أسماك الصحارى

«الاقتصاد الأزرق» يغزو الوادى الجديد ويكسر المستحيل

أسماك الصحارى
أسماك الصحارى


قنوات فى الرمال تتحول إلى مزارع سمكية.. والحصيلة غذاء مضاعف بلا هدر

22 مشروعًا تقود الطريق نحو الاكتفاء الذاتى بإنتاج يصل إلى 336 طنًا سنويًا

فى زمنٍ تُحاصر فيه مصر بأزمات المياه وارتفاع أسعار الغذاء، لم تأتِ الإجابة من البحر.. بل من قلب الصحراء، هناك، فى الوادى الجديد، تُكتب معادلة جديدة خارج كل التوقعات، ... قنوات محفورة فى الرمال تتحول إلى مزارع سمكية… ومياه تُنتج سمكًا وزرعًا فى دورة واحدة بلا هدر.
لم يعد السؤال: هل يمكن للصحراء أن تُنتج؟ بل أصبح: كم يمكن أن تُنتج إذا أُديرت بعقل علمى؟
ما يحدث ليس مشروعًا عاديًا.. بل محاولة جادة لإعادة تعريف الأمن الغذائى فى مصر.. من الاكتفاء إلى الاكتفاء الذكى… ومن استهلاك الموارد إلى تدويرها.

هناك، فى الوادى الجديد، تتحول قنوات محفورة فى الرمال إلى مزارع سمكية، وتُعاد كتابة معادلة الإنتاج... مياه واحدة تُنتج سمكًا وزرعًا فى دورة لا تعرف الهدر... وتتحول إلى مصدر جديد للأمن الغذائى.
وبحسب البيانات الرسمية، نجحت المحافظة فى تنفيذ 22 مشروعًا للاستزراع السمكى بإنتاج يتجاوز 276 طنًا سنويًا، مع خطط للوصول إلى 336 طنًا، فى تجربة تقوم على إعادة استخدام المياه بين الإنتاج السمكى والزراعى.
لكن، ورغم هذا النجاح، يظل السؤال مطروحًا: هل يمثل هذا النموذج حلًا مستدامًا طويل الأجل… أم تجربة واعدة تحتاج إلى اختبارات أصعب؟
وهنا تحدث الخبراء، مؤكدين أن النجاح ليس مضمونًا تلقائيًا؛ بل مرهون بالانضباط والرقابة الصارمة، لضمان استدامة هذا النموذج وعدم تكرار أخطاء تجارب سابقة.
 كما تفتح هذه التجربة الباب واسعًا أمام مفهوم الاقتصاد الأزرق فى قلب الصحراء، وتطرح سؤالًا أكبر... هل يمكن أن تصبح هذه النماذج هى القاعدة لا الاستثناء؟
ومن هنا ترصد «الأخبار» ملامح هذه التجربة الواعدة، وتكشف كيف نجحت الوادى الجديد فى تحويل تحديات الصحراء إلى فرص حقيقية للتنمية المستدامة، فى نموذج قد يصبح قابلًا للتطبيق فى مناطق أخرى تبحث عن حلول مبتكرة لمستقبل الغذاء والمياه.
صحراء تُنتج أسماكًا
أكدت د. حنان مجدى، محافظ الوادى الجديد، أن المحافظة تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ نموذجها المتكامل فى الاستزراع السمكى، باعتباره أحد المشروعات التنموية النوعية التى تعكس قدرة الدولة المصرية على تحويل التحديات البيئية إلى فرص إنتاجية داخل قلب الصحراء، مشيرة إلى أن المشروع يمثل محورًا استراتيجيًا لتعزيز الأمن الغذائى، وخفض الفجوة البروتينية، ودعم مسار الاكتفاء الذاتى فى أكبر محافظات الجمهورية مساحةً.
وأوضحت مجدى، لـ»الأخبار»، أن التقرير الصادر عن جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية التابع لرئاسة مجلس الوزراء، نوه بنجاح المحافظة فى تنفيذ وتشغيل 22 مشروعًا للاستزراع السمكى التكاملى موزعة على مراكز الخارجة والداخلة وباريس وبلاط والفرافرة، بإجمالى إنتاج سنوى يتجاوز 276 طنًا من الأسماك المتنوعة، مع توقعات بارتفاع الطاقة الإنتاجية إلى 336 طنًا سنويًا عقب إعادة تشغيل مزرعة القلمون بمركز الداخلة، بإضافة 60 طنًا سنويًا.
توزيع متوازن
وأضافت أن الدولة اعتمدت فى تنفيذ المشروع على توزيع جغرافى متوازن يضمن تعميم الاستفادة على مختلف المراكز، حيث يضم مركز الخارجة 5 مشروعات على مساحة 15 فدانًا بإنتاج 55 طنًا سنويًا من أسماك البلطى والعائلة البورية، وتبرز «مزرعة الطحان» كنموذج ناجح بمتوسط إنتاج يبلغ 25 طنًا.
وفى مركز باريس، أوضحت أن هناك مشروعين على مساحة 8 أفدنة بإنتاج 22 طنًا من البلطى والبورى والمبروكة، بينما يشهد مركز الداخلة 6 مشروعات على مساحة 36 فدانًا بإنتاج 94 طنًا سنويًا، إلى جانب تجهيز مزرعة القلمون على مساحة 25 فدانًا لإنتاج إضافى متوقع يبلغ 60 طنًا سنويًا. أما مركز بلاط فيضم 4 مشروعات نجحت فى إنتاج أسماك المبروكة بقرية البشندى، فيما يحتضن مركز الفرافرة 5 مشروعات على مساحة 38 فدانًا بإنتاج مستهدف يبلغ 105 أطنان من البلطى والعائلة البورية والباسا.
وتابعت محافظ الوادى الجديد أن التجربة تعتمد على منظومة استزراع تكاملى حديثة تقوم على تعظيم الاستفادة من وحدة المياه، حيث تُستخدم مياه الصرف السمكى الغنية بالمغذيات فى رى الصوب الزراعية والمحاصيل، بما يحقق أقصى استفادة من الموارد المتاحة فى بيئة صحراوية تقوم على الإدارة الرشيدة لكل قطرة مياه وتقليل الهدر.. وأشارت إلى أنه تم إطلاق مليون زريعة من أسماك البلطى النيلى بمفيض بحيرات باريس، بهدف دعم المخزون الطبيعى للمسطحات المائية وتعزيز الإنتاج المستقبلى، وخلق رصيد استراتيجى مستدام.
زيادة المعروض
وأكدت مجدى أن لهذه المشروعات أبعادًا اقتصادية واجتماعية مباشرة، تمثلت فى زيادة المعروض من الأسماك الطازجة محليًا وخفض الأسعار مقارنة بالأسواق الخارجية، وتقليل الاعتماد على نقل الأسماك من المحافظات الساحلية، إلى جانب خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ودعم منافذ البيع بالمحافظة، وتوفير وجبات غذائية للأسر الأولى بالرعاية عبر آليات توزيع منظمة.
وأضافت أن اختيار أنواع الأسماك تم وفق دراسات فنية دقيقة تراعى طبيعة المياه ودرجات الحرارة، حيث تم الاعتماد على البلطى النيلى لتحمله الملوحة والحرارة، والعائلة البورية لملاءمتها البيئات شبه المالحة، والمبروكة للتربية المختلطة، والباسا لتحملها الكثافات العالية فى النظم المكثفة، بما أسهم فى رفع كفاءة الإنتاج وتقليل معدلات النفوق.
وختمت بأن المحافظة تستهدف مضاعفة الإنتاج خلال السنوات المقبلة مع اكتمال تشغيل مزرعة القلمون ونجاح تجربة بحيرات باريس، لتصبح الوادى الجديد نموذجًا وطنيًا رائدًا فى الاستزراع السمكى بالبيئات الصحراوية، وتحويلها إلى وحدات إنتاج للبروتين الحيوانى لصالح المواطن أولًا وأخيرًا.
شق ترع وقنوات ومصارف
ولفت د. محمد إبراهيم سلامة، مدير المعمل المركزى لبحوث الثروة السمكية بوزارة الزراعة، إلى أن التجربة التى تشهدها محافظة الوادى الجديد حاليًا، والمتمثلة فى شق الترع والقنوات والمصارف وإطلاق زريعة الأسماك بها، تُعد خطوة إيجابية فى اتجاه ترسيخ مفهوم الاستزراع السمكى التكاملى.
وأوضح أن هذا النموذج يقوم على استخدام المياه أولًا فى تربية الأسماك، ثم إعادة توجيهها لرى المحاصيل والأشجار، بما يضمن الاستفادة الكاملة من كل قطرة مياه دون هدر، وفى الوقت نفسه رفع قيمتها الغذائية قبل وصولها إلى التربة الزراعية.
رقابة صارمة!!
وشدد سلامة على أن نجاح هذه المنظومة يرتبط بشكل أساسى بوجود رقابة صارمة وإدارة علمية دقيقة، تضمن الالتزام بالكثافات العددية المقررة للأسماك داخل المجارى المائية، واستخدام أعلاف مطابقة للمواصفات القياسية، والابتعاد تمامًا عن أى مخلفات غير آمنة فى التغذية. واستشهد فى هذا السياق بتجربة الأقفاص السمكية فى نهر النيل، التى بدأت كنموذج واعد، إلا أن غياب الضوابط وزيادة أعدادها بشكل عشوائى أدى إلى التأثير سلبًا على حركة المياه وجودتها، وهو ما يستوجب تفاديه فى التجربة الحالية لضمان استدامتها.
وفى البعد البيئى، أشار مدير المعمل المركزى إلى أن فضلات الأسماك وما ينتج عنها من عناصر مثل الأمونيا تُعد مصدرًا غنيًا للعناصر الغذائية التى تحتاجها النباتات، موضحًا أن هذا النظام يحول المياه إلى ما يشبه «سمادًا عضويًا طبيعيًا»، يقلل الاعتماد على الأسمدة الكيماوية، ويحسن من خصوبة التربة وجودة المحاصيل فى البيئات الصحراوية. كما أكد أن الأسماك المنتجة عبر هذه المنظومة تتميز بجودة عالية لكونها تنمو فى مياه جارية ونظيفة وخاضعة للرقابة.
وأضاف أن هذه المشروعات تمثل قيمة اقتصادية مضافة، إذ تسهم فى سد الفجوة الغذائية من البروتين السمكى، وتوفر بديلًا عالى الجودة بعيدًا عن بعض أنماط الإنتاج التقليدية فى المناطق الساحلية التى تعتمد فى أحيان كثيرة على مياه أقل جودة. وأوضح أن تجربة الوادى الجديد تقدم نموذجًا مختلفًا يجمع بين إنتاج أسماك نظيفة عالية الجودة، واستخدام المياه فى الزراعة بعد ذلك، بما يعزز الجدوى الاقتصادية ويفتح مجالات جديدة للتشغيل فى المناطق الصحراوية.
تحسين جودة المياه
واختتم سلامة بالتأكيد على أن تطبيق هذا النموذج لا يقتصر على القنوات المفتوحة فقط، بل يمكن توسيعه ليشمل خزانات المياه المخصصة للرى فى المناطق الصحراوية، حيث يمكن أن تسهم تربية الأسماك داخلها فى تحسين جودة المياه وتوفير مصدر دخل إضافى للمزارعين، مع الحفاظ على التوازن البيئى ومنع تدهور الموارد المائية. وأكد أن المعمل المركزى يدعم بقوة هذه التوجهات العلمية لما تمثله من إضافة حقيقية للاقتصاد القومى وتحقيق الاستدامة فى استخدام الموارد.
التوازن بين الكائنات الحية
أكد د. صالح عزب، أستاذ الاقتصاد البيئى، أن النظم البيئية المائية تقوم على توازن دقيق بين الكائنات الحية، حيث تعتمد كل حلقة فى السلسلة الغذائية على الأخرى، محذرًا من أن اختفاء أى نوع، سواء بالانقراض أو الغياب، قد يؤدى إلى خلل جسيم يهدد استقرار النظام البيئى بالكامل.. وأوضح أن هذا الخلل ينتج عن اضطراب العلاقة بين المفترسات والفرائس، الأمر الذى يستدعى مراعاة هذه السلاسل الحيوية عند إنشاء المزارع السمكية، سواء فى المياه العذبة أو المالحة، بما يضمن استدامة الإنتاج وحماية البيئة.
الاقتصاد الأزرق
وأوضح أستاذ الاقتصاد البيئى أن الاستثمار فى الموارد المائية يندرج ضمن مفهوم «الاقتصاد الأزرق»، الذى يُعد من أكثر القطاعات الواعدة عالميًا، ويقوم على ثلاثة محاور رئيسية هى: السياحة الساحلية، والنقل البحرى، وأنشطة الصيد وما يرتبط بها من صناعات مكملة مثل صناعة الشباك وبناء القوارب. وأضاف أن التوسع فى هذه الأنشطة، خاصة فى مناطق مثل الوادى الجديد والصحراء الغربية، يمثل نقلة نوعية نحو تحقيق التنمية المستدامة التى توازن بين احتياجات الحاضر وحقوق الأجيال القادمة.
وفى السياق ذاته، أكد أن مشروعات الاستزراع السمكى فى المناطق الصحراوية تسهم فى إعادة توزيع السكان وتقليل الضغط على المناطق المزدحمة، فى ظل أن ما يتم استغلاله من مساحة مصر لا يتجاوز 8% فقط. واعتبر أن مشروعات مثل توشكى، رغم ما واجهته من تحديات تمويلية، تمثل نماذج مهمة لمشروعات قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتى وتعزيز التنمية المتكاملة التى تجمع بين البعد الاقتصادى والحفاظ على الموارد الطبيعية.
التحدى الأكبر
وأشار عزب إلى أن التحدى الأكبر يتمثل فى تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادى وحماية البيئة، فى ظل اعتماد العديد من الصناعات على الوقود الأحفورى وما ينتج عنه من انبعاثات كربونية تسهم فى ظاهرة الاحتباس الحرارى، مؤكدًا أهمية تبنى مفاهيم الاقتصاد الأخضر وإجراء تقييمات دقيقة للأثر البيئى قبل تنفيذ أى مشروع.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن قطاع الثروة السمكية يُعد أحد الحلول الفعالة لسد الفجوة الغذائية، إلى جانب قدرته على تحقيق عوائد اقتصادية مرتفعة من خلال استزراع أنواع ذات قيمة تصديرية عالية مثل الجمبرى والأخطبوط، مشددًا على ضرورة الالتزام بالمعايير البيئية الدولية لضمان استدامة هذا القطاع وتعظيم مساهمته فى دعم الاقتصاد الوطنى.
أكد د. أحمد الحاوى، أستاذ الفسيولوجيا الحيوانية بمركز بحوث الصحراء، أن فكرة التكامل بين تربية الأسماك والنشاط الزراعى تمثل نموذجًا تنمويًا رائدًا يعتمد على الاستغلال الأمثل لوحدة المياه وتعظيم عائدها الاقتصادى والبيئى، خاصة فى ظل التحديات المائية التى تواجهها مصر.
وأوضح أن هذا النموذج يقوم على مفهوم إعادة تدوير المياه المستخدمة فى أحواض تربية الأسماك، بحيث تُستخدم لاحقًا فى رى المحاصيل الزراعية، مشيرًا إلى أن هذه المياه تكون محمّلة بمخلفات الأسماك الغنية بالعناصر الغذائية، ما يجعلها من أفضل مصادر السماد العضوى الطبيعى، ويسهم فى رفع خصوبة التربة وتقليل الاعتماد على الأسمدة الكيماوية.
وأضاف الحاوى: «نحقق هنا استفادة قصوى من كل قطرة مياه؛ فهى تُستخدم أولًا فى إنتاج البروتين السمكى، ثم تنتقل لرى المحاصيل، التى قد تكون غذائية أو علفية، لتعود بالنفع على الإنسان والحيوان، أو تدخل مرة أخرى فى دورة الإنتاج كغذاء للأسماك، بما يُغلق دائرة الإنتاج فى نظام مستدام متكامل».
مياه الآبار
وفيما يتعلق بالبعد البيئى، أشار إلى أن محافظة الوادى الجديد تعتمد بشكل أساسى على مياه الآبار، ما يجعل ترشيد استخدامها ضرورة قصوى. وأكد أن هذا النظام لا يهدر المياه، بل يعيد توجيهها إلى التربة، مع إمكانية مساهمتها فى تغذية الخزان الجوفى مرة أخرى، بما يحقق توازنًا بيئيًا مطلوبًا فى البيئات الصحراوية.
وعلى الصعيد الاقتصادى، لفت أستاذ الفسيولوجيا الحيوانية إلى أهمية توفير بدائل بروتينية فى ظل ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن، قائلًا إن الأسماك تمثل مصدرًا غذائيًا لا غنى عنه، خاصة فى ظل الفجوة الحالية فى مصادر البروتين داخل مصر. وأضاف أن الاستزراع السمكى فى الوادى الجديد يمثل حلًا مبتكرًا، نظرًا لافتقار المحافظة إلى مصادر المياه المفتوحة مثل الأنهار أو البحار.
واختتم الحاوى تصريحاته بالإشادة بالتجربة الجارية فى الوادى الجديد، معتبرًا إياها نقلة نوعية فى فكر الاستثمار الزراعى والحيوانى، إذ تجمع بين الحفاظ على الموارد المائية وتحقيق الأمن الغذائى، داعيًا إلى دعمها وتوسيع نطاقها لتكون أحد نماذج التنمية المستدامة فى البيئات الصحراوية.
معانِ جديدة للتنمية
بين السياسات الحكومية والرؤية العلمية والتطبيق الميدانى، تتشكل فى الوادى الجديد تجربة مختلفة، لا تقوم على استنزاف الموارد، بل على تدويرها، ولا تعتمد على وفرة المياه، بل على حسن إدارتها. إنها محاولة لصناعة نموذج يقول إن الصحراء ليست فراغًا، بل يمكن أن تكون منظومة إنتاج… تبدأ بالماء وتنتهى بالغذاء، وتعيد تعريف معنى التنمية نفسها.