د. إلهام شاهين: «حق شرعى» وليس منحة قانونية.. والحل فى «الضبط» لا الإلغاء
د. أسامة قابيل: نسعى لتوازن دقيق بين حق المرأة واستقرار الأسرة
أمين كبار العلماء بالأزهر: تقدمنا بمقترح متكامل ونأخذ بالأمثل من آراء الأئمة الأربعة بما يناسب الواقع والمستقبل
د. أحمد كريمة: رغم مشروعيته ظل محل جدل بين الفقهاء فى نطاق تطبيقه وحدوده.. ويتطلب «صرامة التطبيق»
«فى أروقة محاكم الأسرة، تتعالى الأصوات وتتشابك المصائر تحت مسمى «الخُلع».. ذلك الحق الذى استمد مشروعيته من السنة النبوية الشريفة ليصبح سلاح المرأة الأخير للخلاص من حياة استحالت استمراريتها..
وبينما يراه البعض «طوق نجاة» يحمى المرأة من القهر، ينظر إليه آخرون كمعول يهدم كيان الأسرة بقرارات قد توصف بالمتسرعة. وفى ظل اختلاف تاريخى بين الأئمة الأربعة حول طبيعته أهو طلاق أم فسخ؟
وبروز تحديات قانونية فى تطبيق نصوص الأحوال الشخصية، نفتح هذا الملف لنستجلى آراء رجال الدين والقانون والمجتمع: كيف يُقرأ الخلع اليوم؟ وهل سيسد القانون الجديد الفجوات الفقهية أم سيخلق واقعاً جديداً يبتعد عن روح الشريعة؟
فى هذا التحقيق، نستطلع آراء علماء الدين حول الفجوة بين الفقه الموروث والتطبيق المعاصر، وهل يحقق الخلع بصورته الحالية مقاصد الشريعة فى العدل والفضل؟»
فى البداية أشار د. عباس شومان، «الأمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف»، إلى البعد الحقيقى لمعنى «الفقه»، موضحاً أنه فى اللغة يعنى «الفهم»، وهو ما يجب أن ينعكس على الفهم الصحيح للعلاقات الأسرية.
وأشار فضيلته إلى أن الحياة الزوجية السليمة يجب أن تؤسس على المودة والرحمة والاختيار المُتبادل، مشددًا على ضرورة ابتعادها عن أى أشكال القهر أو اللجوء المستمر للملاحقات القانونية التى تهدم استقرار الأسرة.
وفى سياق متصل بجهود تجديد الخطاب والنظر فى القضايا الفقهية المعاصرة، أشار شومان إلى أن هيئة كبار العلماء قد تقدمت بمقترح متكامل، يتضمن أفكارًا ورؤى شاملة تغطى كل التفاصيل المتعلقة بقضايا «الخلع».
وأكد شومان على سعة الصدر فى التعامل مع القضايا الخلافية، قائلًا: «لا نريد احتكار الإجابة، وفى الوقت ذاته لا نحجر على أصحاب الآراء الأخرى».
وأشار إلى منهجية الهيئة فى استنباط الأحكام، حيث يتم النظر إلى المجمل فى آراء الأئمة الأربعة، واستخلاص الرأى الأمثل والأكثر مرونة، بما يتناسب مع معطيات الزمن الحالى وطبيعة المكان، ليلبى احتياجات مجتمعنا فى حاضره ومستقبله.
ويؤكد شومان أن الخلع شرعاً ليس إجراء مفتوحاً بلا ضوابط، وإنما يجب أن يكون منضبطاً ويتم فى أطر واضحة وفق أحكام الشريعة الإسلامية، تقوم على العدل والشفافية وعلم الطرفين، وفى عهد النبى صلى الله عليه وسلم كان الانفصال يتم بعلم الطرفين وبطريقة تحقق التوازن بين الحقوق، ويشدد على أن الأصل هو الحفاظ على كيان الأسرة واستقرارها، باعتبارها اللبنة الأساسية فى بناء المجتمع، وهو ما يتطلب التحلى بالأمانة والصبر وحسن المعاشرة.
ضوابط شرعية
ويؤكد د. أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر على ضرورة إعادة النظر فى القضايا الأسرية من منظور دينى واجتماعى متكامل، مشددًا على أهمية الحفاظ على استقرار الأسرة المصرية باعتبارها حجر الأساس فى بناء المجتمع، وأوضح أن اللجوء إلى الانفصال تحت غطاء الغش أو التزوير أو الإدلاء ببيانات أو عناوين غير صحيحة للحصول على مكاسب دنيوية، يُعد سلوكاً مرفوضاً شرعاً وأخلاقياً، ويتنافى مع تعاليم الدين الإسلامى التى تقوم على الصدق والأمانة.
وأكد أن الإصلاح الحقيقى يبدأ من داخل الأسرة نفسها، وأثنى على جهود الدولة والقيادة السياسية فى الاهتمام بملف الأسرة، والعمل على دعم استقرارها، من خلال مبادرات وبرامج تستهدف تقليل نسب الطلاق والخلع، بما يتوافق مع تعاليم الشريعة الإسلامية ويحافظ على تماسك المجتمع وتتكامل هذه الرؤى لتؤكد أن القضية لم تعد مجرد مسألة قانونية، بل أصبحت تحدياً مجتمعياً وثقافياً يتطلب تضافر جميع الجهود، من تشريع وإعلام وتوعية دينية، من أجل الحفاظ على كيان الأسرة المصرية، وأن الحفاظ على تماسك الأسرة ليس مجرد قضية اجتماعية، بل هو قضية أمن قومى، حيث إن استقرار الأسرة يعنى استقرار المجتمع بأكمله، ومن ثم، فإن تحقيق التوازن بين الحقوق القانونية والواجبات الأخلاقية، إلى جانب إصلاح الخطاب الإعلامى والدرامى والثقافى، يمثل الطريق فى إعادة التوازن، ويبقى الأهم هو استعادة المعنى الحقيقى للزواج باعتباره ميثاقاً قائماً على المسئولية لا مجرد علاقة يمكن إنهاؤها بسهولة، فالخلع، رغم مشروعيته، ظل محل جدل بين الفقهاء فى نطاق تطبيقه وحدوده، واتفقوا على أنه لا يُلجأ إليه إلا وفق ضوابط شرعية صارمة.
مخرج شرعى
فيما أكدت د. إلهام شاهين، الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلامية، أن الخلع يمثل حقاً شرعياً أصيلاً للمرأة وليس مجرد منحة قانونية، مشددة على أنه لا ينبغى أن يكون تطبيق هذا الحق قاصرًا على كونه «حلًا أخيرًا» للخلاص من الظلم عبر التضحية المادية، بل هو مخرج شرعى يحتاج إلى تعزيز آليات التحقق من اضطرار المرأة إليه وتقوية مسارات الإصلاح قبل النطق بالحكم.
وأشارت شاهين خلال حديثها إلى النقاط الجوهرية التالية:
منهج التوازن
أوضحت د. إلهام أن الأمر يتطلب «ضبطاً» لا إلغاءً ولا إطلاقاً؛ فالتوازن يتحقق عبر التحقق من جدية الطلب وبحث أسباب الكراهية، مع إلزام المرأة برد الحقوق المالية (المهر ونحوه) كحاجز ضد التسرع فى حال عدم وقوع ضرر مباشر.. وعن مشروعية الكراهية؛ استدلت بقصة امرأة ثابت بن قيس رضى الله عنهما، مؤكدة أن «الكراهية الشديدة» المانعة من العشرة، حتى دون وجود عيب فى خُلق الزوج أو دينه، هى سبب معتبر وشرعى للخلع، فلا يجوز إجبار المرأة على البقاء فى علاقة لا تطيقها.
جذور «الخلع الكيدى»
ولفتت إلى أن الخلع الكيدى ليس ظاهرة نابعة من النص الشرعى، بل هو نتاج سوء تطبيق الحق ووجود خلل اجتماعى يتمثل فى التوقعات غير الواقعية عن الزواج وضعف التأهيل والتدخلات الأسرية.
وأضافت د. إلهام شاهين حول دور المؤسسات الدينية وهو «الوقاية والإصلاح»، وذلك من خلال التأهيل الإلزامى للمقبلين على الزواج وتصحيح الصور الذهنية المبالغ فيها، وهو ما يقوم به الأزهر الشريف ودار الإفتاء بالفعل،ودعت إلى تفعيل مراكز إرشاد أسرى تتجاوز مجرد الوعظ إلى التدخل المبكر، مشيدة بوحدات «لم الشمل» بالأزهر المنتشرة فى كافة المحافظات.
كما أكدت شاهين على ضرورة أن تكون الوساطة عند طلب الخلع «جادة لا شكلية»، للتفريق بين الكراهية العابرة التى يمكن علاجها، وبين النفور الحقيقى المستحكم الذى يجب أن يُحترم ويُوضع له حل سريع وعادل.
واختتمت تصريحاتها بالتأكيد على أن الخطر الحقيقى لا يكمن فى وجود «الخلع» كحق، بل فى غياب البدائل والحلول الإصلاحية التى تسبق الوصول إلى هذه المرحلة.
فرصة جديدة
ويرى د. أسامة قابيل، من شباب علماء الأزهر الشريف، أن الشريعة الإسلامية أقرت بوضوح حق المرأة فى إنهاء زواج لا تطيقه من خلال «الخلع»، مستدلاً بالنصوص القرآنية وإقرار النبى ﷺ لطلب زوجة ثابت بن قيس، مما يعكس اعتبار «الرضا النفسى» أساسًا لاستمرار الزواج.
واستدرك قابيل قائلًا: «إلا أن الأصل فى العلاقة الزوجية هو الاستقرار والمودة»، مشيرًا إلى أن تحقيق التوازن بين حق المرأة ومنع ظاهرة الخلع الكيدى يتطلب وضع ضوابط دقيقة، أبرزها التحقق من جدية الطلب، وإعطاء فرصة حقيقية للإصلاح.
وشدد العالم الأزهرى على أهمية الرقابة القضائية لضمان عدم إساءة استخدام هذا الحق تطبيقًا لقاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، داعيًا إلى ضرورة نشر الوعى المجتمعى بأن الخلع هو «حل استثنائى» عند تعذر الحياة، وليس وسيلة للانتقام أو الهروب السريع.. وحول العلاقة بين قانون الأحوال الشخصية الحالى والمذاهب الفقهية، أوضح د. أسامة قابيل أن الخلع ثابت بنصوص قطعية، وما حدث من اختلاف بين الأئمة كان فى بعض التفصيلات كدور القاضى أو اشتراط رضا الزوج.
وأضاف: «القانون المعاصر جاء لينتقى من هذه الأقوال الفقهية ما يحقق مقاصد الشريعة فى رفع الحرج وحفظ الحقوق، وهذا الاختيار ليس خروجًا عن المذاهب بل هو اجتهاد داخل إطارها، فقضاء الحاكم يرفع الخلاف».
ولفت إلى أن تغير الزمان وتبدل الظروف يقتضى مرونة فى اختيار ما يناسب الواقع دون مخالفة النصوص، مؤكداً أن الربط بين القانون والمذاهب هو «ربط تكاملى يهدف لتحقيق العدل، ولا يلغى التراث الفقهى العظيم».
تدخل مبكر
وفيما يخص دور المؤسسات الدينية للحد من ظاهرة الخلع، طالب قابيل بالبدء من مرحلة «ما قبل الزواج» عبر تأهيل الشباب والفتيات وتعريفهم بالحقوق والواجبات الزوجية، مشيرًا إلى ضرورة تفعيل مكاتب الإرشاد الأسرى والتدخل المبكر لحل النزاعات..
وبيّن أن الكثير من حالات الخلع ترجع فى أصلها إلى سوء التواصل لا إلى استحالة العشرة، مما يتطلب نشر ثقافة الحوار والتسامح.. وأكد فى الوقت ذاته أن تدخل المؤسسات للإصلاح لا يعنى أبدًا مصادرة حق المرأة الشرعى، بل يهدف إلى توجيهها لاستخدامه فى موضعه الصحيح حتى يظل الخلع «علاجًا لا عادة».
وعن إقرار فترة «صلح إلزامى» قبل النطق بحكم الخلع، أشار د. قابيل إلى أن الشريعة قدمت الصلح على الفُرقة وجعلت التحكيم وسيلة أساسية، مما يبرز أهمية إعطاء فرصة حقيقية للإصلاح..
واستطرد قائلاً: «وجود فترة صلح أمر محمود شرعًا، ولكن يُشترط أن يكون صلحًا جديًا وفعالًا، وألا يتحول إلى إجراء شكلى أو وسيلة للضغط على المرأة وإطالة أمد النزاع وتعطيل حقوقها».. واختتم تصريحاته بالقول: «الميزان الدقيق فى الشريعة هو تقديم الصلح ما أمكن، فإن تعذر وثبتت استحالة العشرة، كان الفراق بإحسان ورفعًا للضرر، تصديقًا لقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾».
قراءة أعمق للمشهد الإعلامى| «الاستعلامات» ترصد اتجاهات الصحافة ومراكز الفكر الإسرائيلية والدولية
ركيزة التوازن البيئى| المانجروف كنز أخضر يحمى البحر الأحمر
154 عامًا جمال معمارى| «قصر النيل» أشهر كبارى مصر و«أول مَن عبر النهر»







