حسام بركات
يأتى عيد العمال كل عام ليذكّرنا بأن العمل ليس مجرد وسيلة لكسب العيش، بل هو قيمة إنسانية سامية، ورسالة حضارية تُبنى بها الأمم وتُصان بها الكرامة، وفى الرؤية الإسلامية يحتل العمل مكانة رفيعة، إذ يرتبط بالإيمان والسعي، ويُعدّ طريقًا لتحقيق الاستخلاف فى الأرض، فالأمم لا تنهض بالشعارات، بل بسواعد أبنائها، ولا تتقدم إلا حين يتحول العمل إلى ثقافة راسخة تقوم على الإخلاص والإتقان، وفى ظل التحديات الاقتصادية المعاصرة، تتجدد الحاجة إلى استحضار هذه القيم، ليبقى العمل شرفًا، والإنتاج واجبًا، والإتقان عنوانًا لحياة كريمة ومستقبل أفضل.
فى هذا السياق، يؤكد د.جابر طايع، رئيس قطاع الشئون الدينية بالأوقاف سابقًا، أن الإسلام ينظر إلى العمل بوصفه عبادة متكاملة الأركان إذا اقترن بحسن النية والإخلاص، فالسعى فى طلب الرزق الحلال ليس مجرد نشاط دنيوي، بل هو طاعة يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، حيث يقول فى كتابه الكريم: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾، وهى دعوة صريحة للعمل ومراقبة الله فيه، بما يرسخ قيمة المسئولية والإتقان، وأن النبى ربط بين العمل والإيمان حين قال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، مما يجعل الإتقان معيارًا إيمانيًا يعكس صدق الالتزام الدينى.
ويضيف أن الإسلام حثّ على الكسب الحلال، وجعل اليد العاملة خيرًا من اليد السائلة، مستشهدًا بقول النبى : «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتى بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيكفّ الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس»، وهذا الحديث يرسخ قيمة الاعتماد على النفس وكرامة العمل مهما كان بسيطًا، كما يلفت إلى أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعملون فى التجارة والزراعة والحرف، ولم يكن العمل يومًا منفصلًا عن الدين، بل كان جزءًا من منظومة القيم الإسلامية التى تقوم على الأمانة والإخلاص.
ويوضح أن إتقان العمل يعكس رقابة داخلية نابعة من الإيمان، حيث يستشعر المسلم أن الله يراه فى كل ما يقوم به، فيحرص على أداء عمله بأفضل صورة، بعيدًا عن الغش أو التقصير، ومن هنا، فإن ترسيخ ثقافة العمل فى الإسلام لا يقتصر على الدعوة إليه، بل يمتد إلى غرس قيم الجودة والانضباط، باعتبارها من صميم الدين، وجزءًا لا يتجزأ من شخصية المسلم الصالح الذى يعمّر الأرض ويسهم فى نهضة مجتمعه.
ويضيف الشيخ سامى صالح، مدير إدارة أشمون الأزهرية، أن تعزيز ثقافة العمل والإنتاج لدى الشباب فى ظل التحديات الاقتصادية الراهنة يتطلب دورًا فاعلًا ومباشرًا من المؤسسات الدينية، وعلى رأسها الأزهر الشريف، من خلال ربط العمل بالقيم الإيمانية والسلوكية، فالإسلام لا يفصل بين العبادة والعمل، بل يجعل السعى والكسب الحلال جزءًا كبيرًا من التقرب إلى الله إذا اقترن بالإخلاص والأمانة.
ويرى أن الخطاب الدينى يجب أن يتجدد ليخاطب واقع الشباب، فيؤكد أن النجاح الحقيقى لا يتحقق إلا بالاجتهاد والانضباط، وأن الغش أو التواكل يتنافى مع تعاليم الدين، كما يشدد على أهمية تقديم نماذج عملية من السيرة النبوية تُبرز قيمة العمل، مع تكثيف الندوات والدروس التى تغرس احترام المهن المختلفة، بما يعزز الانتماء ويحفّز الشباب على الإنتاج والبناء.
ويشير الشيخ خالد الجمل، الداعية الإسلامى والخطيب بالأوقاف، إلى أن المنابر فى وقت يجتمع فيه الناس على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم وثقافاتهم، تتحمل مسئولية كبيرة فى توجيه المجتمع نحو القيم التى تصنع نهضته، وفى مقدمة هذه القيم قيمة العمل والإنتاج والإتقان.
ويضيف أنه ينبغى أن يكون للمنبر حضور واعٍ يذكّر الناس بأن العمل ليس مجرد وسيلة للرزق فحسب، بل هو شرف ورسالة وعبادة إذا صلحت النية، فالعامل الذى يتقن صنعته، والموظف الذى يؤدى واجبه، والمعلم الذى يخلص فى رسالته، والطبيب الذى يداوى مرضاه، كل أولئك يشاركون فى بناء الوطن، ويؤدون دورًا عظيمًا فى خدمة المجتمع، ومن هنا تأتى أهمية أن يسمع الناس من فوق المنبر أن الإسلام احترم العمل ورفع شأن أهله، وكفى شرفًا لكل عامل أن الله جعل للعمل قيمة عظيمة.
ويشير إلى أن الدروس الدعوية ينبغى ألا تكتفى بالكلام النظرى والشعارات فقط، بل يجب أن تعالج ما نراه من أخطاء واقعية، كإهدار الوقت، والتقصير فى المسئوليات والالتزامات، والاعتماد على غيرنا فى صناعات كثيرة، وانتظار النجاح بلا سعي. فكم تعطلت مصالح، وكم تأخر تقدم، وكم ضاعت فرص بسبب غياب الجدية والانضباط عند بعض الناس.
ويؤكد أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى حين يتحول كل فرد إلى عنصر نافع فى مكانه، يؤدى ما عليه بإخلاص، ويحافظ على المال العام، ويحترم النظام، ويشعر أن نجاحه الشخصى جزء من نجاح وطنه، وهنا يظهر أثر الخطبة الصادقة والدروس الهادفة التى تصنع وعيًا جديدًا يرى فى العمل عبادة، وفى الإتقان أمانة، وفى خدمة الوطن واجبًا، وفى التنمية المستدامة حقًا للأجيال القادمة، فحين يستقيم الفكر، تستقيم السواعد، وحين تصلح النفوس يبدأ البناء الحقيقى.
«سيلفى الحج»| علماء: جائز ما لم يشغل عن العبادة
العبادة ليست موسمًا عابرًا| العلماء: الثبات على الطاعة علامة صدق الإيمان
خواطر الشعراوى| فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ







