تبدو إيران وكأنها تمارس «عملية انتحارية»، باستمرار اعتداءاتها على دول الخليج، واستهداف المنشآت المدنية، وخطوط الإمداد والطاقة، فى رسالة مفادها أن استقرار المنطقة مرهون باستمرار نظامها .. إنها مناورة إيرانية للوصول الى «توازن رعب» ، للتحكم فى مسار الأحداث ، ومنع ترامب من توجيه ضربة قاضية.
وتستفيد طهران من التراجع المستمر للرئيس ترامب ، للخروج من «المتاهة السياسية والعسكرية»، التى أوقعه فيها رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، بعد أن تحولت الحرب إلى عبء ثقيل، يستنزف القوة العسكرية الأمريكية، ويهدد المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها فى المنطقة.
وظهرت مؤشرات واضحة على تغير نبرة ترامب، بعد تصاعد الضغوط داخل المؤسسات الأمريكية، بشأن حجم الإنفاق العسكرى، واستنزاف مخزون الذخائر الأمريكية، ودخول مرحلة صراعات طويلة ومعقدة يصعب السيطرة عليها، بما لا يخدم المصالح الأمريكية.
ترامب، الذى يتبع استراتيجية «الضغط الأقصى» فى نسختها الأكثر شراسة، وجد نفسه أمام «صدمة الرد الإيرانى»، الذى لم يلبِ سقف طموحاته، فوصفه بأنه «غير مقبول تماماً»، ويعكس الفجوة العميقة بين ما يريده، وبين ما أقدمت طهران على تقديمه.
ما كان ينتظره ترامب فى الرد الإيرانى، هو «الاستسلام الشامل» ،واتفاق يضمن التفكيك الكامل للبنية التحتية النووية الإيرانية، ووقف برنامج الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وإنهاء النفوذ الإقليمى.. لكن طهران فى ردها الأخير، الذى مر عبر الوسطاء الباكستانيين، عرضت تهدئة مؤقتة لمدة ٣٠ يوما، وفتحا جزئياً لمضيق هرمز، مقابل رفع العقوبات، مع التمسك بحقها فى التخصيب، وهذا الرد اعتبره ترامب «مناورة لشراء الوقت»، والالتفاف على الحصار.
الاحتمالات المنتظرة غامضة فى ظل حرب لا تبدو لها نهاية ، بين «هدنة هشة»، تمنح فرصة أخيرة للدبلوماسية، وبين العودة لطبول الحرب.. وليس أمام ترامب الا أن يعطى مزيداً من الوقت للتفاوض، ليس حباً فى السلام، بل لاستكمال خنق الاقتصاد الإيرانى، على أمل أن «الوقت يعمل لصالحه».
وفى حال استمرت طهران فى عنادها ،ورفض شروطه الجوهرية، فإن العودة لاستئناف العمليات العسكرية، على غرار «الغضب الملحمي» ، ستكون السيناريو الأكثر ترجيحا، بهجمات أكثر إيلاما ،تستهدف محطات الطاقة والبنية التحتية الحيوية،لإجبار النظام على التراجع .
هذا المشهد المعقد يشير إلى أن الصراع الإيرانى فى منطقة الخليج، مرشح للاستمرار لفترات طويلة قادمة، وحتى لو تم التوصل إلى «صفقة كبرى» على طريقة ترامب، فإن الندوب التى تركتها الهجمات على البنية التحتية النفطية، ستجعل من منطقة الخليج ساحة لـ «حرب باردة» ، تتخللها جولات من التصعيد الساخن، كلما شعرت طهران بأن الحصار يضيق على مواردها.
المنطقة لا تواجه مجرد أزمة، بل زلزالاً إقليميا تتبعة هزات عنيفة، يحركه الحصار الأمريكى، ويغذيه العناد الإيرانى، وتعبث فيه المخططات الاسرائيلية فى مواجهات تدفع بالمنطقة، نحو مزيد من الإنفجار .

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







