جاذبية الشر تطغى أحيانًا

هل تورط الأدب والفن فى تجميل الحروب؟!

د.يوسف -  نوفل  د.غراء مهنا -   د. حسين حمودة
د.يوسف - نوفل د.غراء مهنا - د. حسين حمودة


عبر التاريخ الإنساني، لم تُخلّد الحروب فقط فى كُتب التاريخ أو سجلات المعارك، بل فى أعماق الروح الإنسانية. فى الحروب؛ عندما يسقط الضحايا تتناثر حكاياتهم التى لا تجد طريقها إلى كُتب التاريخ بل إلى الروايات، والأفلام، واللوحات، هنا يتحول الدم إلى معنى، والخراب إلى سؤال، والشّر إلى تجربة إنسانية تُخلَّد فى ذاكرة الجماهير، فى هذا التحقيق نحاول الاقتراب من مفارقة «جاذبية الشر»: كيف يصبح القُبح مادة للإبداع؟ وكيف نجح الأدب والفن، عبر العصور، فى تحويل المأساة إلى ذاكرة حية، وسؤال أخلاقى مفتوح، يتجاوز حدود الزمان والمكان؟

العدوى انتقلت من الرواية إلى السينما

ديوان جمعى عربى لإدانة العدوان الثلاثى

«تولستوى» قَدَّم نصًا إنسانيًا عن المحنة

البداية تنطلق من توضيح دور الحروب فى تشكيل الوعى الأدبى والفنى عبر العصور، وعن ذلك تقول الناقدة د.غراء مهنا، إن كتابة الحرب تعبر عن ارتباط الأدب بالحدث ودعوته لمناهضة الحرب والصراعات، إن أدب الحرب سواء كان سردًا أو شعرًا يحذر ويدين، يكتب الماضى ويشهد على الحاضر، ويدير مسار التاريخ، ونتساءل هل الكتابة الأدبية عن الحرب خطابًا مرجعيًا يسرد تتابع الوقائع أم خطابًا جماليًا قد يكون حقيقيًا أو متخيلًا؟
وتضيف «غراء»: يراجع الشعر نفسه فى الأزمات والحروب، ويغيِّر من لونه وشكله وفقًا للأحداث من حوله، ويصبح وطنيًا يمتد بجذوره فى التاريخ ويستلهم أفكاره من وقائع وأحداث يمر بها الوطن، وهو أكثر أنواع الأدب تعبيرًا عن مشاعر الناس، والحرب يجئ التعبير عنها أحيانًا فى شكل روائى، يكتب المؤلف ما شاهده بعينيه وما سمع عنه من وقائع وأحداث، ويقدم أدب الحرب شهادات حقيقية فيصبح دعوة للحركة، ومقاومة للظلم والطغيان، ويصبح أكثر التزامًا وشديد الصلة بالأحداث، ويعبر أدب الحرب عن أفكار الناس وآمالهم، ويقدم لهم الوقائع للتوعية بما يحدث، ويقدم حقائق الأمور بعيدًا عن الدعايات والأخبار المغرضة.
وتختتم «غراء» بقولها: فى الفن نعطى مثالًا على الدور الذى لعبته لوحة الفنان العالمى بابلو بيكاسو بعنوان» جرنيكا»؛ وهو اسم المدينة التى تعرضت للكثير من مآسى الحرب الإسبانية عام 1936، والتى ألهبت حماس الشعراء ومشاعر الناس.
المعارك والكتابة الإنسانية
الحروب كانت دائمًا مادة خصبة للإبداع، بداية من حروب الجاهلية ـ داحس والغبراء ـ وحرب البسوس، مرورًا بحرب نابليون على روسيا، والحربين العالميتين الأولى والثانية، وصولًا إلى حرب غزة، وجد الأدباء والفنانون فى الدم والدمار مصدرًا للفلسفة الإنسانية، وإبداعًا يليق بسؤال الخلود، ويقول الناقد د.حسين حمودة: قدمت الحروب، عبر تاريخ طويل، مادة غنية للأدب وللإبداع عمومًا، خلال تعبيرها عن الشر من وجهتين: وجهة مَن يرتكبونه، ووجهة مَن يواجهونهن وهناك أعمال إبداعية استطاعت، أكثر من غيرها، التعبير عن الأبعاد المتعددة للحرب من منظور رحب، متقصٍ، وإنسانى فى النهاية.. وربما على رأس هذه الأعمال، فى مجال الرواية، رواية تولستوى العظيمة (الحرب والسلام)، ورواية إريك ماريا ريمارك (كل شيء هادئ فى الميدان الغربي)، ورواية نيكوس كازانتزاكيس (الحرية أو الموت).
ويضيف «حمودة»: القاسم المشترك بين هذه الأعمال، والواضح تمامًا فى رواية تولستوى التأسيسية بحق، يتمثل فى التركيز على ويلات الحرب، بجوانبها المعلنة والخفية، وعلى الارتقاء بوقائعها المرجعية المحددة، المرتهنة بتاريخ محدد، إلى مستوى طرح الأسئلة الوجودية الأبدية حول ماهية الحروب، وفظائعها، وآثارها على عدد كبير من الشخصيات الإنسانية، الفردية والجماعية.
شهادة إنسانية على الوحشية
لم يقف تخليد الحرب والشر عند حدود الرواية، بل امتد إلى العديد من الفنون الإبداعية الأخرى، مثل رسم اللوحات، كما فى لوحة «غرنيكا» لبيكاسو، التى خلدت القصف الألمانى والإيطالى على المدينة الإسبانية عام 1937، فاللوحة لم تكن مجرد تصوير، بل شهادة إنسانية وجمالية على وحشية الحرب الأهلية الإسبانية، الناقد الفنى عصام زكريا، يرى أنه لا توجد طريقة واحدة لتصوير الشر فى الفن، إذ تتعدد بتعدد الفنانين واختلاف أشكال التعبير الفني، فضلًا عن تنوع المرجعيات الإنسانية والفلسفية التى تحكم هذا التصوير، وفيما يتعلق بالحرب تحديدًا، يوضح أن هناك نمطًا من الأعمال الفنية ينتمى إلى خطاب الدعاية (البروباجندا)، وهو ما قد يؤدي، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى تشجيع الحرب، فى المقابل، يشير «زكريا» إلى وجود نوع آخر من الأعمال الفنية، تركز هذه الأعمال على إبراز فداحة الحرب بوصفها قوة مدمرة لا تخلّف منتصرين، إذ تلحق الأذى بالجميع، سواء المنتصر أو المهزوم.
لماذا ينجذب الإنسان للقبح؟
السر يكمن فى «جماليات القبح»، أو ما يُسمَّى جاذبية الشر والشرير، الإنسان يجد نفسه مفتونًا بالشخصيات التى تصل إلى أقصى حدود الشر، أو بالمجازر التى يُوثِّقها الأدب والفن، لأنه يواجه من خلالها مرآة حقيقية لطبيعته، ولحدود القوة والعدالة والضمير، وتعتبر روايتا «لمَن تقرع الأجراس» لإرنست همنغواي، و»الشرط الإنساني» لأندريه مالرو، اللتين ركزتا على صراع الفرد فى مواجهة الحرب والموت والظلم الأيديولوجي، من أهم النصوص التى تتناول القتل والفوضى، ليست مجرد سرد للعنف، بل تحليل نفسى وأخلاقى للإنسان فى أقسى حالاته.
وهنا يكون السؤال: لماذا يلجأ الأدب المعاصر إلى تصوير الشر والحروب، وما الدافع الإنسانى وراء ذلك؟ ويجيب الباحث والأديب مصطفى عبيد، قائلًا: لأنها حقيقة، منطقتنا تحديدًا ـ الشرق الأوسط والمنطقة العربية ــ مناطق صراعات وبؤرة حرب وقتال دائمًا، على مدى أكثر من سبعين عامًا نعانى من الصراع العربى الإسرائيلي، إلى جانب الصراعات والنزاعات الداخلية، ما يجعل موضوع الحرب حاضرًا بقوة فى الأدب، خاصة أن هذه الوقائع ليست طارئة بل يومية ومستمرة، لذا يصبح من الضرورى أن يعبر عنها الأدب، ويضيف «عبيد»: قوة النص الأدبى وجاذبيته تنبع من احتوائه على صراع وتحولات، إذ يثير ذلك اهتمام القارئ أكثر، وتمثل الحروب أعلى درجات الصراع.
تفريغ المشاعر المكبوتة
ماسبق ينقلنا إلى التساؤل: لماذا يحتاج الإنسان نفسيًا إلى تحويل الصدمات الجماعية كالحروب إلى سرديات فنية؟ ولماذا ينجذب لمشاهدة العنف والشر فى الفن؟ وتجيبنا د.آمال عادل، أستاذ علم النفس التربوي، بأن مشاهدة العنف فى الفن تسمح للإنسان بتفريغ مشاعره المكبوتة كالخوف والغضب، بطريقة آمنة، الإنسان لديه فضول فطرى تجاه الممنوع والمخيف، فكل إنسان لديه جانب مظلم مكبوت، والفن يتيح له مواجهته بشكل غير مباشر، وأضافت أن العنف فى الفن يرفع مستوى الإثارة العصبية (الأدرينالين)، مثل أفلام الأكشن أو الرعب، والإنسان أحيانًا يبحث عن هذا الإحساس لأنه يخلق تجربة قوية وبدون خطر حقيقي.
أدبنا العربى والحرب
الحروب فى المنطقة العربية كانت دائمًا حاضنة للنصوص الأدبية التى شكَّلت سجلًا حيًا لشرور الحروب، يحفظها وينقلها عبر الأجيال، والكتابة هنا لا تحكى الحرب فقط، بل تحلل الشر، وتوثق معاناة الإنسان العادي، وتُحوِّلها إلى حكاية أخلاقية وجمالية، تصل إلى قلب القارئ وتترك أثرًا مستدامًا، ويقول الناقد د.يوسف نوفل: رصدت حركة الشعر العربى شرور الحروب على مر العصور، وذلك منذ أقدم سنوات العصر الجاهلي، وليس هناك أهم مما دار حول ما عُرف بحرب «داحس والغبراء»، واستمر هذا الأمر من القديم إلى الحديث والمعاصر، حيث صَوَّر الشعر والأدب عامة فى فنونه المتنوعة شرور الحربين العالميتين الأولى والثانية، وشهد العالم العربى الشر متجسدًا فى الواقع ومجسدًا فى الشعر من خلال أحداث حرب فلسطين عام 1948، والعدوان الثلاثى على مصر عام 1956، وقد أصدرت مصر ديوانًا جمعيًا للشعراء العرب حول ذلك العدوان الثلاثى الآثم، وهكذا صورت الآداب شر الحروب حتى كانت اللحظة الراهنة التى شهدتها أرض غزة.
الفن يقاوم الشر
لم يقتصر الأمر على الكتابة، بل امتد إلى السينما والفنون البصرية، فالأدب والفن يواجهان الشر، ليس بإخفائه، بل بتسليط الضوء عليه بطريقة تجعل المتلقى يفهم، ويتأمل، ويقاوم، وعن دور السينما فى تصوير الشر، يقول الناقد السينمائى خالد محمود: لطالما لعبت السينما دورًا محوريًا فى تفكيك صورة الشر، ليس فقط بوصفه فعلًا فرديًا، بل كمنظومة مُعقَّدة تتشابك فيها السلطة، والخوف، والصمت الجمعي. منذ أفلام مثل «Schindler's» مثل فيلم «12 Years a Slave»، الذى قَدَّم تصويرًا قاسيًا وواقعيًا لحقبة العبودية بالولايات المتحدة وصولًا إلى أعمال معاصرة مثل «صوت هند رجب»، تكشف انتهاكات الحروب والتمييز، لم تعد الشاشة مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة للوعى والمساءلة، ويضيف «خالد»: السينما تمنح الضحايا صوتًا وصورة، وتعيد صياغة الواقع بما يوقظ الضمير الإنساني، وتدفع المتلقى للتفكير فى مسئوليته تجاه ما يشاهده.
●● فى نهاية هذا التحقيق نستطيع التأكيد.. بأن: الحرب والشر يلهمان الأدب والفن اللذين يخلدان الحرب والشر، وأيضًا؛ يُعلِّمان الإنسان الدروس الأخلاقية والجمالية، وهنا يكمن سر الإنسانية فى القدرة على تحويل الدمار والدم والألم إلى قصص تحمل دروسًا خالدة عن الإنسانية والعدالة والضمير، ومقاومة الشر.