"يقولون إن الأمومة هي القوة التي تجعل المستحيل ممكناً، لكن في قصة البريطانية فيليس لوملي، كانت الأمومة في حد ذاتها معجزة حقيقية، ففي عالم يشتكي فيه الكثيرون من أبسط العقبات، ظهرت "لوملي" لتذكرنا بما يمكن أن تفعله الإرادة، فهي الأم التي ولدت بدون ذراعين، وبساق أقصر من الأخرى بـ15 سم، ومع ذلك لم تقهر العجز فقط، بل أنجبت وربت 7 أطفال أصحاء، وأدارت منزلها بكفاءة تفوق الخيال.. وبقدميها فقط."

في الخمسينيات، عندما كانت المرأة تكافح لتلبية متطلبات البيت والأسرة بدون أجهزة حديثة أو تكنولوجيا تسهل المهام المنزلية، كانت فيليس تفعل كل شيء.. بقدميها، وفي حي باترسي الشعبي، كان الجيران يراقبون بذهول تلك المرأة التي لا تطلب المساعدة من أحد، أما زوجها جاك، فقد كان شريك كفاحها الذي آمن بها وبقدرتها، موفراً لها الدعم النفسي في مجتمع لم يكن يرحم المختلفين آنذاك.

ولدت فيليس لوملي حوالي عام 1915 في ساوثهامبتون بإنجلترا، بدون ذراعين، وكانت إحدى قدميها أقصر من الأخرى، لم تكن حياتها سهلة في البداية، لكنها التحقت بمدرسة خاصة للمعاقين في بورتسموث، حيث تعلمت استخدام قدميها كما يستخدم الآخرون أيديهم.
تزوجت من جاك لوملي، عامل دهان، واستقرت في منطقة باترسي بلندن، وبدلاً من أن تكون الإعاقة عائقاً، تحولت إلى دافع للإبداع والإصرار، قبل ولادة طفلها الأول، تدربت على العناية بالرضع باستخدام دمية، لتكون جاهزة تماماً.

كانت لوملي تعتمد على قدميها في جميع المهام، تطبخ وجبات اليوم لعائلة مكونة من 9 أفراد، وتغسل وتكوي الملابس، وتخيط وتطرز بدقة متناهية ، حتى تمرير الخيط في الإبرة!، تمشط شعر بناتها، وتغير حفاضات الأطفال، وتحملهم، وترضعهم، وترتدي ملابسها وتزر أزرارها بنفسها، وحتى تدخن سيجارة أحياناً (كما كان شائعاً في ذلك الوقت).
لم تكن فيليس لوملي تبحث عن الشهرة، بل كانت تعيش حياتها ببساطة وبكرامة، قصتها ليست مجرد حكاية عن إعاقة، بل عن القدرة البشرية على التكيف، وعن حب الأمومة الذي يتجاوز كل الحدود.
قصة لوملي ليست مجرد إصرار شخصي، بل دليل حي على مرونة الدماغ البشري أمام التحديات، والتكيف مع الإعاقات بـ«اللدونة العصبية»، وهي قدرة الدماغ على إعادة تشكيل نفسه وتكييف مناطق مختلفة حسب الاستخدام، وبفضل تدريبها المستمر منذ الطفولة، استطاع دماغ فيليس أن يعيد تخصيص المناطق المسؤولة عن الحركة الدقيقة، التي عادة تتحكم في اليدين – لتخدم قدميها ببراعة فائقة، حتى أصبحت قادرة على القيام بمهام دقيقة مثل تمرير الخيط في الإبرة أو تغيير حفاضات أطفالها.
وفي زمننا هذا، حيث يواجه الكثيرون تحديات نفسية وجسدية ومادية، تذكرنا فيليس أن الإعاقة الحقيقية ليست في الجسد.. بل في قلة الإرادة وفي نقص العزيمة، وبينما نتذمر اليوم من تعطل ريموت التلفاز أو توقف الإنترنت، دعونا نتذكر أصابع قدم فيليس وهي تمرر الخيط في ثقب الإبرة الصغير، لنتساءل: هل نحن حقاً عاجزون، أم أننا فقط لم نحاول بما يكفي؟"

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







