كتاب «أصدقاء إسرائيل: لا تعاطف مع الفلسطينيين» للكاتب «هيل آكد» يقدم لنا معلومات دقيقة حول المنظمات التى تسعى للقضاء على الدعم المتزايد للقضية الفلسطينية فى بريطانيا ويناقش كيف تُبنى شبكات الدعم للكيان الإسرائيلى فى الغرب، ويكشف عن هشاشة المؤسسات التى تسانده، إضافة إلى الصعوبات المالية والقانونية التى تواجهه.
الفكرة الأساسية هى أن كل فرد - سواء كان يملك المال أو العلم أو المنبر - يمكن أن يكون له دور فى مواجهة هذه المنظومة.
كما يجيب الكتاب - وهو الأول عن الحركة الصهيونية البريطانية المعاصرة- عن ثلاثة أسئلة أساسية وحرجة فى آن واحد. أولا فى تركيزه على المنظمات والأفراد الأكثر نفوذا، يسأل: من هم الفاعلون الرئيسون المدافعون عن نظام الفصل العنصرى الإسرائيلى فى بريطانيا؟.
ثانيا يستكشف الكتاب استراتيجياتهم وتكتيكاتهم فى ساحات مختلفة من المجتمع. ثالثا وأخيرا يسعى إلى تقييم مدى قوتهم الحقيقية، وبالتالى تسليط الضوء على إمكانيات الحركة المؤيدة لفلسطين..
كما يقدم رؤية نقدية لكيفية عمل شبكات الدعم لإسرائيل، ويؤكد أن هذه الشبكات ليست منيعة، بل تواجه تحديات يمكن استغلالها. أهم رسالة يوجهها هى أن التعاطف وحده لا يكفى، بل يجب أن يتحول إلى فعل عملى منظم.
ومن مسوغات وضع هذا الكتاب كما يقول المؤلف أن من يبررون لأية دولة ممارسة جريمة الفصل العنصرى -ومن بينهم إسرائيل- ينبغى أن يتعرضوا للانتقاد والمعارضة من جميع مؤيدى العدالة الانتقائية.
الكتاب اقتحام شجاع لموضوع محظور بسبب جهود يبذلها المدافعون عن إسرائيل
معاداة الساسة البريطانيين للسامية كانت فى مصلحة الحركة الصهيونية.. وكان أبرز هؤلاء «اللورد بلفور» نفسه، وقدم بصفته رئيسا للوزراء قانون الأجانب لعام 1905 بهدف منع اليهود من الاستقرار فى بريطانيا
منظمتا « نؤمن بإسرائيل» و«محامون بريطانيون من أجل إسرائيل» نجحتا فى منع نشطاء حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات من عرض قضيتهم داخل قاعة مجلس «هاكنى»
هناك تفرقة مهمة يبدأ بها المؤلف قائلا: «كتابنا هذا ليس عن «لوبى يهودي» على الإطلاق بل عن «لوبى إسرائيلي»: مجموعة من المنظمات والأفراد لا تحددهم هويتهم العرقية والدينية بل أنشطتهم السياسية فى دعم دولة قومية بعينها «إسرائيل»، وإيديولوجية قومية «الصهيونية» تدعم ممارسات الفصل العنصرى التى تنتهجها هذه الدولة ضد الفلسطينيين.
وبما أن إسرائيل تعرف نفسها بأنها «دولة يهودية» وتجسد حركة قومية يهودية، فإن كثيرا من الأشخاص الذين ورد ذكرهم فى الكتاب هم فى الواقع يهود، لكن أنشطتهم لم تعرض باعتبارها تخدم هويتهم العرقية والدينية، إنما ما يجعلهم موضع اهتمام هذه الدراسة هو التزامهم الأيديولوجى ونشاطهم السياسى المنظم لدعم نظام الفصل العنصرى الإسرائيلى وبعض أشكال الصهيونية السياسية وعلى نحو مماثل، ينبغى أن نوضح بشكل جلى أن جميع المنظمات محل التدقيق فى هذا الكتاب -حتى تلك التى تمثل منظمات مجتمعية يهودية وليست هيئات صهيونية صريحة- وردت هنا بحكم أدلة إمبريقية واقعية قوية على حركة للأنشطة المؤيدة لإسرائيل.
ويرى بعض المنصفين أن هذا الكتاب يمثل نقدا مُلحا-طال انتظاره- للحركة الصهيونية وكل من يدعم ويدافع عن نظام الفصل العنصرى الإسرائيلى سواء فى الحكومة أو المجتمع المدنى، أو من يعملون على رفض وتشويه التضامن مع الفلسطينيين، وفى هذا الصدد يشكل هذا العمل اقتحاما شجاعا فى معالجة موضوع يعتبر محظورا جزئيا بسبب الجهود المتضافرة التى يبذلها المدافعون عن إسرائيل للوقوف فى وجه أى انتقادات وجعله من الموضوعات الخطرة.
المجتمع الصهيونى:
ويركز الكتاب على التكتيكات التى تسعى الحكومة الإسرائيلية ومعها سفارتها فى لندن إلى حشد وتوثيق وتعزيز التعاون مع مجموعات المجتمع المدنى الصهيونية عبر شبكات الدولة والقطاع الخاص بل وتصنيع عدد منها إن لزم الأمر.
ويأتى أسلوب العمل هذا متسقا مع وصفات منظرى الدبلوماسية العامة الجديدة، وفى الوقت نفسه يعكس بقوة التكتيكات المضادة لحملات المقاطعة، تلك التى استخدمها نظام الفصل العنصرى فى جنوب إفريقيا وغيره فى العهود السابقة.
وبالنظر إلى هذه الحقائق التجريبية، من الأهمية أن نميز بوضوح بين حجة هذا الكتاب وحجة أخرى تلقى باللوم ضمنا وبشكل مضلل على «التأثير الأجنبي»، وبالتالى تعفى المؤسسة البريطانية من المسئولية عن تواطئها فى قمع الفلسطينيين.
لا يمكن المبالغة فى تقدير الدور التاريخى والمستمر الذى لعبته بريطانيا فى قمع الفلسطينيين ففى السنوات الأولى للاستعمار الاستيطانى الصهيونى كانت للإمبريالية البريطانية علاقة تكافلية إلى حد ما مع الحركة الصهيونية والواقع أن الأولى غذت الثانية فى سنوات تكوينها. فى هذا الصدد يمكن القول إن إعلان «بلفور» -وهو نص قصير ينص على أن الحكومة البريطانية تنظر بعين الرضا إلى إنشاء وطن قومى للشعب اليهودى فى فلسطين - يجسد هذه العلاقة الحميمة. فقد أصدر وزير الخارجية البريطانى «آرثر بلفور» عام 1917 ممهدا الطريق لإنشاء إسرائيل.
ورغم أنه ليس فريدا من نوعه فى إطار الممارسات الراسخة فى تقسيم الأراضى، فقد تم الفوز بهذا الإعلان إلى حد كبير بفضل الضغط رفيع المستوى من جانب نشطاء صهاينة مثل «حاييم فايتسمان». كانت بريطانيا مركزا لنشاط الحركة الصهيونية فى الفترة التى سبقت تأسيس الدولة الإسرائيلية. كان «فايتسمان» وقتها مقيما فى مانشستر، ويشغل منصب رئيس الاتحاد الصهيونى ثم رئيسا للمنظمة الصهيونية العالمية، قبل أن يصبح رئيسا فى نهاية المطاف.
ومن المفارقات المثيرة بأن معاداة الساسة البريطانيين للسامية ربما كانت فى مصلحة الحركة الصهيونية. وكان أبرز هؤلاء الساسة «اللورد بلفور» نفسه، وهو من حزب المحافظين وقد سبق أنه قدم بصفته رئيسا للوزراء قانون الأجانب لعام 1905 بهدف منع اللاجئين اليهود الفارين من العنف المعادى للسامية فى روسيا من الاستقرار فى بريطانيا.
وفى الوقت نفسه، أعلن حزب العمال عن دعمه للمشروع الصهيونى فى وثيقة أهداف الحزب التى أصدرها قبل ثلاثة أشهر من إعلان «بلفور». وهكذا يتبين أن ولادة الحركة الصهيونية البريطانية وأنشطتها المستمرة ضمن التاريخ الأوسع للعنصرية البريطانية التى لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا. والواقع أن الدعم البريطانى لإسرائيل لا يمكن فهمه بالكامل إلا بوضعه فى هذا السياق الأوسع.
وتحول الارتباط اليهودى القديم بأرض فلسطين فى الأساطير الصهيونية إلى الادعاء بأن فلسطين كانت «أرضا بلا شعب لشعب بلا أرض». والواقع أن الحركة الصهيونية حققت هدفها المتمثل فى إقامة دولة يهودية فى فلسطين على حساب الشعب الأصلى لفلسطين وتحويل الأسطورة إلى حقيقة -أو على الأقل هندسة الأغلبية الديموجرافية اليهودية المطلوبة- كان إنشاء إسرائيل عام 1948 ينطوى على التطهير العرقى المتعمد للفلسطينيين أثناء النكبة.
كتلة غير متجانسة:
الحركة الصهيونية بعيدة كل البعد عن أن تكون كتلة متجانسة والدليل على ذلك ما هو موجود من أشكال عديدة للصهيونية الثقافية والدينية والسياسية، بل إن «الصهيونية السياسية» تتضمن مجموعة واسعة من نماذج متكررة من صهيونية العمال التى تبناها «ديفيد بن جوريون» إلى الصهيونية التنقيحية المتأثرة بالفاشية التى تبناها «زئيف جابوتنسكى».
وكانت درجات النفوذ التى تتمتع بها التيارات الإيديولوجية المختلفة تتأرجح بين المد والجزر بمرور الوقت والصراع الداخلى بينها هو سمة ثابتة. لكن حتى لو اختلفوا على الكثير- مثل أين ينبغى أن تكون الحدود الدقيقة لإسرائيل- فإن جميع التيارات المكونة للحركة الصهيونية السياسية تشترك فى الالتزام بفكرة الدولة اليهودية.
وقد نشأت فكرة الدولة اليهودية التى يلتف حولها الصهاينة السياسيون وبرزت-كما كتب باحثون فى العلوم السياسية مثل ياسمين أبو لبن وأبيجل باكان- باعتبارها «استجابة إيديولوجية محافظة» وحلا مقترحا لمعاداة السامية الأوروبية. وقد تطورت فى أواخر القرن التاسع عشر بعد قرون من الاضطهاد المعادى لليهود، وكان سياقها المباشر موجة من المذابح المعادية لليهود فى روسيا.
كان أنصار الصهيونية الرئيسون منتشرين عبر البلدان. لذلك- كما تلاحظ الباحثة «فيونا آدمسون» فإن الحركة الصهيونية نظمت نفسها بالضرورة عبر الحدود، وكانت منذ البداية حركة قومية عابرة للحدود الوطنية وفى الوقت نفسه مشروعا استعماريا استيطانيا.
وفى هذا السياق يعتبر الصحفى النمساوى المجرى «تيودر هرتزل» الذى غالبا ما يعرف بوصفه المدافع الأكبر عن الحركة، هو أبو الصهيونية السياسية الذى وضع كتاب الدولة اليهودية 1896. وفى العام التالى ساعد فى عقد المؤتمر الصهيونى الأول فى بازل بسويسرا.
وسرعان ما تم إنشاء شبكة عابرة للحدود الوطنية من الفروع لما سيصبح المنظمة الصهيونية العالمية، الهيئة المظلة الأصلية للحركة الصهيونية. تأسست ثلاث مؤسسات وطنية أخرى لأول مرة من خلال المنظمة الصهيونية العالمية فى مؤتمرات لاحقة للمساعدة فى ولادة دولة إسرائيل.
كان لكل من هذه الهيئات الثلاثة- الصندوق اليهودى و«كيرين هايسود» والوكالة اليهودية لإسرائيل شبكة من التابعين فى الخارج تنفذ مهام مختلفة. وتأسس الصندوق القومى اليهودى - المعروف بالعبرية باسم كارين كا يميت ليسرائيل- عام 1901 بهدف الاستحواذ على الأراضى ضمن خطة الاستعمار اليهودى لفلسطين. ومازال مستمرا فى لعب هذا الدور حتى اليوم.
على سبيل المثال يركز الصندوق القومى اليهودى على مساعى اليهود فى صحراء النقب، وهى حدود رئيسة للتطهير العرقى المستمر من قبل الحكومة الإسرائيلية، حيث هدمت السلطات القرى البدوية غير المعترف بها مرارا بحجة أنها تتعدى بشكل غير قانونى على الأراضى المملوكة للدولة.
وفى الوقت نفسه، تم إنشاء «كيرين هايسود» صندوق التأسيس المعروف أيضا باسم نداء إسرائيل الموحد -عام 1920 بالأساس كهيئة لجمع التبرعات. وقد مول أنشطة مستوطنات «الييشوف» قبل إقامة الدولة فى فلسطين وفى النهاية تأسست الوكالة اليهودية- المعنية بشكل أساسى بتسهيل الهجرة اليهودية «هعاليا» إلى فلسطين عام 1929 فى المؤتمر الصهيونى العالمى السادس عشر.
ومن الأهمية هنا الالتفات إلى أن هذه المنظمات تأسست جميعها خلال الفترة التى حكمت فيها بريطانيا الاستعمارية فلسطين تحت الانتداب، وهو ما يؤكد التشابك بين الاستعمار البريطانى والاستعمار الاستيطانى الإسرائيلى. وفى الواقع تأسست منظمة «كيرين هايسود» فى لندن بعد بضع سنوات من صدور وعد بلفور، واعترفت بريطانيا رسميا بالوكالة اليهودية 1930أى بعد عام واحد من تأسيسها.
الصهيونية الأمريكية:
يشير الكاتب إلى أن الحركة الصهيونية الأمريكية تتمتع بسجل حافل من التعاون مع إسرائيل عبر شبكات حكومية وخاصة. تأسست المجموعة الأكثر شهرة. وهى لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك» فى عام 1951 على يد «إشعياء كينين» ممثل وزارة الخارجية الإسرائيلية السابق، وقد لعبت دورا رئيسا فى تنمية الدعم الحزبى لإسرائيل فى «كابيتول هيل» أى الكونجرس الأمريكى كما أنها تجذب العديد من أعضاء النخب السياسية الأمريكية، وتشمل الجماعات الأمريكية المعاصرة الأخرى المؤيدة لإسرائيل والتى تتفاوت درجات قربها من الحكومة الإسرائيلية منظمة « قف معنا» التى تنسق بشكل وثيق مع الحكومة الإسرائيلية وكذلك منظمة «مشروع إسرائيل» ،وهى هيئة منحلة الآن، وكان نائب رئيسها الدبلوماسى الإسرائيلى السابق «ليور وينتراب»، وتدير مجموعة تسمى «كنارى ميشن» لم تؤكد قط هوية مموليها لكنها تصرح أنها تنسق مع الحكومة الإسرائيلية موقعا إليكترونيا سيئ السمعة يعتمد قائمة سوداء مكارثية لتشويه سمعة الطلاب الداعمين لمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات باعتبارهم «عنصريين» فى محاولة للإضرار بفرصهم فى العمل.
وتنفق جماعات الضغط الإسرائيلية فى واشنطن «إنفاقا من العيار الثقيل للتأثير على السياسة الأمريكية- وفقا لصحيفة الجارديان يقدر الإنفاق بنحو16 مليون جنيه إسترليني«22 مليون دولار» من أجل الضغط والمشاركة فى الحملات الانتخابية عام 2018 التى تم توجيهها من خلال لجان العمل السياسى، إن صهيونية اليمين فى الولايات المتحدة تتداخل بشكل كبير مع الحركة المنظمة للإسلاموفوبيا / رهاب الإسلام، وتحت لواء بعض المجموعات المتورطة فى هذا تستظل الهيئات المنخرطة فى الحرب القانونية مثل «مشروع الحرب القانونية الذى قدم مديره «بروك جولد شتاين» المشورة القانونية للسياسى الهولندى «جيرت فليدرز» سيئ السمعة فى الترويج لرهاب الإسلام. كما تضم المجموعات الأخرى التى تروج للسرديات العنصرية بعض المجموعات التى تمولها وزارة الشئون الاستراتيجية أو شركاتها المتصدرة للواجهة «كونسرت» على سبيل المثال نجد مؤسسة «حلفاء إسرائيل» وهى هيئة تلقت تمويلا من الحكومة الإسرائيلية وروجت لقوانين مناهضة لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات عليها فى الولايات المتحدة- تصف نفسها بأنها تروج لدعم إسرائيل على أساس «القيم اليهودية المسيحية». وبشكل أكثر صراحة وصفت «لورى كاردوزا مور» رئيسة منظمة نحو العدالة للأمم الإسلام بأنه « نظام سياسى للهيمنة العالمية وزعمت أن 30% من المسلمين الأمريكيين إرهابيون».
إخفاق آخر:
منذ عام 2010 تقريبا مرت أزمة الصهيونية بمرحلة أكثر صعوبة. إذ كانت حملة براند إسرائيل ترويج إسرائيل تمر من إخفاق لآخر، فيما كانت النوبات المتتالية من العنف الشديد الذى تمارسه إسرائيل يقابل بخسارتها للمزيد والمزيد من الدعم فى محكمة الرأى العام العالمى، فى الوقت الذى كانت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات تشهد نموا متزايدا. وردا على ذلك تحولت إسرائيل وأنصارها بشكل متزايد نحو تكتيكات أكثر عدوانية.
بوجه خاص كان ينظر إلى الحروب القانونية القسرية-الاستخدام القمعى للقانون لتحقيق أهداف سياسية- بصفتها وسيلة للانتقام من محاولات محاسبة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين على جرائمهم، كما أدى تبنى الحرب القانونية المرتبط ارتباطا وثيقا ليس بالاستثناء الإسرائيلى فحسب، بل أيضا بالحرب التى تقودها الولايات المتحدة على الإرهاب وتآكل القانون الدولى المرتبط بها- إلى تحويل المعركة إلى ساحة تميل إلى تفضيل الحركات الاجتماعية من أعلى، وذلك بحكم الموارد المادية المطلوبة عادة للوصول إلى الهيئات التشريعية للولايات أو النظام القانونى والتنقل وغيرها.
على الصعيد العالمى، هناك جبهتان رئيستان للحرب القانونية المؤيدة لإسرائيل. أولا هناك الجهات الفاعلة الرسمية وتلك التابعة للمجتمع المدنى كلاهما يمارسان ضغوطا على حلفاء إسرائيل لحظر حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.
ثانيا، هناك محاولات متزايدة لمقاضاة دعاة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات فى المحكمة، من أجل قمع حركة التضامن من أجل حقوق الفلسطينيين وهذه الاستراتيجية الأخيرة لها جذورها فى مكافحة الإرهاب الإسرائيلى، وعادة ما تنطوى على التعاون عبر شبكات الدولة والقطاع الخاص وهو أسلوب عمل يجمع بين موارد الحكومة وسلطتها وإمكانية وصول الجهات الفاعلة الخاصة ومرونتها، محولا فى الوقت نفسه المخاطر بعيدا عن المسئولين وجاعلا مثل هذه التحركات قابلة للإنكار. وفى هذا تتعاون شركة المحاماة الإسرائيلية شورات هادين - وهى جهة فاعلة رائدة تعمل وفقا لهذا النموذج- وبهدوء مع الحكومة الإسرائيلية، بل وتتولى حتى توجهات بشأن القضايا التى يجب متابعتها.
ورغم ذلك قدمت الحكومة الإسرائيلية التمويل والتدريب لعديد من الجهات الفاعلة الأخرى المؤيدة لإسرائيل فى الحرب القانونية لرفع قضايا ضد حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، وفى بريطانيا سارت حملة الحرب القانونية المؤيدة لإسرائيل على النهج العالمى نفسه المتمثل فى شبكات الدولة والقطاع الخاص.
وعلى الرغم من أن منظمتي« نؤمن بإسرائيل» و«محامون بريطانيون من أجل إسرائيل» نجحتا فى منع نشطاء حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات من عرض قضيتهم داخل قاعة مجلس «هاكنى» فإن النتيجة الأكبر للحملة الرامية إلى منع شركة «فيوليا» من الشراكة مع هيئة المخلفات فى شمال لندن كان بمثابة انتصار للمقاطعة. فقبل أن يدلى أعضاء المجلس بأصواتهم حتى يقرروا الشركة التى ينبغى منحها العقد، سحبت شركة «فيوليا» عرضها.
وقد حدث هذا وسط تقارير تفيد بأن عديدا من أعضاء المجلس أكدوا لنشطاء حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات أنهم سيعارضون عرض «فيوليا»، وهو ما يشكل شهادة على قوة الحملة التى حشدها منظمو التضامن مع فلسطين، وكان الدعم لإسرائيل الحاضر فى مجلس «هاكنى» أقل من الدعم فى المناطق الأخرى لمحاسبة الدولة، والشركات المتواطئة من خلال حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.
وكما لاحظ ناشط حملة المقاطعة «مايكل دياس» فإن النتيجة توضح: نوع القوة التى تتمتع بها جماعات الضغط الإسرائيلى وتلك التى تفتقد إليها..
إذ بحلول الوقت الذى تدخلوا فيه، كانت هناك بالفعل هيئات مجتمعية محلية كبرى فى مختلف أنحاء شمال لندن على متن الحملة، ووقعت على رسائل وبيانات أُرسلت إلى جميع أعضاء المجلس. لذا بحول تلك النقطة.. لا يمكن أن ينجح هذا النهج القوى. إلا فى ظروف معينة.. ونادرا ما ينجح فى قلب هيئة دعم جماهيرية فعلية داخل مجتمع ما.
ويؤكد الكاتب أنه رغم أن القوانين الغربية تبدو داعمة لإسرائيل، إلا أنها مليئة بالثغرات، ويمكن استغلال هذه الثغرات لصالح القضية الفلسطينية، والمؤسسات التى تدعم إسرائيل فى الغرب ليست قوية كما يُعتقد. وتواجه هذه المؤسسات مشاكل مالية وإجرائية وقانونية تجعلها عرضة للتراجع أو الانهيار.
دراسات إسرائيلية:
انتشار الدراسات الإسرائيلية ونشأة جميع مراكز الدراسات بالجامعات البريطانية بعد بداية الألفية الجديدة جاء عندما تبلورت أزمة شرعية إسرائيل. وكما حدث فى الولايات المتحدة فإن ظهور وانتشار الدراسات الإسرائيلية كان مدفوعا بالإمدادات من التمويل الخاص من أعلى لأسفل، وليس برغبة ومطلب من الباحثين إذ إن جميع المؤسسات الخيرية التى تمول الدراسات الإسرائيلية لديها روابط وثيقة بالحركة الصهيونية، وبعض المنظمات التى هى هيئات مجتمعية يهودية وليست جماعات مناصرة للصهيونية صراحة- مثل مجلس القيادة اليهودية ومجلس النواب وصندوق الأمن المجتمعى.
وكثير من هؤلاء المانحين البريطانيين - مثل نظرائهم فى الولايات المتحدة- ينظرون إلى الدراسات الإسرائيلية باعتبارها سلاحا فى حرب إيديولوجية لمقاومة «نزع الشرعية» عن إسرائيل بالجامعات وفى المجتمع الأوسع .
إذ إن كثيرين منهم كانوا صريحين إلى حد ما بشأن دوافعهم السياسية، وعلى نحو أكثر وقاحة، رحب اللورد «وايدنفيلد» بكرسى الدراسات الإسرائيلية فى جامعة أكسفورد من خلال وصف الموضوع بأنه مهم للغاية فى مكافحة معاداة الصهيونية وملائم لمحاربة المقاطعة بل إنه صاغ بوضوح وفصاحة الاستراتيجية السياسية الواعية التى توجه العملية مؤكدا على أهمية إنشاء الدراسات الإسرائيلية فى الجامعات الرئيسية.
تحيز إعلامى:
إن تحليل الأسباب التى أدت إلى وجود تحيز صارخ وممنهج ضد الفلسطينيين فى وسائل الإعلام البريطانية خاصة فيما يتصل بالضغوط المؤيدة لإسرائيل، لابد أن يجرى بعناية واستنادا إلى الوعى بحقيقة أن نظريات المؤامرة حول «السيطرة اليهودية» على وسائل الإعلام لها تاريخ طويل وغامض إذ لاتزال هذه الموضوعات المعادية للسامية حية للغاية إلى يومنا هذا، وهى أحيانا ما تظهر فيما يتصل بإسرائيل فلسطين.
على سبيل المثال كان جزءا ضئيلا من الانتقادات الكبيرة التى تلقاها المدير العام لهيئة الإذاعة البريطانية «مارك تومسون» بسبب قراره بعدم بث نداء غزة يتعلق بإساءة معادية للسامية فى إشارة إلى حقيقة مفادها أن زوجته يهودية، الحقيقة هى أن وسائل الإعلام تشكل مجالا متنازعا عليه بشدة، حيث تسعى جهات فاعلة عديدة- من بينها جهات مؤيدة لإسرائيل- إلى ممارسة النفوذ وليس من الصعب فهم الأسباب وراء ذلك.
إذ إن قوة الصورة والكلمة المكتوبة تجعل وسائل الإعلام تلعب دورا بالغ الأهمية فى صياغة الطريقة التى تفهم بها إسرائيل فلسطين.
كما أن التمثيلات الإعلامية لا تساعد فى تشكيل التصور العام الجماهيرى وحدود المناقشة المشروعة فحسب بل إنها تحدد أيضا معايير المساءلة الحكومية، والحركة الصهيونية تدرك تمام الإدراك الحاجة إلى عزل المشرعين البريطانيين عن التعاطف المتزايد عن عامة الشعب البريطانى مع الفلسطينيين.
خلاصة:
يشير الكاتب إلى أن الآثار المترتبة على سردية هذا الكتاب فيما يتعلق بنشاط التضامن مع فلسطين، أولا يجب أن تتحلى بالأمل.
إن شدة ردة الفعل العنيفة ضد التضامن مع فلسطين تؤكد على التحدى الجدير بالثقة الذى يفرضه هذا التضامن على نظام الفصل العنصرى، وهو شهادة على أهمية وفعالية العمل الجماعى.
إن هدف القمع المؤيد لإسرائيل هو شل حركة الناس، وجعلهم يخافون من التحدث أو التصرف تضامنا مع الفلسطينيين من خلال خلق ثقافة الصمت والانسحاب والسلبية..
ثانيا، لا ينبغى لحركة التضامن مع فلسطين أن تنجرف إلى مناقشات خطيرة لا تنتهى حول معاداة السامية بل يجب أن تحتفظ بموقف قوى ومبدئى مناهض للعنصرية.
أخيرا إن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات تضع نصب أعينها المجتمع المدنى عوضا عن الحكومات، وذلك باعتباره فاعلا للتغيير، كما أنها تضع ضمنا ثقتها فى مشروع ديمقراطى أوسع يصر على ترجمة الإرادة الشعبية إلى نفوذ سياسى، دون اختصارات.
وفى حين تلجأ الحركة الصهيونية إلى تصنيع دعم المجتمع المدنى الزائف، فإن القضية الفلسطينية يمكن أن تجذب 200 ألف شخص إلى شوارع بريطانيا تضامنا.
وتشكل قوة الشعب هذه قوة الحركة، وهذا على وجه التحديد ما تخشاه كل من الحكومتين البريطانية والإسرائيلية.
وسوف يأتى التغير الدائم من خلال البناء من أسفل لأعلى. وهذه لعبة طويلة لكننا نشهد بالفعل اتجاهات مشجعة، ليس أقلها انكماش قاعدة دعم نظام الفصل العنصرى الإسرائيلى إلى مجموعات أكبر سنا وأكثر يمينية وغالبا ما تكون ذات عقلية أنجيلية.
وفى الوقت نفسه، أصبحت الأجيال الأصغر سنا خاصة على اليسار أكثر بديهية فى تبنى موقف مؤيد للفلسطينيين، ما يعطى سببا للأمل فى مستقبل أكثر تحررا.

خطابات ندب المراقبين الأسبوع المقبل
عودة اختبارات القدرات.. وتقييم التخصصات النظرية
«تسول» الاحتياج والاحتيال فى قاهرة المماليك







