الزمان أغسطس 2014، والمكان قرية صغيرة بعيدة تسمى أولوم، حيث تحاط هذه المنطقة القطبية الباردة بالغابات والمستنقعات، وتبعد أقرب مدينة عنها أكثر من 40 ميلاً، يعيش بها عدد قليل من العائلات، في بيئة ريفية تفتقر للكثير من وسائل الرفاهية الحديثة، فلا توجد إشارات للهواتف المحمولة أو حتى طرق ممهدة.
كانت الصغيرة كارينا تقضي يومها كالعادة؛ استمتعت بفطور دسم من الـ "أولادي" "فطائر روسية"، وقضت الصباح تلعب مع أحد الجراء التي تعيش خارج المنزل.

◄ صدمة اختفاء كارينا
وأثناء انشغال والدة كارينا بالأعمال المنزلية، تركتها في رعاية جدتها، ولأن كارينا لم تكن تبتعد أبداً عن المنزل، شعرت العائلة بالاطمئنان لتركها تلعب بالخارج مع كلبتها دون مراقبة دقيقة، وأثناء لعبها، لمحت كارينا والدها يغادر القرية، فقررت تتبعه، حاولت جاهدة اللحاق به، لكن خطوات ابنة الأربع سنوات لم تكن تضاهي خطوات رجل بالغ، ففقدت أثره ووجدت نفسها وحيدة في البرية الشاسعة.
مع حلول المساء اجتمعت الأم والجدة، لكن الضحكة التي كانت تملأ البيت غابت، وحل الهدوء، سألت الأم: "أين كارينا؟"، فأجابت الجدة بهدوء "ظننتها مع والدها"، وعندما عاد الأب وحيداً، وقعت الصدمة كالصاعقة؛ كارينا ليست معه، كارينا ضاعت في غابات "التايغا".

◄ تمشيط الغابات بالطائرات
في تلك اللحظة، كانت الشمس تغيب خلف الأشجار العملاقة، والبرودة القاسية بدأت تنهش جسد الصغيرة النحيل، لم تكن كارينا وحدها تماماً، فقد كانت الكلبة الوفية "نايدا" معها، ومع انخفاض درجات الحرارة لما دون الصفر، لم تجد الطفلة وسيلة للدفء سوى الاحتماء بفراء "نايدا" الكثيف، والالتصاق بها فوق بقعة من الأعشاب الطويلة لتناما معاً تحت السماء المظلمة.
اقرأ أيضا | بطلة من ورق.. حكاية عداءة استقلت المترو لتربح سباق الماراثون
مرت الأيام عليها كالسنوات، كانت تأكل من التوت المتساقط من الأشجار، وتشرب من ماء النهار، حتى وصلت إلى اليوم التاسع، حيث لم يتوقف البحث عنها، ١٠٠ فرد من رجال الإنقاذ والمتطوعين يمشطون الغابات والمستنقعات، والطائرات المروحية تحلق فوق الأشجار ورؤوس الدببة والذئاب، لكن دون جدوى.
◄ كلبة تقود فريق الإنقاذ
وفي اليوم التاسع، حدث ما لم يتوقعه أحد؛ عادت كلبتها "نايدا" إلى القرية وحدها! غرق الجميع في اليأس، ظنا منهم أن الكلبة تخلت عن كارينا بعدما فارقت الحياة، لكن "نايدا" لم تعد لترتاح، بل عادت لتستنجد، كانت تدور حول رجال الإنقاذ وتنبح، وكأنها تقول لهم: "اتبعوني.. إنها هناك".
وبالفعل، قادتهم "نايدا" إلى بقعة بعيدة وسط الأعشاب الكثيفة، وهناك، في اليوم الثاني عشر، وبينما كان الأمل يتلاشى، أبصر أحد المنقذين خصلات شعر ذهبية وسط العشب، كانت كارينا، حافية القدمين، منهكة الجسد، لكنها مازالت حية.
عندما احتضنها المنقذ، لم تطلب سوى الماء والطعام، وبكت بهدوء وهي تمد ذراعيها الصغيرتين نحو الأمان؛ لقد نجت "ماوكلي الروسية" من قلب الموت، لتثبت للعالم أن الوفاء قد يسكن في قلب جرو، وأن المعجزات لا تزال تحدث.
وصرح متحدث باسم خدمة الإنقاذ الإقليمية للصحيفة قائلاً: "إنه أمر لا يصدق ببساطة أن يتم العثور عليها آمنة مع كل هذه الحياة البرية في الغابة؛ حتى الشخص البالغ قد لا ينجو، لأنه سيعذب نفسه بالأفكار المروعة".
◄ شجاعة الصغيرة ووفاء كلبتها
وأظهرت الصور التلفزيونية الطفلة بعينين واسعتين وهي ترتدي قميصاً وسروالاً ضيقاً فور العثور عليها، وهي تجرع الماء قبل نقلها إلى المروحية، وقالت إنها أكلت التوت وشربت من النهر لتبقى على قيد الحياة.
وأعلن مكتب حاكم منطقة "ساخا" أن كارينا موجودة في المستشفى الإقليمي الرئيسي بمدينة "ياكوتسك" وأنها تتماثل للشفاء بشكل جيد.
لم تمر هذه القصة العجيبة كحدث عابر في حياة أهل "ياقوتسك"؛ العاصمة الإقليمية للمنطقة، وهي المدينة الكبيرة التي نُقلت إليها كارينا لتلقي العلاج في المستشفى، فتقديراً لشجاعة الصغيرة ووفاء كلبتها الأسطوري، تم تشييد تمثال برونزي يجمعهما معاً في قلب مطار المدينة.
ويقف التمثال اليوم ليحكي لكل مسافر قصة الطفلة التي لم تنكسر أمام غابة الدببة، والكلبة التي كانت رمزا للأمان.
واليوم، غادرت كارينا تلك الغابات الموحشة لتسكن في عالم الأضواء والموسيقى؛ حيث تدرس في مدرسة الباليه، وتحلم بأن تصبح راقصة عالمية تقدم عرض "بحيرة البجع".

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







