على مدار آلاف السنين ظل الهرم الأكبر فى الجيزة "أيقونة" العظمة التى لاتقهر، ليس فقط لضخامته، بل لكونه اللغز الذى يأبى الحل، واليوم لم يعد الصراع حول "من بنى الهرم؟" فالمصريون هم أصحابه دون شك، بل تحول الصراع إلى مختبرات العلماء فى الغرب، الذين يتسابقون يوميا لتقديم نظريات وأبحاث تخرج علينا كالسيل، حتى أصبحنا أمام ظاهرة البحث الذى يقتل ما قبله.
بينما تقرأ هذه السطور هناك مئات المختبرات حول العالم تعكف على دراسة أحجار الهرم وتشير التقديرات الأكاديمية إلى أن هناك أكثر من 2000 دراسة وبحث علمى محكم تناولت لغز البناء فقط خلال القرن الأخير، ناهيك عن آلاف الكتب والنظريات غير الرسمية، ما بين "منحدرات رملية" تلاشت، و"بكرات هيدروليكية" خيالية، وصولا إلى استخدام "الأشعة الكونية" لرسم خرائط الفراغات، كل يوم نفيق على بحث يلغى نتائج البحث الذى سبقه، مما ترك الرأى العام العالمي، والمصرى خاصة، فى حيرة من أمره هل سنصل يومًا إلى الكلمة الأخيرة؟
ووسط هذا الضجيج العلمى تبرز دراسة هى الأحدث والأكثر إثارة للجدل التى نشرتها دورية "Nature" العالمية للباحث الإسبانى الدكتور فيسينت رويج خبير الذكاء الاصطناعى وهندسة الكمبيوتر بجامعة بلنسية الإسبانية الذى طوع خوارزميات الحاسوب المتقدمة لفك شفرة بناء الهرم الأكبر، رويج لم يأت بمعول أو أزميل، بل جاء بـ"خوارزمية حاسوبية" يدعى أنها حلت "المعضلة اللوجستية" التى عجز عنها الجميع، مؤكدًا أن الهرم بنى نفسه من خلال "منحدرات حلزونية مُدمجة" فى حوافه، تختفى بمجرد اكتماله!
وفى هذه المواجهة لم نكتف بقراءة البحث، بل ذهبنا مباشرة إلى عقل صاحب الدراسة، فى حوارنا التالى، نواجه الدكتور "رويج" بالأسئلة الصعبة.
< كل يوم تظهر دراسات جديدة، تتراوح ما بين "نظم البكرات الهيدروليكية" إلى "المنحدرات الخارجية" والتصوير بالأقمار الصناعية كباحث، كيف تفسر هذا الجدل المستمر؟
ـ من المنطقى تماما فى مواجهة لغز عظيم مثل بناء الهرم الأكبر أن يتساءل أى إنسان عن كيفية بنائه، ومن المنطقى أيضا أن يكون لكل عالم أو شخص وجهة نظر مهنية خاصة به بناء على خبرته الذاتية، يجب احترام كل هذه الرؤى حتى يظهر دليل قاطع، وهو ما لا نملكه حتى يومنا هذا، أعتقد أن المساهمة بالأفكار أمر مهم، مادامت تستند إلى عناصر قابلة للتحقق، أما بخصوص سؤالك هل نقترب من الحقيقة النهائية أم سيبقى الهرم لغزا يعيد صياغة نفسه مع كل تقنية جديدة؟ فأنا أؤمن بأن الطريق الوحيد لمعرفة 'الحقيقة الحاسمة' هو ظهور دليل أثرى لا يقبل الشك، مثل جدارية أو بردية تفصل ذلك مثل يوميات ميرر، أو على الأقل شىء يساعدنا فى إعادة تفسير ما نعرفه بالفعل، يمكن للتكنولوجيا أن تساعدنا فى إجراء اختبارات غير جراحية، مثل التصيير ثلاثى الأبعاد أو الكشف عن الميونات، لتحديد العناصر غير المرئية بالعين المجردة، إلا إذا قمنا بتفكيك الهرم، لا أعرف ما إذا كانت التكنولوجيا أو علم الآثار سيكشفان عن أدلة جديدة، لكن يجب على كليهما العمل معاً.
< هل تعتقد أن المهندس المصرى القديم كان يفكر فعلا كمبرمج حديث يبحث عن "التحسين الحوسبى"، أم أننا نسقط المنطق الحديث على عبقرية قديمة كانت تعمل بحدس مختلف؟
ـ بوضوح، هم لم يكونوا يفكرون كمبرمجين حديثين، قد يكون المصريون القدماء عرفوا الهندسة، والرياضيات، والعمارة، والفنون، والدين، وما إلى ذلك، ولكن بمستوى ينطبق على معارف زمانهم، فى حالة طريقة منحدر الحواف المتكامل (IER)، فإن ما حدث عند تنفيذها على الحاسوب كشف عن حقيقة مهمة، كل صف مدعوم بالصف الذى يسبقه، وكل دوران للمنحدر يمكن أن يكون بداية لحالة جديدة للهرم، ولكن بقاعدة أصغر، وبالتالى إعادة تشغيل (Restart) بمعلومات جديدة لنفس الهيكل، ورغم أن التكرار (Recursion) هو عنصر حوسبى، إلا أن غرضه هو تبسيط العمليات إلى مراحل أكثر بساطة، حتى لا يتولد كود برمجى معقد أو فى هذه الحالة إدارة هائلة، إن الانتقال من منحدر حلزونى واحد إلى أربعة منحدرات هو أمر بسيط حوسبياً لأن الدالة البرمجية نفسها يتم استدعاؤها أربع مرات ولكن بمعاملات مختلفة، يمكن ترجمة ذلك إلى تطبيق عملى فى بناء الهرم باستخدام أساليب الدولة القديمة، وبما أن تكلفة إنشاء منحدر مدمج فى الحافة هى صفر تقريبا أى أنها تتضمن ببساطة حذف كتل لإنشاء المنحدر فإن إنشاء المزيد من المنحدرات عند كل زاوية هو أمر بديهى وغير مكلف تقريبا للبناة، الميزة هى أنه يضاعف القدرة الاستيعابية ويحسن أوقات البناء، ولكن قبل كل شىء، لا بد أن خبرة المصريين القدماء أنفسهم مع الأهرامات السابقة هى التى قادتهم إلى تكرار أو تحسين التقنيات التى استخدموها سابقاً وكانوا على دراية بها.
< نموذجك يشير إلى أن الهرم اكتمل خلال 20-27 عاماً، وهو ما يتطلب وضع كتلة حجرية كل بضع دقائق.. كيف استطاع البناة القدامى تنسيق أربعة منحدرات متزامنة دون خلق كابوس لوجستى أو ازدحام مرورى عند الزوايا؟
ـ أوافق تماما على أن التحدى الأكبر هو تنسيق الفرق، لكنى أريد طرح السؤال بطريقة عكسية إذا كان هناك نقطة وصول واحدة فقط، حتى لو كانت أبسط، فإن أى تأخير فى كتلة واحدة فقط على المنحدر أو الرافعة سيكون كابوسا أكبر بكثير، لهذا السبب من البديهى أيضا التفكير فى أنه إذا كانت لديهم مصادر مختلفة للحجر من محاجر الحجر الجيرى المتعددة عند قدم الهرم ومن الميناء للجرانيت وحجر طرة، فإن المسافات إلى الزوايا ستقصر أيضاً أوقات السفر.
ميزة أخرى للمنحدر الموجود على الحافة هى أن المشرفين لا يتواجدون فقط عند الزوايا فى الأسفل لتوجيه الدخول، بل أيضا عند منعطفات المنحدر نفسه، يمكن لمدير الموقع فى الأسفل على الهضبة، من مسافة بعيدة، رؤية موقع كل زحافة من عدة زوايا بلمحة واحدة، ويمكن الإشارة فورا لأى حادث، وإعادة توجيه حركة المرور إلى منحدر آخر غير مغلق، لاحظ أن هذه الطريقة ستستخدم نسبة 3:1 من المنحدرات الصاعدة إلى الهابطة، لذا فإن حركة المرور لن تضطرب بهبوط الزحافات الفارغة، أعتقد أنها لوجستيا أكثر تعقيدا ولكنها أكثر مرونة، هرم 'سينكى' لديه أربعة منحدرات متعامدة على كل وجه، ورغم أنه أصغر، إلا أنه يثبت أن هذه الطريقة كانت قد وضعت فى الاعتبار واستخدمت بالفعل االتوازىب (Parallelization) ليس تعقيدا بل هو ما يجعل الجدول الزمنى ممكنا، فإذا كانت السرعة المتوسطة على كل منحدر نشط تتراوح بين أربع وست دقائق، فيمكن تلبية الإطار الزمنى البالغ 27 عاما، حيث يمكن وضع كتلة على المنصة كل ثلاث دقائق.
< تشير النظريات التقليدية لـ "المنحدر الخارجى المستقيم" إلى هيكل يستهلك مواد بقدر ما يستهلكه الهرم نفسه كيف يحل نموذجك (IER) هذه المشكلة؟
تقدر الدراسة أن المنحدر المستقيم بحجم 0.75 مليون متر مكعب بارتفاع 71 مترا وطول 1 كيلومتر، وهذا طول هائل وكمية كبيرة من المواد التى يجب بناؤها ثم تفكيكها. أين البقايا؟ وكم من الوقت سيستغرق بناؤه وتفكيكه؟
وتابع: أما المنحدر عند الحافة فيتم إنشاؤه عن طريق حذف كتل فى أجزاء معينة من المحيط، صفا بصف، مما يشكل منطقة متدرجة تلتف حول الأوجه، يمكن ملء هذه المنطقة المتدرجة بالطوب اللبن والردم والألواح والرمل، مما ينتج عنه سطح منحدر مسطح يسمح للزحافات بالصعود بسهولة مع إضافة الرطوبة، تحسب الدراسة أن المساحة المطلوب ملؤها ضئيلة جداً لإنشاء المنحدر المسطح، وبالتالى فإن الهرم نفسه يعمل كمنحدر، هذا له ميزة توفير المواد ووقت البناء، وبما أن قاعدة المنحدر مصنوعة من الحجر الجيرى، فإنها ستكون أكثر مقاومة بكثير من المنحدرات الخارجية المصنوعة من مواد أخرى أكثر هشاشة. الاستنتاج هو أنه لا يبقى أى أثر للمنحدرات لأنها تُملأ بالكتل الحجرية النهائية للهرم.
< معظم النظريات تتجاهل كيف حافظ البناءون على زاوية الميل (51.8 درجة)، كيف يحافظ نموذجك على "خطوط الرؤية؟
ـ بما أن المنحدر يوفر رؤية مباشرة للخارج يمكن لمدير الموقع قياس الميل بخيوط الشاقول (Plumb lines) عند أى نقطة، خاصة عند الزوايا، فى نموذج IER تكون منصات الزوايا أوسع لتسهيل دوران الزحافات. وللمعالجة، وأضفنا فكرة 'العمود القابل للطى' الذى يسمح برؤية محاذاة الحافة من الأسفل، المنحدرات الخارجية كانت ستعوق هذا، أما مع نظامنا، فالمسح من الزاوية أو من الأسفل يظل ممكناً.
< إذا ذهبنا للجيزة اليوم، ما العلامة التى تقول عنها "هذه بصمة منحدرى"؟
لا يوجد دليل قاطع، لكن وجود 'النتوءات' أو 'الفجوات' على الحواف، مثل الحافة الشمالية الشرقية، قد تكون بقايا المنعطفات، وهناك زاوية وثقتها فى المقال وهى الزاوية الجنوبية الشرقية تظهر تدهوراً على شكل 'درج منحدر' يتوافق مع زاوية 7.5 درجة، كما أن التغيرات فى ارتفاع صفوف الحجارة تتطابق هندسياً مع ارتفاعات المنعطفات فى نموذجنا.
< هل دراستك تكمل قصة "بردية ميرر"؟
ـ يوميات ميرر عنصر حاسم فى مقالنا، فهى تساعدنا فى حصر الجدول الزمنى للبناء بـ 27 عاماً. المصريون كانوا منظمين جداً، وهذا ما يتطلبه نظام المنحدرات المتعددة. دراستنا تساهم فى وضع معايير للدراسات المستقبلية بناءً على هذا التنظيم الموثق.
< هل بدأت تطبيق "الخوارزمية" على أهرامات أخرى؟
ـ لقد طبقتها على جميع الأهرامات الكبرى المعروفة، ويمكن تصييرها (Rendering) بشكل مثالى، هرم خفرع، رغم وجود القاعدة الصخرية المرتفعة، يمكن أن يستفيد من هذه الطريقة. الأداة الآن مفتوحة المصدر (Zenodo) ويمكن لأى باحث استخدامها فى عمله المستقبلى.
اقرأ أيضا: أصل الحكاية| «تمثال خوفو العاجي» أندر بصمة ثلاثية الأبعاد لملك الهرم الأكبر
دبلوماسية فاعلة وتنمية لا تتوقف .. تحركات رئاسية لدعم الاستقرار الإقليمى وصناعة المستقبل
لا اعتراف.. لا شرعية.. لا عبث بالتاريخ| القاهرة تتصدى لـ«سفارة الوهم» على أرض القدس
نقيب الفلاحين يتوقع تراجع الأسعار قريبا.. الطقس والسوسة وراء «هيستريا الطماطم»







