خواطر الشعراوى| أصحاب الربا ومس الشيطان

الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: ونحن لم نر الشيطان، ولكننا علمنا به بوساطة إعلام الحق الذى آمنا به فقال: أنا لى خلق مستتر، ولذلك سميته الجن، من الاستتار ومنه المجنون أى المستور عقله، والعاصى من هذا الخلق اسمه «شيطان».

إقرأيضاً| خواطر الشعراوى| التعفف مقابل السؤال

إذن فإيماننا به لا عن حس، ولكن عن إيمان بغيب أخبرنا به من آمنا به. وحين نجد شيئًا اسمه الإيمان يجب أن نعرف أنه متعلق بشيء غير مُحس؛ لأن المُحس لا يقال لك: آمن به؛ لأنه مشهود لك، فأنا لا أقول: أنا أؤمن بأن المصباح منير الآن، أنا لا أؤمن بأننا مجتمعون فى المسجد الآن، لا أقول ذلك لأن هذا واقع مشهود ومُحسّ. إذن فالأمر الإيمانى يتعلق بالغيب، مثل الإيمان بوجود الملائكة. فإذا ما كنا قد آمنا بالغيب نجد الحق سبحانه وتعالى يعطى لنا صورة للشيطان،


ولكنه حين يعطينا صورة للشيطان أو لرأس الشيطان المميزة له، كما أن رءوسنا نحن هى التى تميزنا يتكلم سبحانه عن شجرة الزقوم فيقول جل شأنه: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فى أَصْلِ الجحيم طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياطين﴾ «الصافات: ٦٤-٦٥»

إقرأيضاً| خواطر الشعراوى| «وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ»

وشجرة الزقوم فى الآخرة فى النار، إذن فنحن لا نراها، ورءوس الشياطين لا نراها، فكيف يشبه الله ما لم نره بما لم نره، يشبه شيئا مجهولًا بشيء مجهول؟ نقول: نعم، وذلك أمر مقصود للإعجاز القرآني؛ لأن للشيطان صورة متخيلة بشعة، بدليل أنك لو طلبت من رسامى العالم فى فن الكاريكاتير، وقلت لهم: ارسموا لنا صورة الشيطان، ولم تعطهم ملامح صورة محددة، فكل منهم يرسم وفق تخيله كيانًا غاية فى القبح: فهذا يصوره بالقبح من ناحية، وذلك يصوره بالقبح من ناحية أخرى بحيث لو جمعت الرسوم لما اتحد رسم مع رسم.


إذن فكل واحد يستبشع صورة يرسمها. وساعة نعطى الجائزة لمن رسم صورة الشيطان أنعطى الجائزة لأجملهم صورة أم لأقبحهم صورة؟ إننا نعطى الجائزة لصاحب أشد الصور قبحا. إذن فصورة الشيطان المتمثلة صورة بشعة قبيحة، ولو جاء على صورة واحدة من القبح لاختلف الناس حول هذه الصورة فلعل هذا يكون قبحا عندك ولا يكون قبحا عن آخر، ولكن حين يُطلق الله أخيلة الناس فى تصور القبح، يكون القبح مائلا وواضحا فى عمل كل إنسان فتكون الصورة أكمل وأوفى فالأكمل والأوفى أن يكون القبح شائعا فيها جميعا.


ويقول الحق: ﴿الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس﴾ الشيطان قلنا: إنه العاصى من الجن، وقلنا: إن ربنا سبحانه وتعالى حكى لنا كثيرا أن الشياطين لهم التصاق واتصال بكثير من الإنس: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ «الجن: ٦»


و﴿لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس﴾ فكأن الشيطان قد مس التكوين الإنسانى مسًا أفسد استقامة ملكاته، فالتكوين الإنسانى له استقامة ملكات مع بعضها البعض؛ فكل حركة لها استقامة، فإذا ما مسّه الشيطان فسد تآزر الملكات، فملكاته النفسية تكون غير مستقيمة وغير منسجمة مع بعضها البعض، فتكون حركته غير رتيبة وغير منطقية.


وما المناسبة بين هذه الصورة وبين عملية الربا؟. إن أردنا فى الآخرة ميزة، فساعة ترى واحدًا مصروعًا فاعرف أنه من أصحاب الربا، هذا فى الآخرة، وفى الدنيا تجد أيضًا أن له حركة غير منطقية، هستيرية، كيف؟


انظر إلى العالم الآن، لقد خلق الله العالم على هيئة من التكامل. فهذا إنسان يتمتع بإمكانات ومواهب، وذاك يتمتع بمواهب وإمكانات أخرى، حتى يحتاج صاحب هذه الإمكانات إلى صاحب تلك الإمكانات فيكتمل الكون، ولو أن كل إنسان كان وحدة متكررة لاستغنى الكل عن الكل. ولو أن الأفراد متساوون فى المواهب لما احتاج الناس لبعضهم البعض. لكن المواهب تختلف؛ لأنك إن أجدت فنًّا من فنون الحياة فقد أجاد سواك فنونا أخرى أنت محتاج إليها، فإن احتاجوا إليك فيما أَجَدْت، فقد احتجت إليهم فيما أجادوا، وهكذا يتكامل العالم. وكذلك خلق الله الكون: مناطق حارة، ومناطق باردة، ومناطق بها معادن، ومناطق بها زراعة؛ حتى يضطر العالم إلى أن يتكامل، ويضطر العالم إلى أن يتعايش مع بعضه.