«فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» سورة البقرة.. هى قاعدة قرآنية، تنظم العلاقة بين الزوجين، وتخير الزوج بين استمرار الزوجية بحسن عشرة، أو طلاق بإنهاء العلاقة دون ظلم أو ضرر، أو حرمان من الحقوق، تجسيداً للمودة والاحترام.. دستور أخلاقى متكامل، يكفل صيانة الكرامة الإنسانية، ويحمى المجتمع من التفكك، والجرائم البشعة التى تروعنا.
ويتجاوز هذا المفهوم مجرد أداء الواجبات المادية، ليصل إلى سمو المعاملة وطيب الكلمة، واحتواء الأزمات بروح الرحمة قبل التمسك بالحقوق، فالمعروف هو كل ما تعارف الناس عليه من مكارم الأخلاق، وما أقره الشرع من حسن العشرة ولين التعامل.
البيوت التى تملؤها المحبة، وتعشش فى أركانها الرحمة، هى نتاج جهد مشترك، يدرك فيه الطرفان أن التغافل عن الهنات شيمة الكرام، وأن البيئة السوية هى التى يشعر فيها كل طرف بالأمان والتقدير، وتمثل الرحمة صمام الأمان، الذى يمنع تصدع الجدران عند أول عاصفة.
والحكمة البالغة على الجانب الآخر، هى «التسريح بإحسان»، كحل حضارى وشرعى، عندما تستحيل العشرة وتُغلق كل أبواب التفاهم، فليس كل زواج قادرًا على البقاء، وكل فراق يجب أن يكون راقيًا، وأن ينفصل الطرفان بسلام، دون تجريح أو تشهير، ودون تحويل ساحات القضاء إلى ميادين لتصفية الحسابات الشخصية.
إنها دعوة لأن يذهب كل طرف إلى حال سبيله، محتفظًا بالذكريات وساترًا ما كان بينهما من أسرار، والإحسان يقضى الترفع عن الضغائن والأحقاد، وإدراك أن نهاية العلاقة الزوجية لا تعنى بداية حرب، بل طى صفحة وبدء حياة جديدة، بعيدًا عن الصراعات التى لا تخلف وراءها سوى الحطام النفسى.
وتزداد أهمية هذه القاعدة الذهبية، إذا كان بين الزوجين أولاد، فهم الضحية الأولى فى معارك «تكسير العظام»، وحمايتهم تبدأ بإقرار أن علاقة الأبوة والأمومة باقية ولا تنتهى بانتهاء عقد الزواج، والانفصال بإحسان يضمن للطفل بيئة متوازنة، ويحميه من التصدع النفسى، الذى تسببه رؤية والديه فى صراع مستمر.
ولحماية المجتمع من الحوادث البشعة التى نسمع عنها، لا بد من الاحتكام إلى جوهر القيم الدينية والإنسانية والقانونية، وترسيخ ثقافة تؤمن بأن السلام بين الناس، لا ينبغى أن ينقطع لمجرد اختلاف فى الرؤى أو الطباع، وأن كرامة الإنسان أسمى من أن تُهدر، بسبب نزاعات ممتدة أو خلافات عابرة.
وقاية البيوت من التصدع تبدأ من حسن الاختيار، ثم بالتثقيف المستمر حول فنون الإدارة الأسرية، واليقين بأن الصبر والتسامح هما وقود الاستمرارية، وإذا ما وقع المحظور ووصلت السفينة إلى طريق مسدود، فإن الرقى فى الرحيل هو الذى يحفظ للجميع إنسانيتهم.
المجتمع القوى هو الذى يحترم فيه الرجال والنساء قدسية الميثاق، سواء فى الوصال أو الفراق، لإغلاق الباب أمام الأحقاد، وحماية الأسر من شبح الانهيار، الذى يهدد استقرار الأجيال القادمة، لتظل قاعدة «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» هى المنارة فى ظلمات الخلاف .

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







