«القاهرة - باريس» تحالف استراتيجى فى منطقة مشتعلة

من سنجور إلى قايتباى .. الإسكندرية تخطف أنظار العالم

الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون والرئيس عبد الفتاح السيسي
الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون والرئيس عبد الفتاح السيسي


تجاوزت زيارة الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون إلى مصر حدود البروتوكول الدبلوماسى التقليدى، لتعكس مكانة القاهرة الإقليمية، وعمق الشراكة المصرية الفرنسية، وثقة المجتمع الدولى فى الدولة المصرية وقدرتها على فرض الاستقرار وسط محيط مُضطرب.. الزيارة التى شهدت استقبالًا رسميًا حافلًا من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وافتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور ببرج العرب الجديدة، ثم الجولة الحرة للرئيس الفرنسى فى مدينة الإسكندرية التاريخية، بدت وكأنها رسالة مُتكاملة الأركان، عنوانها أن مصر لا تزال تُمثل مركز ثقل سياسياً وثقافياً وحضارياً فى المنطقة، وشريكًا موثوقًا للقوى الدولية الكبرى فى ملفات الأمن والتنمية والثقافة.

لم يكن مشهد تجول الرئيس الفرنسى برفقة الرئيس السيسى على كورنيش الإسكندرية وصولًا إلى قلعة قايتباى التاريخية مُجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل حمل دلالات عميقة بشأن حالة الأمن والاستقرار التى تعيشها مصر، فى وقت تشهد فيه المنطقة توترات مُتصاعدة واضطرابات أمنية غير مسبوقة.. الزيارة الفرنسية رفيعة المستوى، وما تضمنته من رسائل سياسية وثقافية وتعليمية، فتحت الباب أمام تساؤلات واسعة حول دلالات توقيتها، وأهمية الشراكة االمصرية - الفرنسيةب، ورسائل افتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور، فضلًا عن مغزى حرص الرئيس الفرنسى على التواجد فى مصر بهذا الشكل المُكثف، وسط حضور إفريقى وفرانكفونى واسع.

ويؤكد الخبراء والدبلوماسيون والسياسيون أن الزيارة تُمثل شهادة دولية جديدة على استقرار الدولة المصرية، وتعكس إدراكًا أوروبيًا مُتزايدًا لأهمية الدور المصرى فى حفظ توازنات المنطقة، إلى جانب كونها تعكس نجاح القاهرة فى توظيف أدوات القوة الناعمة، وعلى رأسها التعليم والثقافة، لتعزيز نفوذها الإقليمى والدولى، وكما يؤكد السفير أحمد فاضل يعقوب مُساعد وزير الخارجية الأسبق فإن زيارة الرئيس الفرنسى لمصر تحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية بالغة الأهمية، خاصة فى ظل الظروف الإقليمية الدقيقة التى تمر بها المنطقة، لافتًا إلى أن العلاقات االمصرية - الفرنسيةب شهدت خلال السنوات الأخيرة نقلة نوعية كبيرة، سواء على مستوى التعاون السياسى أو الاقتصادى أو الثقافى، مُشيرًا إلى أن القاهرة أصبحت بالنسبة لأوروبا شريكًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه فى ملفات الأمن الإقليمى والهجرة والطاقة ومكافحة الإرهاب، مُضيفًا أن مشاركة الرئيس الفرنسى فى افتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور تحمل دلالة مُهمة تتعلق بإدراك باريس للدور المصرى فى إفريقيا والعالم الفرانكفونى، مؤكدًا أن مصر نجحت خلال السنوات الماضية فى استعادة جزء كبير من حضورها الإفريقى عبر أدوات التنمية والتعليم والتعاون الثقافى.

صداقة شخصية

وقال يعقوب إن العلاقة بين الرئيس السيسى ونظيره الفرنسى تتسم بقدر كبير من الصداقة الشخصية، وهو ما ظهر بوضوح فى لغة الجسد والحميمية والإشادة المُتبادلة بين الطرفين، مُشيرًا إلى أن جامعة سنجور تعكس حالة التنوع الثقافى التى تشهدها مصر فى عهد الرئيس السيسى، مؤكدًا أن الدولة على مدار السنوات الماضية انتهجت سياسة الانفتاح على العالم من خلال وجود جامعات ومؤسسات تعليمية صينية وبريطانية وأمريكية، إلى جانب التعليم الألمانى، وهذا التنوع الثقافى يرسخ مكانة مصر الحضارية والثقافية، ويُعزز انفتاحها على مُختلف الحضارات والثقافات العالمية، منوهًا بأن هناك نحو 5 ملايين مصرى يتحدثون اللغة الفرنسية بطلاقة، وهو ما يعكس عمق الحضور الثقافى الفرانكفونى داخل المجتمع المصرى.

وأوضح أن افتتاح الجامعة فى هذا التوقيت يبعث برسالة تؤكد أن مصر لا تنظر لإفريقيا باعتبارها مُجرد عمق جغرافى، وإنما باعتبارها شريكًا استراتيجيًا ومُستقبلًا مُشتركًا، مُشيرًا إلى أن تجول الرئيس الفرنسى بحرية كاملة فى شوارع الإسكندرية، وسط المواطنين وعلى كورنيش المدينة، يعكس حجم الثقة الدولية فى الأمن المصرى، لافتًا إلى أن مثل هذه المشاهد يتم مُتابعتها عالميًا باعتبارها مؤشرات حقيقية على الاستقرار الداخلى، منوهًا بأن الزيارة تتجاوز البعد السياسى التقليدى، وتحمل أبعادًا حضارية وثقافية عميقة، موضحًا أن اختيار الإسكندرية وافتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور ليس أمرًا عشوائيًا، لأن المدينة تمثل تاريخيًا ملتقى الحضارات والثقافات، مُشيدًا بحرص الرئيس خلال كلمته على التأكيد على مفهوم الاستثمار فى الإنسان، وهو ما يعكس فلسفة الدولة المصرية الحالية فى التعامل مع ملفات التنمية وبناء القدرات، مٌشيرًا إلى أن الجامعة نجحت بالفعل فى تخريج كوادر إفريقية تولت مناصب مُهمة فى دولها وفى المؤسسات الدولية، ما يجعلها نموذجًا ناجحًا للتعاون الدولى مُتعدد الأطراف، مؤكدًا أن حضور ماكرون للافتتاح يعكس اهتمام فرنسا الكبير بمصر، ويؤكد أن القاهرة لا تزال تمثل بالنسبة لباريس نقطة ارتكاز أساسية فى إفريقيا والشرق الأوسط.

تعاون اقتصادى

اقتصـــاديًا، يُشير الدكتور مصطفى بـــــدر الخبيـر الاقتصادى إلى حجم التعاون الاقتصادى بين مصر وفرنسا حيث بلغ حجم التبادل التجارى بين البلدين نحو 3 مليارات دولار فى 2025، كما أن حجم الاستثمارات الفرنسية فى مصر يقترب من 8 مليارات دولار، لافتًا إلى أن زيارة الرئيس الفرنسى تحمل أبعادًا مُهمة نظرًا لأنها تسهم فى زيادة الاستثمارات الأوروبية بمصر، موضحًا أن الاستثمارات الفرنسية بمصر تتخطى الجانب الاقتصادى، حيث تمتد لتشمل البنية التحتية خصوصًا بمجالات النقل، وهو ما يعكس تقديرًا للدور المصرى وتعزيزًا للثقة المُتبادلة بين البلدين، وإثراء للمواقف الرؤى الموحدة بمُختلف القضايا الإقليمية، مُضيفًا أن زيارة ماكرون تحمل أيضًا بُعدًا يتعلق بتقدير دورها كدولة رائدة بمحيطها العربى والإفريقى، حيث تُعد جامعة سنجور امصرية - فرنسية - إفريقيةب.

الدكتور حامد فارس أستاذ العلاقات الدولية يؤكد أن القاهرة باتت مُلتقى لكافة الأطياف العربية والإفريقية والأوروبية، وأن افتتاح المقر الجديد لجامعة اسنجورب يعكس المكانة المحورية لمصر كمنبر رئيسى للتفاهمات الدولية، مُضيفًا أن مصر تُمثل مهد الحضارات والقاعدة الأساسية لإيجاد تفاهمات حقيقية بين مختلف الأعراق والأطياف، كما أن العلاقات االمصرية ـ الفرنسيةب فى عهد السيسى شهدت تطورًا نوعيًا، لتصبح من أمتن وأقوى العلاقات الاستراتيجية مع القوى الأوروبية، مما يُعزز استقرار المنطقة، لافتًا إلى أن زيارات الرئيس الفرنسى المُتكررة لمصر، والتى تجاوزت 8 زيارات منذ 2017، هى دلالة قاطعة على الاهتمام الكبير الذى توليه باريس للقاهرة باعتبارها امفتاحب القارة الإفريقية والمنطقة العربية، وأن هذه الشراكة تُرجمت اقتصاديًا بوجود أكثر من 180 شركة فرنسية بمصر، وبحجم تبادل تجارى يقترب من 3 مليارات دولار.

فارس أكد أن واحدة من أهم الرسائل التى حملتها زيـــــارة الرئيـــــس الفرنســـى تتمثل فى الرسالة الأمنية، فتحرك الرئيس الفرنسى بهــــــذا الشـــــكل المفتـــوح داخــل مدينة الإسكندرية، وتجوله فى أماكن عامة ومناطق سياحية وأثرية، يؤكد حجم الاستقرار الأمنى الذى تعيشه مصر، خصوًصًا إذا ما قورن بما يحدث فى عدد من دول المنطقة، مُضيفًا أن الدول الكبرى لا تُخاطر بتحركات رؤسائها إلا بعد تقييمات أمنية دقيقة للغاية، وهو ما يعنى أن المؤسسات الدولية والأجهزة الفرنسية لديها قناعة كاملة بأن مصر دولة مُستقرة وآمنة، مُشددًا على أن هذه الرسالة مُهمة للغاية فى هذا التوقيت، لأن بعض القوى تحاول دائمًا التشكيك فى استقرار الدولة المصرية أو التأثير على صورتها السياحية والاستثمارية، موضحًا أن الجولة فى قلعة قايتباى ومُتابعة أعمال الآثار الغارقة وفنار الإسكندرية تعكس أيضًا اهتمامًا مُشتركًا بالحضارة والتراث الإنسانى، وهو ما يُضيف بُعدًا ثقافيًا وإنسانيًا للعلاقات الثنائية.

التنمية الإفريقية

كلمة الرئيس السيسى خلال الافتتاح حملت رسائل واضحة تتعلق بإيمان مصر بالشراكة بين دول الجنوب، وحرصها على دعم التنمية الإفريقية باعتبارها جزءًا من الأمن القومى المصرى، حسبما يُشير الدكتور حسن سلامة أستاذ العلوم السياسية الذى يلفت إلى أن الزيارة تُمثل نقلة نوعية بمسار العلاقات االمصرية - الفرنسيةب، خصوصًا بعد إعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين العام الماضى، مؤكدًا أن هذه الزيارة تعكس حجم التقدير الفرنسى للدور المصرى على المستويات العربية والإفريقية والشرق أوسطية، منوهًا بأن التحركات المصرية الأخيرة تؤكد استمرار الدور المحورى للقاهرة داخل القارة الإفريقية، سواء على المستوى السياسى أو التنموى أو الثقافى فى ظل التحديات الإقليمية الراهنة، مُشددًا على أن التقارب االمصرى - الفرنسىب يعكس توافقًا واسعًا فى الرؤى تجاه قضايا الأمن والاستقرار الإقليمى، مُشددًا على أن مصر نجحت فى ترسيخ مكانتها كطرف رئيسى فى دعم الحلول السياسية وتسوية الأزمات عبر الحوار والدبلوماسية، موضحًا أن باريس تُدرك أن القاهرة تلعب دورًا محوريًا فى ملفات غزة وليبيا وشرق المتوسط والهجرة غير الشرعية والطاقة، وهو ما يجعل التنسيق معها ضرورة استراتيجية بالنسبة لأوروبا.

ويلفت سلامة إلى أن مُشاركة ماكرون فى افتتاح جامعة سنجور تعكس أيضًا اهتمام فرنسا بتعزيز نفوذها الثقافي، مُشددًا على أن الاستثمار فى التعليم يمثل الاستثمار الحقيقى فى المُستقبل، وما قامت به الدولة المصرية من دعم لجامعة سنجور يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة التحديات التى تواجه إفريقيا، والتى لا يمكن التعامل معها إلا عبر بناء الإنسان وتأهيل الكوادر، موضحًا أن الجامعة تُمثل نموذجًا ناجحًا للتعاون الدولى، لأنها تجمع بين البعد الأكاديمى والثقافى والتنموى، مُشيرًا إلى أن مصر تمتلك تاريخًا طويلًا فى دعم التعليم الإفريقى، سواء عبر الأزهر أو الجامعات المصرية أو مراكز التدريب المُختلفة، مُختتمًا بأن اختيار مدينة الإسكندرية لتكون مسرحًا لهذا الحدث الكبير لم يكن أمرًا عابرًا، فالإسكندرية تُمثل واحدة من أهم المُدن المتوسطية ذات البعد الحضارى والثقافى العالمى، كما أنها ترتبط تاريخيًا بعلاقات قوية مع فرنسا والعالم الفرانكفونى.

اقرأ  أيضا: تفاصيل تصديق ماكرون على قانون إعادة القطع الأثرية من فرنسا