بينما تتصاعد التوترات فى الخليج العربى وتزداد المخاوف من انزلاق المنطقة لمواجهات مفتوحة قد تعصف بأمن الطاقة والممرات البحرية والاستقرار السياسى، جاءت جولة الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى الإمارات العربية المُتحدة وسلطنة عمان، لتؤكد أن القاهرة لا تتحرك بردود الأفعال بل وفق رؤية استراتيجية شاملة تستند لثوابت تاريخية تعتبر أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى. الجولة التى جاءت فى توقيت بالغ الحساسية، لم تكن مُجرد لقاءات بروتوكولية أو مشاورات سياسية عابرة، بل حملت رسائل مُتعددة الاتجاهات؛ بعضها موجه إلى الداخل العربى، وبعضها الآخر موجه للقوى الإقليمية والدولية، وفى مُقدمتها إيران.
يُجمــع المُحللـــون والخُـــبراء علـى أن جــولة الرئـيـس السيسى حملت خمس رسائل أساسية، هى التأكيد على وحدة الموقف العربى فى مواجهة التهديدات الإقليمية، ورفض أى محاولات لاستهداف دول الخليج أو تهديد أمن الملاحة، ودعم جهود التهدئة السياسية ومنع التصعيد العسكرى، وتعزيز التنسيق العربى المشترك فى الملفات الأمنية والاستراتيجية، والتأكيد على استمرار الدور المصرى المحورى فى حماية الاستقرار الإقليمى، ووفقًا للواء
الدكتور رضا فرحات أستاذ العلوم السياسية تزامنت الجولة مع تصاعد التوترات فى الخليج، وسط تحذيرات دولية من احتمالات عودة المواجهة بين واشنطن وطهران لمستويات أكثر خطورة، فضلًا عن تصاعد المخاوف المرتبطة باستهداف المنشآت الحيوية والممرات البحرية، وهو ما جعل التحرك المصرى محط اهتمام واسع فى الأوساط السياسية والدبلوماسية العربية والدولية، مُشددًا على أن الجولة عكست حجم التنسيق العربى الجارى لمواجهة التحديات الراهنة، كما جسدت استمرار الدور المصرى باعتباره صمام أمان رئيسيًا للاستقرار العربى، وقوة توازن إقليمية تتحرك لمنع الانفجار الشامل فى المنطقة، لافتًا إلى أن القاهرة بعثت عبر هذه الجولة برسالة حاسمة مفادها أن مصر تقف فى خندق واحد مع دول الخليج ضد أى تهديدات أو هجمات تستهدف أمنها واستقرارها، وأن الدولة المصرية تنظر لحماية الخليج باعتبارها قضية أمن قومى مباشر، لا تحتمل الحياد أو التردد.
فرحات أشار إلى أن هذا التحرك الرئاسى يأتى فى إطار سياسة خارجية مصرية قائمة على الفاعلية والاتزان فى آن واحد، حيث لا تكتفى القاهرة بدور المُتابع للتطورات، بل تتحرك باعتبارها طرفًا رئيسيًا فى صياغة معادلات الاستقرار الإقليمى، عبر بناء شراكات استراتيجية مع الدول العربية الشقيقة، وفى مُقدمتها دول الخليج، بما يُعزز من تماسك الموقف العربى تجاه القضايا المصيرية، ويُحد من مساحات الفراغ السياسى التى قد تستغلها قوى إقليمية ودولية لإعادة رسم خرائط النفوذ فى المنطقة، مُشددًا على أن المرحلة الراهنة تفرض ضرورة البناء على هذا الزخم فى العلاقات االعربية - العربيةب لتعزيز مسارات التعاون والتكامل، سواء فى الجوانب السياسية أو الاقتصادية أو التنموية، لافتًا إلى أن مصر ودول الخليج باتت تُمثل محورًا رئيسيًا فى مُعادلة الاستقرار الإقليمى، وأن هذا التنسيق المتواصل يُسهم فى مواجهة محاولات زعزعة الاستقرار وإعادة تشكيل الإقليم وفق أسس أكثر توازنًا وواقعية، بما يضمن الحفاظ على وحدة المصير العربى وتعزيز قدرة الدول العربية على مواجهة التحديات المُشتركة بروح من التضامن والمسئولية.
تحالف أمنى
التحركات االمصرية - الخليجيةب الأخيرة تعكس اتجاهًا عربيًا مُتزايدًا نحو بناء تحالف سياسى وأمنى قادر على مواجهة محاولات نشر الفوضى وعدم الاستقرار بالمنطقة - وفقًا للدكتور طارق فهمى أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية - والذى يُشير إلى أن هذه العلاقات شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورًا نوعيًا كبيرًا، تجاوز حدود التعاون التقليدى لمستوى الشراكة الاستراتيجية الكاملة، مُضيفًا أن القاهرة وأبوظبى ومسقط تدرك أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية، وهو ما يفرض ضرورة وجود تنسيق عربى قوى يحمى المصالح المُشتركة، منوهًا بأن مصر تتحرك باعتبارها قوة إقليمية محورية تمتلك القدرة على التواصل مع مختلف الأطراف، وفى الوقت ذاته تملك ثوابت واضحة فيما يتعلق بحماية الأمن القومى العربى، مؤكدًا أن الرسالة الأساسية من جولة الرئيس السيسى تتمثل فى التأكيد على وحدة الصف العربى، ورفض أى محاولات لتهديد استقرار الخليج أو زعزعة الأمن الإقليمى.
وعن التنسيق المصرى - العمانى تحديدًا قال فهمى إنه يحمل أهمية خاصة فى المرحلة الحالية، نظرًا للدور الذى تلعبه سلطنة عمان فى إطار ما يعرف بـاالحياد الإيجابىب، والذى يُتيح لها الحفاظ على قنوات اتصال فعالة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، مُشيرًا إلى أن العلاقات االمصرية - العمانيةب تستند لتاريخ طويل من التفاهم والتنسيق السياسى، لافتًا إلى المواقف التاريخية الداعمة التى اتخذتها السلطنة تجاه مصر فى العديد من المُحطات المُهمة، مُضيفًا أن القاهرة ومسقط تتفقان على أولوية خفض التصعيد ورفض الانزلاق إلى الحروب، كما تتفقان على أهمية حماية الملاحة الدولية وأمن الخليج العربى، موضحًا أن مصر تسعى لبناء شبكة تنسيق عربى مُتكاملة تضم القوى العربية المُعتدلة، بهدف مواجهة التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية المُتزايدة، وفى مُقدمتها التهديدات المُرتبطة بالسلوك الإيرانى بالمنطقة.
قضية عالمية
لا ينظر الخُبراء إلى التوترات الخليجية باعتبارها أزمة محلية تخص دول المنطقة فقط، بل باعتبارها قضية عالمية تمس الاقتصاد الدولى وأمن الطاقة وحركة التجارة العالمية، وبحسب وزير الخارجية السابق السفير محمد العرابى فإن أى تهديد لمضيق هرمز أو الممرات البحرية فى الخليج ستكون له تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر الاهتمام المصرى الكبير بتطورات المنطقة، مُضيفًا أن القاهرة تُدرك أن أمن البحر الأحمر والخليج العربى يرتبط مُباشرة بالأمن الاقتصادى المصرى، سواء فيما يتعلق بحركة التجارة أو قناة السويس أو أسعار الطاقة، مُشيرًا إلى أن زيارة الرئيس للإمارات وعمان تحمل رسالة ردع سياسية واضحة مفادها أن مصر تقف بقوة إلى جانب الأشقاء ضد أى تهديدات أو هجمات تستهدف استقرارهم، موضحًا أن التحرك المصرى يعكس أيضًا رغبة القاهرة فى منع القوى الإقليمية من استغلال حالة السيولة الدولية الحالية لفرض وقائع جديدة على الأرض أو تهديد المصالح العربية.
ويُشدد العرابى على أن مصر تمتلك رؤية متوازنة فى التعامل مع الأزمات الإقليمية، تقوم على منع التصعيد العسكرى ودعم الحلول السياسية والحفاظ على استقرار الدول الوطنية، مُضيفًا أن جولة الرئيس تعكس حرص القاهرة على تعزيز التشاور العربى فى ظل التحولات المُتسارعة التى تشهدها المنطقة، موضحًا أن مصر تُدرك جيدًا أن أى اضطراب واسع فى الخليج ستكون له انعكاسات مُباشرة على الاقتصاد العالمى وأمن الطاقة والاستقرار الإقليمى، مؤكدًا أن الرسائل المصرية واضحة؛ وهى رفض أى اعتداءات أو تهديدات تمس دول الخليج، مع التمسك فى الوقت ذاته بخيار التهدئة السياسية وعدم الانجرار لمواجهات قد تدفع المنطقة كلها نحو الفوضى.
عقيدة استراتيجية
أمن الخليج جزء من الأمن القومى المصرى، لم تعد مُجرد شعار سياسى أو دبلوماسى، بل تحولت إلى عقيدة استراتيجية تحكم تحركات الدولة المصرية فى الإقليم، كما يؤكد د. رشاد عبدالغنى الخبير السياسى مُشددًا على أن زيارة الرئيس إلى الإمارات تحديدًا حملت رسالة واضحة تؤكد أن ما يمس الإمارات يمس مصر، وأن القاهرة لن تتخلى عن الأشقاء فى أوقات التحديات والأزمات، مُضيفًا أن سرعة التحرك المصرى، بعد ساعات من الاتصالات السياسية رفيعة المستوى، تعكس حجم التنسيق الاستراتيجى بين القاهرة وأبوظبى، مؤكدًا أن العلاقات االمصرية - الإماراتيةب أصبحت نموذجًا عربيًا مُتقدمًا فى التنسيق السياسى والأمنى والاقتصادى، مُشيرًا إلى أن المنطقة تواجه تحديات غير مسبوقة، سواء فيما يتعلق بالتهديدات الإيرانية، أو الأزمات المُمتدة فى البحر الأحمر وغزة واليمن، وهو ما يفرض ضرورة وجود جبهة عربية موحدة قادرة على حماية الأمن القومى العربى.
ويُشيد عبد الغنى بتأكيد الرئيس السيسى ضرورة اللجوء للحوار والمساعى الدبلوماسية لاحتواء الأزمات، بما يعكس نهج مصر الدائم فى دعم الحلول السياسية والحفاظ على استقرار المنطقة، مُضيفًا أن زيارة سلطنة عُمان جاءت استكمالًا للتحرك المصرى الداعم للدول العربية الشقيقة، حيث جدد الرئيس تأكيد تضامن مصر الكامل مع السلطنة وحرصها على صون سيادة وأمن الدول العربية والحفاظ على مُقدرات شعوبها، مؤكدًا أن المباحثات االمصرية - العمانية والإماراتيةب عكست توافقًا كبيرًا حول أهمية احتواء التوترات الإقليمية ومنع التصعيد، فضلًا عن تعزيز التعاون الثُنائى بمُختلف المجالات، مُشددًا على أن تحركات الرئيس الخارجية تؤكد الدور المحورى لمصر كركيزة أساسية للاستقرار العربى والإقليمى، مُختتمًا بأن مصر أثبتت خلال السنوات الأخيرة أنها الدولة العربية الأكثر قدرة على الحفاظ على التوازن والاستقرار بمنطقة تعصف بها الصراعات والأزمات، مُوضحًا أن السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة اعتمدت بشكل كبير على ما يمكن وصفه بـادبلوماسية إطفاء الحرائقب، عبر التحرك السريع لمنع تفجر الأزمات واحتواء التوترات قبل تحولها لمواجهات مفتوحة.
الثقة الخليجية فى الدور المصرى لم تأتِ من فراغ، بل تأسست على مواقف مصرية ثابتة عبر عقود طويلة، جعلت القاهرة دائمًا سندًا رئيسيًا للدول العربية فى أوقات الأزمات، وهو ما يوضحه السفير محمد حجازى مساعد وزير الخارجية الأسبق، قائلًا إن الجولة الأخيرة عززت هذه الثقة، وأكدت مُجددًا أن مصر تظل الرقم الأصعب فى معادلة الأمن العربى، وصوت الحكمة القادر على الجمع بين قوة الردع وخيار التهدئة السياسية، مُضيفًا أنها تعكس تضامن مصر الكامل مع دول الخليج، وتؤكد أن أمن الخليج يمثل جزءًا من الأمن القومى المصرى، وأن القاهرة تواصل تقديم الإسناد السياسى والدبلوماسى والدعم اللازم لدول الخليج فى ظل التوترات الراهنة التى تشهدها المنطقة، مُختتمًا بأن مصر تبذل جهودًا دبلوماسية متواصلة بالتعاون مع باكستان وتركيا من أجل احتواء الأزمة والوصول لمخرج سياسى يُخفف من حدة التوتر، مُعربًا عن توقعه بأن تسهم هذه الوساطات فى دفع الأوضاع نحو التهدئة خلال الفترة المُقبلة.
اقرأ أيضا: من سنجور إلى قايتباى .. الإسكندرية تخطف أنظار العالم
دبلوماسية فاعلة وتنمية لا تتوقف .. تحركات رئاسية لدعم الاستقرار الإقليمى وصناعة المستقبل
لا اعتراف.. لا شرعية.. لا عبث بالتاريخ| القاهرة تتصدى لـ«سفارة الوهم» على أرض القدس
نقيب الفلاحين يتوقع تراجع الأسعار قريبا.. الطقس والسوسة وراء «هيستريا الطماطم»







