التفتُّ للوراء حينما نزحنا من بيتنا للمرّة الثالثة على التوالى، وعلى منطقةٍ عالية، رأيتُ ما لم نشاهدهُ إلا بأفلام الرّعب، إن كنت تقفُ بدلاً منى عند ملعب اليرموك، غرب مدينة غزّة، فستجد حى الشجاعية يحترق بوضوح، سترى القيامة قد قامت فى الشّرق، سترى أعمدة الدّخان الطويلة الشاهقة، بل بروجًا مدببة تحملُ أحلام الناس المنصهرة بين ذّرات السواد، سترى غيمة سواد بحجم الحى كله وأسراب طيور فازِعة تهرب إلى أين ما كتب الله لها أن تهرب، وأصوات قنابل ثرثارةٍ بغباء، لا تعرف السكوت ولا السكون.
ستقف وذُهولك يعلوكَ ويعلو سماك، ستترك قافلة عائلتك وحصان العربة يمشى، إيه والله، ستنسى نفسك وفمكَ مفتوحًا لأن أهوال القيامة تراها الآن، ستحتقرُ نفسك لأنك تركت حيُّك وحيدًا يلتهب وتأكله الكلاب الجائعة، ستسمع صوت أمك يناديك لتكمل معهم رحلة العذاب إلى حياةٍ تعنى اللاشىء، ستقول لها إن كل شىء يتكدس بين تلافيف الدّماغ، كل المناظر الصعبة ستقتلك يومًا ما حينما تنتهى الحرب، وشريط الحرب اللعين سيظل يلاحقك ما دمت حيًا.
كان كلّ شىءٍ صامتًا رغم اشتعال المدينة وتفجيرها، قلبى كان صامتًا وسط المعركة، أقفُ ولا أقف، أمشى ولا أمشى، أسلط نظرى إلى حيث ما كان حيّنا حى يضجّ بالحياة. لم يكن أحدًا يمشى فى طريقنا، كأننا نمشى على أرض المريخ لوحدنا، نرى النيازك والشهاب تضرب كوكب الأرض وأن مجرة ما تنفجر وتتناثر فى جوف الكون.
كان هذا فى بداية ديسمبر للعام 2023 الذى لا يندرج فى الزّمن ولا يمت بصلة للتاريخ، نزحنا من الحى بعد نجاتنا من حزامٍ نارى سقط على شارعنا الضيق الذى لا يتجاوز عرضه الأربعة أمتار، كان كلّ شىء غير مصدق، البيت كالفشار ينفجر أو كمن وضعنا فى زجاجة وبدأ يخضنا دون رحمة ودون توقف. لقد هرب منى قلبى، وقدماى سبقتنى فى الهرب، وفقدتُ الإحساس حينما نظرتُ للوراء ورأيت بيوت الجيران تنهار خلفنا، رأيت نوافذ بيتنا تلطم، وجدتُ الجدران تتصدع، الآن الآن سنموت، سأرى الموت أخيرًا، سأذوق طعم الموت وأجربه، تحمستُ للفكرة، إنها تجربة ستكون الأخيرة ليس إلا، لكن الواقع أيقظنى و شدّنى لطلب العيش حينما انفجر باب البيت أمامى.
ومن ذلك الوقت، صرنا ناجين بعدما توقف الحزام النارى، كان سريعًا وقويًا، جيراننا الملاصق بيتهم لبيتنا استشهدوا، وكتبت علينا حياة أقسى، كان ذلك فى بدايات الحرب التى اعتقدناها النهايات، حتى صرنا بدايات تؤجل نهايات إلى اليوم.
عُدنا للحى بعد شهرين من الشوق، عدنا بسبب اجتياحٍ مفاجئ فى منطقة نزوحنا، كانت طلقات الرصاص تضرب البيت فى حين أن الدبابات تبعد عنا بضعة أمتار، أخذنا ما استطعنا حمله من ملابسنا وتركنا ما تبقى فى البيت. فى اليوم نفسه احترق البيت بالكامل بعد خروجنا منه، وجارنا الذى كان يسكن فوقنا ظل مرميًا بالشارع وأكلته الكلاب، لقد استشهد أمام زوجته وأطفاله بعد رميه بالرّصاص. أما نحنُ حملنا كل شىء فوق ظهورنا مدى الطريق، كنتُ أحمل أربع حقائب ظهر وأجرُّ حقيبة سفر بيداى وعلى كتفى اليمين وضعتُ سلكٌ كهربائى ملتفٌ بصورة عشوائية، لقد أوجعنى كثيرًا حتى تمنيتُ أن أرميه أو أرمى يدى.
فى طريق العودة من الغرب للشرق كنتُ أطوى شوقى وأستعدُ لعناق حيّنا المدمر، وحين وصلنا تخيلتُ مشهد سيدنا آدم فى أول لحظاته بعد هبوطه للأرض، العمارات والبيوت من حولنا قد سوّيت بالأرض، ولأول مرة اكتشفت كيف تبدو السماء فوق منطقتنا، فراغٌ فراغ، وأثر الدبابة يرى بوضوح. تساءلت حينما دخلت البيت وقد وجدناه مدمرًا، هل دخل الجيش بيتنا؟ هل اقتحم غرفتى ورأى مكتبى وكتبى وشغفى المعلق بالزوايا؟ هل دنسوا ألوان غرفتى الزاهية؟ هل قرأوا ذكرياتى؟ هل وقفوا أين ما كنت أقف لأرى الشمس وعصافير السّماء؟ هل سرقوا ألعاب شقيقاتى؟ اللعنةُ على اقتحام عالمنا الخاص، كيف يحصل كل هذا ولم يحصل؟ لماذا يقتلوننا ونحنُ أصحاب الأرض؟ جميعنا نتكلم العربية، هل إسرائيل تتكلم العربية؟ الحقيقة واضحة كوضوح الشمس، فلماذا لا تنتهى هذه المأساة؟
بعد عدة أشهر، نزحنا فى الصّباح، لقد وقع الاجتياح فجأة دون إنذار، لكن شعور الخطر كان مرافقنا لذلك كانت حقائبنا جاهزة نوعًا ما وتنتظرنا لدى الباب حتى لحظة وقوع الخطر، عدنا بعد أسبوعين وكان البيت مغبرًا، مليئاً بالحجارة الصغيرة والرّصاص والشظايا والزجاج. وكان الحى قد ازداد دمارًا وفراغًا، فى حين أن أجساد الشهداء تنتظر من يدفنها.
كان دمار بيتنا الداخلى سخيفًا أمام الدمار الذى ينفرد أمامنا.
فى أبريل 2025 نزحنا مرة أخرى إثر اجتياح آخر مفاجئ، كل الاجتياحات مفاجئة بطبيعة الحال، فيرمى الاحتلال مناشريه التى تحذرنا بعد وقوع الاجتياح. قلنا: يومان وسنعود، لن نأخذ صورنا وذكرياتنا، نظفنا البيت ورتبناه بسرعة إلى حين عودتنا فنجده نظيفًا مرتبًا، وإلى اليوم ننتظر هذين اليومين.
قصفوا بيتنا قبل بدء الهدنة الأخيرة بعدة أيام، ونحنُ الآن ننتمى إلى اللاشىء، أى جدار أراه لا يطمئننى سوى جدران بيتنا، بيننا أغنية مشتركة نغنيها منذ القدم، تلك الجدران الشاهدة على نسيج حلمى وعلى إرادتى لاحتلال العالم. كان هذا البيت تعب أبى وشوق أمى، لماذا قصفوه؟ لماذا دمروه؟ دوماً ينتابنى السؤال: هل قصفوه بالليل أم النهار؟ هل صرخَ أو بكى؟ هل سالت دماؤه نهرًا بالحىّ؟
تعبنا، نُريد أن نتنفس ولو قليلاً رغم أننا نتنفس، نرى الشمس دون أن نراها، ونشعر بالهواء دون أن نشعره، ونستغرب كيف ما يزال للشجر لون وكيف ما يزال موج البحر يتحرّك بلطف وكيف بطابور النمل بقى يمشى رغم كارثة الأرض، أتساءل عن الغيوم، كيف بها أن تحتفظ بنقائها لليوم؟ وكيف تلمع النجوم وسط هذا الموت؟ وحين نسمع هدير المياه نفرح، هدير المياه صار يفاجئنا ويرمينا إلى حياةٍ صارت أبعد من بلوتو، حتى العصافير، حتى صوتها، هل تبكى؟ هل تُغنّى، لا ندرى!
كلّ الطبيعة تُفاجئنا، كل الطّبيعة تُحزننا.
حتى طبيعة المدينة تقتلنا.

فانوس فوق المقطم
أصعب من الكتابة للكبار الأطفال كقراء قساة
جمال الغيطانى.. حامل سلام العابرين







