تؤكد أن القوة ليست في الآلة وحدها، بل في الإنسان الذي يمنح الآلة معناها.
وفي مدينة العبور، حيث يلتقي الاسم بالتاريخ، مرّت الصاعقة لتعلن حقيقة لا تقبل الجدل: أن العبور لم يكن حدثًا في الماضي، بل منهجًا متجددًا، وأن مصر ما دامت تملك رجالًا يجمعون بين صلابة المقاتل ودقة التكنولوجيا، فإنها ستظل قادرة على عبور كل التحديات نحو مستقبل أكثر أمنًا وقوةً وكرامة.

دينا الأدغم تكتب: كيف تعيد السوشيال ميديا طرح دور الأب في تشكيل وعي الفتاة؟
استغاثة أهالي حوض نجيح للحكومة لإنهاء أزمة فصل التيار الكهربائي عن منازلهم
دينا الأدغم تكتب: مطار القاهرة الدولي في موسم الحج.. عندما تصبح الكفاءة التنظيمية رسالة طمأنينة وسط تحديات المنطقة







