تحول حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض إلى حالة من الذعر والفوضى أعقبها سلسلة من التساؤلات والتحليلات والنظريات بعد إطلاق النار فى مقر الفندق الذى استضاف الحفل، دوت طلقات نارية بشكل مفاجئ، انحنى الحضور تحت طاولاتهم لحماية أنفسهم وكذلك انحنى الرئيس ترامب والسيدة الأولى ونائب الرئيس للاحتماء تحت طاولتهم على المسرح في مقدمة الغرفة، سادت حالة من الفوضى والهلع، انتشر المصورون لتوثيق لحظات إطلاق النار بينما بدأ عناصر الخدمة السرية وغيرهم من أفراد الأمن بالاندفاع عبر الغرفة، لتأمين خروج الرئيس وزوجته ونائبه والعديد من كبار السياسيين.
كشفت التحقيقات سريعا أن مرتكب الحادث نجح في تخطي نقطة تفتيش تابعة لجهاز الخدمة السرية الأمريكية في فندق هيلتون بالقرب من قاعة مأدبة العشاء اثناء الحفل، كان مسلحًا ببندقية ومسدس وعدة سكاكين، تبادل إطلاق النار مع قوات الأمن وتسبب في إصابة أحد عناصر الخدمة السرية بطلق نارى خلال المواجهة، على طرحت قوات إنفاذ القانون الجاني أرضا وقيدته للسيطرة على الحادث، وبالرغم من عدم إصابة مرتكب الحادث بالرصاص خلال المواجهة، لكن نقل إلى المستشفى لإجراء تقييم لحالته.
مرتكب الحادث
تتوجه الأنظار سريعًا بعد كل محاولة اغتيال للرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو مرتكب الحادث، في محاولة للكشف عن توجهات مرتكبه ودوافعه تجاه الحادث، خلال ساعات قليلة كشفت السلطات الأمريكية هويته، وهو كول توماس ألين، 31 عاما، مُتهم بإطلاق النار اثناء تجمع للرئيس الأمريكي مع كبار أعضاء مجلس الوزراء ومئات الصحفيين لحضور الحدث السنوي، وتمكن عناصر الخدمة السرية من إلقاء القبض عليه بعد اختراق نقطة تفتيش أمنية وتبادل إطلاق النار مع قوات إنفاذ القانون.
كول توماس، سيرته العلمية حافلة بالانجازات، فهو مدرس من تورانس، بكاليفورنيا تم اختياره كأفضل معلم منذ اشهر قليلة، حصل على بكالوريوس العلوم في الهندسة الميكانيكية من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، ثم حصل لاحقا على ماجستير العلوم في علوم الحاسوب من جامعة ولاية كاليفورنيا، تشير بياناته على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تعليمه العالي وإنجازات الأكاديمية، ويصف نفسه بأنه مهندس ميكانيكا وعالم حاسوب مميز، وكذلك مطور ألعاب ذى خبرة، ومعلم بالفطرة.
القاتل الفيدرالي
مرت ساعات وانكشفت المزيد من التفاصيل حول مرتكب الحادث؛ أطلق توماس على نفسه لقب «القاتل الفيدرالي الودود» وحدد أهدافًا رفيعة المستوى لمخططه، وقبل 10 دقائق فقط من إطلاقه النار، أرسل رسالة مفاجئة معادية لترامب إلى أفراد عائلته وقال مسئول أمريكي إن أحد الأقارب سلم البيان الصادم إلى الشرطة، والذي اتهم فيه ترامب بالتورط في أحداث وجرائم عديدة قائلا: «إن غض الطرف عن ظلم الآخرين ليس سلوكًا دينيًا جيدًا، بل هو تواطؤ في جرائم الظالم، لتقليل الخسائر، سأظل أسير بين معظم الأشخاص هنا للوصول إلى الأهداف فذلك أمر ضروري للغاية».
في وقت متأخر من ليلة الاغتيال، داهم ضباط مسلحون منزل العائلة في تورانس بحثًا عن أدلة تتعلق بإطلاق النار بعد وقت قصير من اعتقال المتهم، أشار المسئولون إلى أن المتهم لديه ثلاثة اشقاء وليس لديه سجل جنائي سابق ولم يكن معروفًا لسلطات إنفاذ القانون في واشنطن العاصمة من قبل، وتظهر صوره المتداولة على الإنترنت ابتسامته إلى جانب أفراد عائلته في حفلات التخرج والتجمعات.
أسلحة سرية
أثناء تفتيش منزل المتهم اكدت السلطات أن الأدلة الموجودة على الأجهزة الإلكترونية الخاصة بتوماس وتتبنى كتاباته نظرية استهداف أعضاء الإدارة الحاضرين في العشاء، وضمت قائمة الاهداف مسئولي إدارة ترامب، وتأتي الأولوية من الأعلى رتبة إلى الأدنى، وقالت شقيقة ألين، لمحققي جهاز الخدمة السرية؛ إن شقيقها كان يدلى بتصريحات متطرفة وأنه ذكر مرارًا وتكرارا خططًا للقيام بشيء ما لإصلاح مشكلات العالم، وأكدت أيضا شرائه مسدسين وبندقية من شركة اسلحة شهيرة واحتفظ بها في منزل والديه، مؤكدة أن والديه لم يكونا على علم بوجود الأسلحة في منزلهما، وأضافت العائلة أن ألين كان يتردد بانتظام على ميدان الرماية للتدرب على استخدام أسلحته، وصرح مسئول أمريكي رفيع المستوى بأن المسلح المشتبه به كان جزءًا من جماعة معارضة للرئيس ترامب وأنه حضر احتجاجًا ضده ضمن تظاهرات الغضب ضد الملوك في كاليفورنيا.
اكد المحققون أن ألين كان يقيم في الفندق الذي أقيم فيه العشاء ونجح في حجز غرفة في خطة محكمة لإتمام حادث الاغتيال، وعلق جيفري كارول، القائم بأعمال رئيس شرطة العاصمة في بيانه قائلا: «بناءً على المعلومات الأولية، نعتقد أنه كان نزيلا في الفندق، وسنتبع الإجراءات المناسبة لتحديد التفاصيل وما كان بداخل غرفته»، وأشارت السلطات إلى أنه ليس لديها سبب للاعتقاد بأن أي شخص آخر متورط حتى الآن.
تغريدات ترامب
بعد الحادث توالت تصريحات الرئيس ترامب واصفًا مرتكب الحادث بذئب منفرد وشخص مريض، واتهم الديمقراطيين باستقطاب المتطرفين وتمويلهم كما أدان «خطاب الكراهية» الذي يتبناه الديمقراطيون لأنه يشكل خطرًا كبيرًا على البلاد، وأشار ترامب إلى أن الإنترنت أدى إلى تطرف بعض الناس وتسبب في مرض بعضهم عقليًا، وعلق على هجوم وبيان توماس قائلا: «كان يحمل في قلبه الكثير من الكراهية لفترة طويلة، ولا أعرف اذا كان الأمر ذا طابع ديني، ولا أعرف إن كنتم قد اطلعتم على البيان، لديه بعض المشكلات الكبيرة في بقية حياته، لكن الوضع سيئ للغاية».
فسر ترامب ايضا ما وراء الحادث قائلا: «عندما يكون لك تأثير، فإنهم يلاحقونك، وعندما لا يكون لك تأثير، فإنهم يتركونك وشأنك»، كما وصف لحظة إطلاق النار في احدى تغريداته: «وقع إطلاق النار، وأدرك بعض الناس ذلك بسرعة، بينما لم يدركه آخرون، مرة أخرى كان أداء جهاز الخدمة السرية والشرطة وجميع أجهزة إنفاذ القانون ممتازًا، كان الأمر سريعا جدا، لم يكن هناك متسع من الوقت للتفكير، كانت مسألة ثوان قبل أن نخرج من الباب وندخل إلى المنطقة»، «إطلاق النار كان امرًا صادمًا إلا أن السيدة الاولى ميلانيا ترامب ادركت الامر سريعًا»، وأعربت عن مخاوفها الدائمة على سلامته نظرًا لمحاولات الاغتيال المتعددة التي تعرض لها لتكرر مقولتها له دائما: «أنت في وظيفة خطيرة».
تهم وعقوبات
تحرك المدعون الفيدراليون سريعًا وأعلنوا بالفعل أنه ستوجه تهمتين إليه تتعلقان باستخدام سلاح ناري أثناء ارتكاب جريمة عنف والاعتداء على ضابط فيدرالي باستخدام سلاح خطير، ومن المتوقع أن يمثل أمام المحكمة الفيدرالية في اسرع وقت ممكن، وفي حال إدانته قد يواجه ألين عقوبة السجن لمدة 20 عاما بتهمة الاعتداء، بينما تأتي تهم الأسلحة بحد أدنى عشر سنوات مع احتمال السجن مدى الحياة في حال إطلاق النار.
اطلقت جانين بيرو المدعية العامة للولايات المتحدة في كولومبيا بيانًا قالت فيه: «من الواضح، بناء على ما نعرفه حتى الآن أن هذا الشخص كان ينوي إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر والأذى، ستوجه المزيد من التهم بناءً على المعلومات التي نتعلمها في هذا الوضع المتغير للغاية»، واشار جيفري كارول، رئيس شرطة العاصمة في بيانه إلى أن المشتبه به اندفع نحو قاعة الرقص قبل أن يتم إيقافه، تم طرحه أرضا وتقييده بالأصفاد من قبل قوات إنفاذ القانون بعد تبادل إطلاق النار مع الضباط، أصيب أحد الضباط بالرصاص بالرغم من ارتداء سترته الواقية، ومن المتوقع أن يتعافى سريعا.
تقصير أمني
توالت آراء الحضور ممن اتفق بعضهم على التقصير الأمني في حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض بسبب التراخي في إجراءات التفتيش قبل اقامة الحفل، ووصف العديد من الحاضرين المشكلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي مؤكدين أن هناك ثغرات في الفحص والتحكم في الوصول، لم يكن هناك أي تفتيش أمني قبل دخول القاعة، ونجح المتهم في اختراق نقطة تفتيش في محاولة لتنفيذ هجومه.
أشار النائب مايك لولر، ممثل نيويورك، إلى ما وصفه بمشكلات أمنية صارخة، بالرغم من اعترافه بأن جهاز الخدمة السرية ووكالات إنفاذ القانون الفيدرالية تحركت سريعًا لتأمين قاعة الرقص ونقل الرئيس دونالد ترامب ومسئولين آخرين إلى أماكن آمنة إلى أنه اشار إلى عدم وجود شروط امنية لإبراز بطاقة هوية تحمل صورة شخصية أو قائمة حضور معتمدة، وكذلك لم تكن هناك أجهزة كشف المعادن قبل الدخول إلى قاعة الاحتفالات، وقال إن حفلات الاستقبال التي سبقت الفعالية شهدت إجراءات أمنية محدودة، وخلقت ثغرات محتملة فالمبنى ظل مفتوحا للجمهور، كما لم تتوفر معلومات واضحة عن عدد أعضاء الكونجرس الحاضرين أو أماكن جلوسهم وأنهى كلماته بتساؤل حول كيفية انتقال المسلح من غرفة الفندق ليطلق النار بالقرب من قاعة يتواجد بها كبار الشخصيات والمسئولين في الولايات الامريكية.
ظهور علني
ينضم الحادث الاخير إلى قائمة محاولات الاغتيال التي تعرض لها الرئيس ترامب، ونجا من بعضها بأعجوبة، ليصبح أحد أكثر رؤساء امريكا استهدافا، وعلق ترامب في كلماته للصحفيين عقب الحادث قائلا:»ليست المرة الأولى خلال العامين الماضيين التي تتعرض فيها جمهوريتنا لهجوم من قاتل محتمل»، واشار إلى مدى خطورة وظيفته حيث أن هناك قائمة متزايدة من التهديدات إلا أنه لا ينوي تقليل ظهوره العلني.
نجا ترامب من محاولتي اغتيال سابقتين في عام واحد، الاولى في 13 يوليو 2024، ارتكبها توماس ماثيو كروكس، 20 عامًا، اطلق النار من بندقية آلية خلال تجمع انتخابي لترامب في بنسلفانيا، ليصبح أول رئيس أمريكي حالي أو سابق يتعرض لمحاولة اغتيال منذ عام 1981، منذ اغتيال كينيدى عام 1963، وأصاب كروكس ترامب بالفعل بجرح طفيف في أذنه اليمنى كما تسبب في مقتل أحد الحاضرين، وسقط توماس قتيلا على يد قناص من جهاز الخدمة السرية.
استهداف رئاسي
محاولة الاغتيال الثانية وقعت في 15 سبتمبر 2024، ارتكبها ريان ويسلي روث اثناء تواجد ترامب في فى نادى ترامب للجولف فى فلوريدا، حيث نجح ريان في التسلل بين الاشجار وإطلاق النار، ألقت السلطات القبض عليه وأدين بمحاولة الاغتيال حيث يقضي حاليا عقوبة السجن مدى الحياة.
كشف الحادثان عن أوجه قصور في جهاز الخدمة السرية، وانتقدت تقارير صادرة عن مجلس الشيوخ التخطيط والاتصالات والقيادة في جهاز الخدمة السرية، لينتهى الامر بإقالة قيادات في الجهاز ويرجح خبراء الامن أن يشهد الجهاز سلسلة من الإقالات بسبب محاولة الاغتيال الاخيرة.
هجمات منفردة
سبقت محاولتي الاغتيال الاخيرة عدد من التهديدات التي واجهها ترامب والتي تعكس إخفاقات الأجهزة الأمنية كما تكشف عن حالة التطرف التي تدفع معارضيه إلى محاولة اغتياله عبر هجمات منفردة، في يونيو عام 2016، حاول بريطاني عمره 20 عاما، انتزاع مسدس ضابط شرطة في تجمع انتخابي لترامب في مدينة لاس فيجاس، وأخبر المحققين أنه كان يعتزم قتل ترامب، وفي سبتمبر 2017، حاول رجل استهداف موكب الرئيس لتحطيم سيارته، وفي سبتمبر 2020، أرسل شخص رسالة إلى ترمب تحتوي على مادة الريسين القاتلة.
في يوليو 2024، ألقي القبض على باكستاني، أدين بتنفيذ مؤامرة اغتيال «لصالح الحرس الثوري الإيراني» لقتل ترامب، وفي فبراير 2026، كشفت التقارير عن قيام عناصر جهاز الخدمة السرية بقتل شاب،21 عاما، أحضر بندقية صيد وقنبلة غاز إلى منتجع ترامب في «مارالاجو» اثناء غياب ترامب وتواجده في واشنطن.
نائب الرئيس
أثار فيديو تأمين خروج الشخصيات السياسية من القاعة وقت اطلاق النار حالة من الجدل بسبب قيام رجال الخدمة السرية بإخراج نائب الرئيس جيه دي فانس من القاعة قبل ترامب الذي غادر المنصة بعد نائبه ب 20 ثانية، أثار المشهد موجة من الجدل والتحليلات وتوالت التساؤلات: هل نائب الرئيس هو الشخص الاهم لدى الاجهزة الامنية؟ هل تم منحه الاهمية؟ وبالطبع تأتي الأجابة من المسئولية بشكل اكثر حيادية؛ لتشير إلى أن خروج دي فانس كان اسهل من ترامب الذي تعثر للحظات أثناء اقتياده إلى يسار المنصة متوجها الى جناح رئاسي آمن بالفندق، وسعى منظمو الحفل إلى استئناف الفعالية، إلا أن جهاز الخدمة السرية نصح بالمغادرة سريعًا الى البيت الابيض.
بالطبع لا تخلو محاولات اغتيال الرئيس ترامب من التشكيك حول مدى صحتها؛ إذ يواجه البيت الابيض بعد كل حادث نظريات مؤامرة، تشكك في حقيقة محاولات الاغتيال، وشككت تلك النظريات من قبل في حادث الاغتيال اثناء التجمع الانتخابي الذي وقع في يوليو 2024 ويشير اصحاب تلك النظريات إلى تزييف الحادث من اجل زيادة شعبية ترامب وجمع المؤيدين حوله لضمان نجاحه في الانتخابات الرئاسية، ودفع التشكيك البيت الابيض الى اطلاق بيان الشهر الماضي للرد على تلك النظريات جاء فيه: «في ذلك اليوم المأساوي في بتلر، بنسلفانيا، فقدنا بشكل مأساوي بطلا أمريكيا، كوري كومبيراتوري، ضحى بحياته بشجاعة لحماية من حوله، لن ينسى الرئيس ترامب كوري وعائلته الكريمة أبدا».
اقرأ أيضا: البيت الأبيض يحمل «طائفة يسارية» مسؤولية محاولة اغتيال ترامب
إعدام قاتل زوجته وأبنائه بولاية أريزونا
عصابات «الفنتانيل» تسيطر على أشهر حدائق لوس أنجلوس
سفاح نيويورك أصبح يسيطر على الرأى العـام الأمــريكى بدلًا من الحرب







