بعيداً عن التهوين والتهويل، أصبح من الصعب إنكار أن هناك أزمة قد تكون هى الأصعب والأشد، يمر بها مجلس التعاون الخليجي، منذ إنشائه عام١٩٨١، وكان ظهوره على المشهد السياسي، مرتبط برغبة الدول الست فى التعاطى مع أحداث فارقة فى المنطقة، سواء سقوط شاه إيران فى فبراير١٩٧٩، واندلاع الحرب العراقية الإيرانية فى سبتمبر١٩٨١، مما خلق رغبة لدى قادة الدول الست فى التعاطى مع توابع هذين الزلزالين، خاصة وهم الأكثر تأثراً من مجرياتها، بحكم الجغرافيا، ولعل التاريخ يشهد قدرته على الصمود، على عكس مجالس أخرى حاولت أن تحذو حذوه، خاصة مجلس التعاون العربي، الذى ضم مصر والعراق والأردن واليمن، والذى لم يصمد شهوراً فقط، تم الإعلان عنه فى فبراير ١٩٨٩، وانهار مع الساعات الأولى لغزو العراق للكويت، أغسطس من العام التالي، حيث لم يهتم أحد بإعلان وفاته (بالسكتة الدماغية)، رغم الضجة الإعلامية التى رافقت الإعلان عنه، وهو نفس الحال مع اتحاد المغرب العربي، والذى يضم الجزائر وليبيا وتونس والمغرب وموريتانيا، والذى ظهر كرد فعل سريع، وبعد أيام فقط على الإعلان عن نظيره العربي، ولكنه يراوح مكانه، موجود دون أى فعالية أو نشاط. والتاريخ يكشف عن أن مجلس التعاون الخليجي، هو وحده من صمد أمام أزمات عاتية، نجح فى طى ملف الخلافات حول ترسيم الحدود بين دوله، وتجاوز توابع الحروب الثلاثة التى شهدتها المنطقة، الأولى بين العراق وإيران، والثانية احتلال الكويت عام١٩٩٠، والثالثة غزو العراق٢٠٠٣، ونجح بفعل وحدة دوله فى دعم مملكة البحرين، فى التعاطى مع أزمة فبراير٢٠١١، والتى هددت النظام الملكى فى البحرين، وتوحد فى مواجهة استيلاء جماعة الحوثى على الحكم فى اليمن فى سبتمبر٢٠١٤، وتجاوز سريعاً أزمة الحصار على قطر٢٠١٧، من قبل ثلاث من دول المجلس، السعودية والإمارات والبحرين، وعادت العلاقات مع الدوحة إلى سابق عهدها، مما يعنى أن هناك حرصاً من الدول الست على عدم السماح بتعدد وجهات النظر تجاه القضايا الإقليمية المطروحة، بالتأثير السلبى على مسار عمل المجلس، طوال الحقب الماضية، ومنها طبيعة العلاقات مع إيران والعراق وتركيا، وأخيراً مع إسرائيل.
اختلف الوضع تماماً، مع دخول واشنطن كطرف مباشر فى المواجهات مع إيران، فى عملية الغضب الملحمى يونيو٢٠٢٥، والتى استهدفت مواقع نووية، وتكررت المواجهات بشكل أوسع فى نهاية فبراير الماضي، والتى فرضت تحديات غير مسبوقة على دول الخليج، وللحقيقة فقد كانت إيران تاريخياً أحد الملفات الخلافية البينية لدول الخليج منذ عقود، فبعضها انحاز إلى الإبقاء على القنوات الدبلوماسية والحوار، والالتزام بسياسة الاحتواء لها، ومن ذلك بالطبع سلطنة عمان بعلاقاتها التاريخية مع طهران، بالإضافة إلى قطر والكويت، وآخرها السعودية، بعد نجاح الوساطة الصينية بين الطرفين فى مارس٢٠٢٣، بينما كانت الإمارات والبحرين الأكثر حذراً، مع استمرار احتلال الجزر الثلاث بالنسبة للأولي، مع تفضيل آليات التعاون الاقتصادى خاصة مع دبى كبديل متاح، أما المنامة فلم تنسَ الدعم الرسمى والواضح لجماعة الوفاق والمكون الشيعي، فى أخطر أزمة واجهتها فى فبراير٢٠١١، وجاءت حرب الخليج الرابعة، كما لو كانت (القشة التى قد تقصم ظهر المجلس)، مع تحول دول الخليج إلى هدف للهجمات الإيرانية، حيث تفاوتت ردود أفعالها، وآليات الرد عليها، وإن كان معظمها التزمت باستراتيجية ضبط النفس، وتقليل المخاطر، وتجنب التورط فى الحرب، بالرد على إيران، ومع استمرار سياسة الاحتواء المستمر منذ سنوات طويلة، وحافظ على الإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحه مع طهران، على العكس من الإمارات، حيث كانت الأكثر استهدافاً، وجاءت فى مقدمة الدول المتضررة، فمن بين ٦٣٨٥ من الصواريخ والمسيرات، أطلقت على دول الخليج والأردن، تأتى الإمارات فى المقدمة بـ ٢٢٥٦ مسيرة و٥٦٣ صاروخاً، مما كان وراء حالة الانتقاد غير المسبوق لمواقف دول الخليج الأخري، والتى جاءت على لسان أنور قرقاش المستشار السياسى لرئيس الدولة، وأنقلها نصاً (صحيح إنه لوجستياً دول الخليج دعمت بعضها، ولكن من الناحية السياسية والعسكرية، اعتقد أنه كان الأضعف تاريخياً)، وظهر الأمر كما لو كنا أمام استراتيجية مختلفة، عبّر عنها عبدالخالق عبدالله الأكاديمى الإماراتي، الذى رصد ملامحها، فى نهاية مرحلة مجاملة أى طرف آخر، ودعا الجميع، أن يتقبل إمارات أكثر استقلالية، ويتكيف مع إمارات أكثر حزماً، وأكثر دفاعاً عن مصالحها، وإصراراً على مواصلة مسيرة التميز، ولعل التخلى عن عضوية أوبك، رغم التأكيد على أن له بعداً اقتصادياً، دليل جديد ومضاف لأدلة كثيرة على طبيعة الشرخ فى علاقة أبو ظبى بمنظومة المجلس، ولن أغرق فى التفاصيل، وما أكثرها، ولكننى سأذهب مباشرة، لمناقشة سيناريوهات المرحلة المقبلة، والتى لن تخرج عن التالي:
الأول: خروج المجلس من الأزمة (أكثر تماسكاً)، مع تجاوز الأزمة، مع تعزيز التعاون الأمنى والاقتصادي، وللأسف قد يكون مستبعداً، واحتمالاته ضئيلة، وهذا هو التوجه العام لدول المجلس، فقد كان من اللافت، فى بيان قمة جدة الأخير، برغم كل ما قيل عن طبيعة المشاركة فيها، وغياب سلطنة عمان، وتخفيض تمثيل الإمارات، وهى أمور تبدو شكلية، إن البيان الختامى لها، لم يتوقف عند رصد المواقف السياسية تجاه الأزمة فقط، بل تجاوزه إلى الحديث بتفاصيل، عن تسريع المشاريع الخليجية المشتركة، مثل منظومة السكك الحديدية، والربط الكهربائي، ومشاريع أنابيب النفط والغاز، والربط المائى مع تكثيف التكامل العسكرى ما بينها، والإسراع فى إنجاز منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ البالستية.
الثاني: سيناريو (التنافس المنضبط)، فدعونا نشير إلى أن المجلس على الأقل فى سنواته الأخيرة، يحكمه ثلاثة مشاريع، وهى السعودية الملتزمة بمقاربة حذرة، تركز على خفض المخاطر وخدمة مشروعها التنموي، مع تحركات براجماتية إماراتية، تفصل بين الاقتصاد والسياسة، واستراتيجية قطرية، قائمة على تعدد الشراكات، وتعزيز دور الوسيط، كما كانت سلطنة عمان حريصة على تميز سياساتها الخارجية منذ البداية، ولم تدخل فى صدام أو تنافس مع أحد.
الثالث: تصدع المجلس، وهو احتمال قائم وقوي، والذى لن يحتمل خروج أحد أعضائه، وهناك تلميحات إماراتية بذلك، نتيجة زيادة التباين فى المواقف تجاه القضايا الأكثر إلحاحاً، خاصة العلاقات مع إيران وإسرائيل، وفى هذه الحالة سنكون أمام توابع كارثية، منها فتح باب الصراع والمنافسة على مصراعيه، فى ظل حالة الانكشاف الاستراتيجي، التى ستدفع دوله للبحث عن تحالفات جديدة مع قوى إقليمية ودولية، ومعظمها قد يحقق مصالح ثنائية، ولكنه سيخلق حالة فوضى فى منطقة كشفت الأزمة الأخيرة، أن استقرارها لم يعد شأناً خاصاً بها، أو حتى على المستوى الإقليمي، ولكنَّها جزء مهم جداً من معادلة الاستقرار الدولي.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







