مصر تواصل البناء وتحصن اقتصادها رغم التحديات العالمية

نجاحات فى قلب الأزمات

مصر تواصل البناء وتحصن اقتصادها
مصر تواصل البناء وتحصن اقتصادها


 ملايين البشر عالمياً مهددون بشبح الجوع، أسواق طاقة فى فوضى غير مسبوقة، وتقارير دولية تتسابق على تعديل توقعاتها نحو الهاوية، هذا هو حال 2026 كما رسمته كبرى المؤسسات الدولية، ولكن على بُعد آلاف الأميال من دوائر صنع هذه التقارير، كانت مصر منشغلة بشىء آخر تمامًا: تعمر وتزرع، تبنى وتشيد وتُشغّل، تقوى وتعزز وتحصن اقتصادها ضد تقلبات العالم وأزماته من حولها. 

ترويض البطالة.. كبح التضخم.. شبكة أمن غذائى.. وتوسع صنـاعى

خبراء: المشروعات القومية «صمام أمان».. والإصلاح الاقتصادى يؤتى ثماره


حين قفزت أسعار النفط 60٪ وأسعار الغاز 70٪ جراء اشتعال الحرب فى الشرق الأوسط، كانت مصر تُضيف ملايين الأفدنة إلى رقعتها الزراعية وتستعد لاستصلاح 4.5 مليون فدان جديدة، وحين كانت توقعات صندوق النقد تُشير إلى تراجع النمو الإقليمى كان الاقتصاد المصرى يمضى فى الاتجاه المعاكس بمعدل نمو يقترب من 4.3٪، وحين كانت الدول النامية تتلقى صدمة تراجع الاستثمار الأجنبى بأكثر من 15٪، كانت مصانع جديدة تفتح أبوابها فى مصر وعمّال يجدون وظائف لم تكن موجودة بالأمس، لتنحسر معدلات البطالة إلى 6.3٪ ويتراجع التضخم من 20.9٪ إلى 13.6٪ بنهاية العام الجارى وفق توقع البنك الدولى.
الأهم من كل هذه الأرقام أن مصر أثبتت شيئًا أعمق أثرًا وأبعد دلالة، وباتت تمتلك اقتصادًا أقل انكشافًا على الصدمات الخارجية وأكثر صلابةً فى مواجهة العواصف، بعد أن حوّلت المشروعات القومية من أدوات تنمية إلى درع استراتيجية تخفّف الأثر وتقلّص الهشاشة، ليست مصادفة ولا استثناء عابر، بل ثمرة استراتيجية بُنيت بصمت واختُبرت فى أشد اللحظات توترًا.
الاتجاه المعاكس
د. محمد علاء الدين، الخبير الاقتصادى، أكد أن الاقتصاد المصرى استطاع فى هذه المرحلة الدقيقة ليس فقط الصمود أمام الأزمات، بل القدرة على تحويل المشروعات القومية إلى محرّك حقيقى لسوق العمل، وأشار إلى أنه رغم توقعات صندوق النقد الدولى بشأن تراجع النمو العالمي، فإن مصر تسير فى الاتجاه المعاكس بمعدل نمو متوقع يبلغ 4.2٪، متجاوزةً بفارق واسع المتوسط الإقليمى البالغ 1.1٪ وذلك عبر منظومة مشاريع قومية كبرى تُشكّل درعاً هيكلية للنمو.. وأوضح علاء الدين أن ما يُعزز هذا التفاؤل أن هذا النمو لم يبقَ حبيسَ الأرقام الكلية، بل تُرجم إلى فرص عمل حقيقية على أرض الواقع إذ أسهمت المشروعات القومية الزراعية والصناعية فى رفع معدلات التشغيل، وتقليص معدلات البطالة إلى مستويات لافتة، فى مؤشر واضح على أن المنهج الاقتصادى المُتّبع بات يُؤتى ثماره الاجتماعية قبل الاقتصادية.
وكشف أن ما يواجه الدول النامية نتيجة الأزمات الدولية المتلاحقة ما يمكن وصفه بـ»عاصفة مزدوجة»، فمن جهة يتراجع دخلها من الصادرات مع تباطؤ التجارة العالمية، ومن جهة أخرى ترتفع تكلفة الاستيراد مع استمرار التضخم العالمى عند مستوياته المرتفعة، وتشير تقديرات الأونكتاد «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية» إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر نحو الأسواق الناشئة تراجعت بأكثر من 15٪ خلال العام الجارى، فى حين يُكبّل ارتفاع الدولار وأسعار الفائدة قدرة هذه الدول على تمويل التنمية من مصادر خارجية، مما يجعل تحقيق التوازن بين استقرار الأسعار وتحفيز النمو تحدياً بالغ التعقيد.
وأضاف علاء الدين أن مشاريع «الدلتا الجديدة» و»مستقبل مصر» تضيف ملايين الأفدنة للرقعة الزراعية المصرية، فى استراتيجية شاملة لخفض فاتورة استيراد الغذاء التى تجاوزت 10 مليارات دولار عام 2024، وقد بلغت الصادرات الزراعية 8.6 مليون طن بقيمة 6.8 مليار دولار عام 2025، فى مؤشر واضح على تحول هذا القطاع من عبء استيراد إلى رافد تصديرى حقيقى مع إضافة فرص عمل نتيجة زيادة معدلات التشغيل بالإضافة إلى التوسع الصناعى وما نتج عنه من مناطق صناعية جديدة.
احتواء التضخم
وفى الوقت الذى تُعانى فيه معظم اقتصادات العالم من وطأة التضخم المتصاعد الذى تغذّيه ارتفاعات أسعار الطاقة والغذاء عالميًا، تبرز القدرة المصرية على احتواء التضخم بوصفها أحد أبرز الإنجازات فى هذه المرحلة، أُوضحت د. سحر البهائى، أستاذ الاقتصاد، أن المشروعات القومية الزراعية أدّت دورًا محوريًا فى تحقيق هذا الإنجاز إذ أسهم التوسع فى الرقعة الزراعية ورفع كفاءة الإنتاجية فى توفير السلع الغذائية الأساسية بصورة مستمرة، مما حال دون حدوث اختناقات فى المعروض أو ارتفاعات حادة فى الأسعار داخل السوق المحلى، وزيادة فرص العمل مما سيطر على معدلات البطالة عند 6.3٪ فى مقابل ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا بنسبة 2.4٪ خلال مارس 2026 للشهر الثانى على التوالى.. وأشارت د. سحر البهائى إلى المشروعات القومية وتوسع الرقعة الزراعية ورفع كفاءة الإنتاجية، ما انعكس بصورة مباشرة على تعزيز قدرة الدولة على تأمين جانب مهم من احتياجاتها الاستهلاكية الأساسية، وتوافر معظم السلع بشكل مستمر، بما أسهم فى دعم استقرار مستويات الأسعار داخل السوق المحلى وزيادة فرص العمل والحد من البطالة، الأمر الذى حال دون حدوث أى اختناقات أو نقص ملموس فى المعروض داخل السوق المحلى فى وقت يشهد ارتفاعاً ملحوظاً فى أسعار الغذاء على المستوى الدولى.. وتابعت البهائى أن المشروعات الصناعية الزراعية ساهمت فى تقليل الاعتماد على الواردات، من خلال إحلال الإنتاج المحلى بديلا عن المستورد، مما عزز من قدرة الاقتصاد المصرى على امتصاص تداعيات الحرب والحفاظ على توافر السلع الأساسية مما أدى إلى تراجع وكبح البطالة عند 6.3٪، كما استطاعت مصر تعزيز معدلات التشغيل وتنويع مصادر الاستيراد لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتأمين المستلزمات الطبية والمواد الخام اللازمة للتصنيع الدوائى.
سوق العمل
بينما رصد د. شريف فاروق، خبير العلاقات الدولية، الدور المحورى الذى اضطلعت به المشروعات القومية فى إعادة رسم خريطة سوق العمل المصرى وخفض معدلات البطالة، فعلى صعيد التوسع الزراعى فقد أضيف 2 مليون فدان للرقعة الزراعية خلال عشر سنوات، مع استهداف 4.5 مليون فدان كمستهدفات مستقبلية وهو ما يساعد الإنتاج المحلى فى استقرار الأسعار وتقليل الضغط على العملة الأجنبية فى مواجهة الأزمات المفاجئة، فضلاً عن إنشاء صوامع حديثة وتطوير منظومة التخزين ،حيث ارتفعت عدد الصوامع من 35 صومعة فى عام 2014 لتصبح 81 صومعة فى 2025، مما ساعد فى زيادة السعة التخزينية تقريبًا 3 مرات، فضلاً عن خطط مستقبلية لإنشاء 17 صومعة إضافية، مما يوفر شبكة أمان غذائى تقلل من الفاقد وتوفر احتياطياً استراتيجياً لعدة أشهر.. وأضاف فاروق أن دول العالم وأكثرها تأثرا الدول النامية تمر بأزمات اقتصادية متتالية ومرشحة لمزيد من التفاقم كنتيجة لتبعات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مع استمرار تبعات تلك الحرب والمتمثلة فى تعثر المفاوضات واستمرار غلق مضيق هرمز وهو ما يشكل خطراً كبيراً على الأمن الغذائى للدول النامية نظراً لارتفاع سعر المنتجات البترولية ومن بينها الغاز الذى يدخل كمكون رئيسى فى صناعة الأسمدة، وأشار إلى أن استمرار الحكومة فى إنشاء مجمعات صناعية جديدة وتعميق المكون المحلى مع دعم الصناعات الغذائية ساعد على تقليص الفجوة الاستيرادية والتصدير لأسواق خارجية وهو ما لم يُسهم فقط فى تأمين الغذاء، بل استوعب آلاف العمال فى مشروعات الاستصلاح والزراعة والتصنيع الغذائى.
التنمية الشاملة
بينما أشار د. سيد خضر، الخبير الاقتصادى، إلى أن المشروعات القومية تعتبر أحد أهم الأدوات الاستراتيجية التى تعتمد عليها الدولة لتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة، حيث تسهم هذه المشروعات فى دفع عجلة الإنتاج، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص عمل جديدة تسهم فى خفض معدلات البطالة، وبرز هذا الدور بوضوح فى السنوات الأخيرة من خلال تنفيذ عدد من المشروعات الكبرى مثل القطاعات الزراعية والعقارية والبنية التحتية والقطاعات الصناعية.. وأوضح خضر أن أهمية المشروعات القومية تكمن فى قدرتها على استيعاب أعداد كبيرة من القوى العاملة، سواء بشكل مباشر من خلال التوظيف فى مواقع العمل، أو بشكل غير مباشر عبر تنشيط الصناعات المرتبطة بها، كما تساعد فى معالجة الاختلالات الهيكلية فى سوق العمل، من خلال توزيع التنمية على مختلف الأقاليم، وتقليل الفجوة بين الحضر والريف، الأمر الذى يحد من الهجرة الداخلية ويعزز الاستقرار الاجتماعى.