ياسر عبد العزيز يكتب: حكاية الأهلى والزمالك تكتبها الغرائب والعجائب!!

ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز


لم يكن المشهد عاديًا.. ولم تكن الحكاية قابلة للتنبؤ. كأننا أمام مسرح عبثى يكتب فصوله مؤلف مزاجه متقلب، مرة يضحك حتى الدموع، ومرة يبكى حتى الضحك..هنا الأهلى ، وهناك الزمالك ؛ وبينهما وطن كروى كامل يحبس أنفاسه، لا انتظارًا لنتيجة قمة الليلة ، بل انتظارًا لإجابة سؤال أكبر: كيف انقلبت الموازين إلى هذا الحد؟

الأهلى، ذلك الكائن الأسطورى الذى تعوّد أن يسير على الأرض وكأنه يمشى فوق الأيام ، وجد نفسه فجأة يلهث خلف ظلّه.. نادى البطولات الذى كان يوزّع الفرح كما توزّع الشمس ضوءها، صار يبحث عن شرارة تعيد إليه وهجه القديم..أنفقت خزائنه بسخاء يشبه إسراف الملوك فى ليالى النصر، فجلب نجومًا كانوا حتى الأمس القريب يضيئون سماء المنافس.. أسماء لامعة.. أقدام تعرف الطريق إلى الشباك؛ لكن الكرة، تلك الساحرة الموتورة، لا تعترف بالأسماء، بل تعترف فقط بمن يُحسن الإصغاء لهمسها.

تعاقدات حمراء بالملايين، ووعود بحكايات جديدة، ثم فجأة ؛ الصمت.. لاعبون رحلوا كما جاءوا، بلا أثر يُذكر، كأنهم سحابة صيف مرت دون أن تمطر.. ومدربون تعاقبوا كفصول رواية لم يكتمل مشهدها الأخير، كل واحد يحمل مشروعًا، ثم يرحل تاركًا خلفه سؤالًا معلقًا: من المسؤول؟ أهو الاختيار؟ أم التوقيت؟ أم أن هناك شيئًا أعمق لا يُقال؟

وفى الخلفية، نزيف صامت؛ شروط جزائية تُدفع، وأحلام تُؤجل، وجماهير تحاول أن تفهم كيف لفريق الأحلام أن يستيقظ يومًا فيجد نفسه خارج الحلم.. موسم صفرى؛ كلمة ثقيلة على أذن الأهلى، كأنها خطأ لغوى فى قاموسه الخاص.. الهزيمة من بيراميدز لم تكن مجرد ثلاثية، بل كانت صفعة أيقظت كل شىء.. أو ربما كسرت شيئًا لم يعد سهل الإصلاح.

ثم يظهر ذلك الصوت القديم الجديد: «تيار الإصلاح». كلمة تتردد فى أروقة النادى بقوة ، تحمل معها ذكريات زمن لم يكن فيه الأهلى يقبل أنصاف الحلول.. التاريخ يهمس باسم صالح سليم مجددًا؛ عندما جاء على خلفية أنقاض مجلس عبده الوحش فأعاد المايسترو الحياة للأهلى وأعاد الأهلى للحياة، وكأن الذاكرة تقول: هذا النادى لا يعيش إلا فى القمة… أو لا يعيش.

وعلى الضفة الأخرى..حكاية تبدو وكأنها خرجت من كتاب غرائبى..الزمالك؛ النادى الذى قرر أن يتحدى المنطق نفسه. بلا صفقات مدوية، بلا خزائن ممتلئة، بلا استقرار إدارى يُذكر؛ ومع ذلك، يقف على أعتاب المجد.. لاعبوه لا يلعبون فقط من أجل الفوز، بل من أجل إثبات أن الانتماء يمكن أن يكون بديلًا عن المال، وأن القميص أحيانًا أغلى من كل العقود.

فريق يعيش على «النَفَس الثانى».. على حبٍ خالص من رجال لا يظهرون كثيرًا، لكن أثرهم حاضر فى كل تمريرة، فى كل هدف، فى كل دمعة فرح. مجلس إدارة يظهر فى الصور أكثر مما يظهر فى الأزمات، وقيد يتجدد كأنه قدر مكتوب، ومع ذلك… الفريق يقاوم.

لو فاز الزمالك بالدورى، فلن يكون مجرد لقب.. بل سيكون شهادة ميلاد لأسطورة..أسطورة تقول إن الإرادة قد تهزم الفوضى، وأن الفريق يمكن أن يكون أقوى من كل الظروف إذا آمن بنفسه.. سيكون انتصارًا للاعبين، لمدرب قرر أن يعمل فى صمت، ولجمهور لم يتخلَّ يومًا، حتى حين كان كل شىء يدعو إلى الرحيل.

بين الأهلى الذى يبحث عن نفسه.. والزمالك الذى يصنع نفسه… تقف القمة..ليست مباراة ؛ بل مرآة.. مرآة تعكس كل شىء: الإدارة، القرارات، الأخطاء، الأحلام المؤجلة، والفرص الضائعة.. مباراة قد لا تحسم بطولة، لكنها بالتأكيد ستحسم اتجاهًا..من سيواجه نفسه بشجاعة؟ ومن سيؤجل الحساب؟

الجماهير تترقب.. والملفات مفتوحة..والذاكرة لا تنسى.. وفى النهاية، كما يقول الحكماء دائمًا: «أخطر ما فى الحياة ليس ما نعرفه.. بل ما نظن أننا نعرفه».. دعونا ننتظر.. فالقمة اليوم قد لا تجيب عن كل الأسئلة، لكنها بالتأكيد ستكشف ما كنا نحاول تجاهله.. مع التأكيد على أن الدولة المصرية حاضرة وترقب كل كبيرة وصغيرة وتمتلك قانونًا متكاملًا يمنحها رفاهية اختيار الحل الأفضل الذى يحجب تكرار مثل هذه المشاهد المتناقضة فى أكبر ناديين بأفريقيا والعرب .. دعونا ننتظر!!