بالمصري

أحمد حمدي يكتب: حكاية سيناء

أحمد حمدي
أحمد حمدي


ليست مجرد أرضٍ استُعيدت، بل حكاية وطن كُتبت فصولها بين الحرب والدبلوماسية والتنمية. هكذا تبدو سيناء حين تقترب منها، لا كما تُروى في الاحتفالات أو تُختصر في مشاهد عابرة. فالحكاية الحقيقية تبدأ عندما تتحول من متابع إلى شاهد.

في أول رحلة صحفية إلى العريش، قبل اكتمال شبكة الأنفاق الحديثة، بدت الطريق وكأنها فصل قائم بذاته. ساعات طويلة، وكل كيلومتر يطرح سؤالًا: كيف كانت هذه المساحة الشاسعة خارج السيادة المصرية؟ هنا فقط، يتغير الإدراك. لم يعد نصر حرب أكتوبر 1973 مجرد تاريخ، بل تجربة تُقاس بالمسافة وبحجم الأرض.

لكن الحكاية لم تتوقف عند ساحة القتال. فاستعادة سيناء كانت أيضًا نتيجة مسار دبلوماسي طويل، انتهى بتحرير كامل الأرض في عام 1982. هذا التوازن بين القوة العسكرية والحكمة السياسية هو ما منح الحكاية اكتمالها، وأعاد الأرض دون تفريط.

ثم بدأ فصل جديد.. تثبيت المعنى عبر التنمية. لم تعد سيناء مجرد أرض مستعادة، بل مساحة حياة. الأنفاق التي ربطتها بالوادي لم تختصر الزمن فقط، بل ألغت شعور البُعد، وقرّبت المسافة بين الإدراك والواقع.

ورغم اكتمال الصورة، يبقى سؤال الوعي قائمًا: كيف تصل هذه الحكاية إلى الأجيال الجديدة؟ هنا تصبح التجربة ضرورة. لم يعد كافيًا أن تُروى الحكاية، بل يجب أن تُعاش.

من هنا، تبرز أهمية تنظيم رحلات مدرسية وجامعية إلى سيناء، كجزء من بناء الوعي الحقيقي. أن يرى الطلاب الأرض، ويقطعوا الطريق، ويشاهدوا حجم التنمية بأعينهم، هو إدراك لا تمنحه الكلمات وحدها.

هكذا تكتمل حكاية سيناء: من عبور 1973، إلى استعادة 1982، وصولًا إلى عبور جديد نحو الوعي. وبين هذه الفصول، تظل سيناء ليست مجرد أرض… بل معنى يُكتشف كلما اقتربنا.