المضي قدما وسط «التغير» و«الثبات» — قراءة في سر متانة الاقتصاد الصيني من خلال حصيلة الربع الأول

صورة لميناء تيانجين التقطت في 16 مارس 2026 في حي بينهاي الجديد بمدينة تيانجين (صور شينخوا)
صورة لميناء تيانجين التقطت في 16 مارس 2026 في حي بينهاي الجديد بمدينة تيانجين (صور شينخوا)


 

سجل الناتج المحلي الإجمالي للصين نموا سنويا بنسبة 5.0% في الربع الأول، ليبلغ الحد الأعلى للنطاق المستهدف للنمو السنوي "4.5%–5%"، محتلا موقعا متقدما بين الاقتصادات الكبرى في العالم. وفي عام الانطلاقة لـ"الخطة الخمسية الخامسة عشرة"، واصل الاقتصاد الصيني تقدمه بثبات رغم "العواصف العاتية"، مقدما أداء يفوق التوقعات في الربع الأول، بما يعكس متانة الاقتصاد لدولة كبرى.

 

إذا، من أين تأتي هذه المتانة؟ إنها آتية من الحفاظ على الثبات الاستراتيجي، والتركيز على إدارة الشؤون الداخلية بكفاءة؛ ومن خلال السعي إلى فهم التغيرات والتكيف معها وصنعها، والتمسك بزمام المبادرة الاستراتيجية. ففي التفاعل الجدلي بين "التغير و"الثبات"، تمضي سفينة الاقتصاد الصيني قدما مخترقة الأمواج.

 

في الوقت الراهن، تتسارع التحولات الكبرى غير المسبوقة منذ قرن، وتشتد المنافسات الجيوسياسية، وتستمر الاضطرابات في الشرق الأوسط في الإلقاء بظلاله على العالم، بينما يواجه التعافي الاقتصادي العالمي صعوبات متزايدة. وقد خفض صندوق النقد الدولي (IMF) في أحدث تقرير له ((آفاق الاقتصاد العالمي)) توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي لعام 2026 إلى 3.1%.

 

وسط هذه التحولات، حافظت الصين على ثباتها الاستراتيجي، وواجهت الرياح المعاكسة بروح المبادرة، لتصبح "مرساة الاستقرار" في عالم مضطرب. وأشارت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا إلى أنه رغم تداعيات النزاعات في الشرق الأوسط على الاقتصاد العالمي، فإن الاقتصاد الصيني لا يزال يتمتع بمتانة كبيرة وإمكانات هائلة، وسيكون له تأثير إيجابي على العالم.

 

في مواجهة بيئة خارجية معقدة وصعبة، تواصل الصين التمسك بثباتها الاستراتيجي، وتواجه "تغيرات" لا حصر لها بـ"ثوابت" راسخة.

 

ويتجلى هذا "الثبات" في قوة التوجيه الكلي للاقتصاد. إذ تلتزم الصين بنهج التقدم مع الحفاظ على الاستقرار، وتسرع تنفيذ سياسات كلية أكثر نشاطا وفعالية، مع التركيز على استقرار التوظيف، واستقرار الشركات، واستقرار السوق، واستقرار التوقعات.

 

كما يظهر هذا الثبات في دعم القطاع المالي للاقتصاد الحقيقي. فقد بلغ إجمالي التمويل الاجتماعي الجديد في الربع الأول 14.83 تريليون يوان، وهو مستوى مرتفع مقارنة بالفترات المماثلة تاريخيا؛ وارتفعت القروض بالعملة المحلية بمقدار 8.6 تريليون يوان، مع بقاء تكاليف تمويل الشركات عند مستويات منخفضة. أما السياسة المالية النشطة، فقد دخلت حيز التنفيذ مبكرا وبقوة، حيث تجاوز حجم إصدار السندات المحلية 3.1 تريليون يوان في الربع الأول، مسجلا أعلى مستوى منذ الربع الرابع لعام 2024.

 

ويتجلى هذا "الثبات" أيضا في الحفاظ على استقرار سلاسل الصناعة والإمداد وأمنها. ففي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة العالمية وارتفاع تكاليف عوامل الإنتاج، واصل الاقتصاد الصناعي تقدمه بثبات مع تسارع نسبي. فقد ارتفعت القيمة المضافة للصناعة التحويلية الصينية في الربع الأول بنسبة 6.3% على أساس سنوي، وساهمت بنسبة 32% في النمو الاقتصادي.

 

كما يظهر هذا "الثبات" في العزم الراسخ على الانفتاح الخارجي عالي المستوى. إذ تواصل الصين فتح سوقها الضخم بشكل استباقي، وتوسيع وارداتها، وتعزيز التعاون الصناعي القائم على المنفعة المتبادلة، بما يتيح للدول الأخرى الاستفادة بشكل أفضل من "فرص الصين".

 

في الربع الأول، تجاوز عدد الشركات ذات التمويل الأجنبي المسجلة لدى الجمارك الصينية 6200 شركة جديدة، وارتفع عدد الشركات الأجنبية التي لديها سجلات استيراد وتصدير بأكثر من 1000 شركة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليصل إلى 69 ألف شركة.

 

أما "التغير" فيأتي من تحول هيكل الصناعة، ومن انتقال محركات النمو ورفع الجودة. فقد ارتفعت القيمة المضافة لصناعة المعدات بنسبة 8.9%، وارتفعت القيمة المضافة للصناعات التكنولوجية العالية بنسبة 12.5%، متجاوزتين معدل نمو الصناعات فوق الحجم المحدد بـ2.8 و6.4 نقاط مئوية على التوالي. وتضطلع محركات النمو الجديدة بدور متزايد، مع ظهور صناعات واقتصادات جديدة باستمرار.

 

ويأتي "التغير" أيضا من تحول هيكل السوق، عبر الترابط الداخلي والخارجي والتوسع المتعدد. ففي ظل تأثير أوضاع الشرق الأوسط، شهدت تجارة الصين مع بعض المناطق تقلبات قصيرة الأجل، غير أن التجارة الخارجية واصلت النمو عكس الاتجاه بفضل تنويع الأسواق. ففي الربع الأول، بلغ حجم التجارة بين الصين والدول المشاركة في مبادرة "الحزام والطريق" 6.06 تريليون يوان، بزيادة 14.2%، ما يمثل 51.2% من إجمالي التجارة الخارجية. كما ارتفعت التجارة مع دول الآسيان وأمريكا اللاتينية بنسبة 15.4%، ومع إفريقيا بنسبة 23.7%، ومع الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بنسبة 14.6% و13.1% على التوالي، ومع اقتصادات أخرى في منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ بنسبة 13.4%.

 

وراء هذه المتانة القوية للاقتصاد الصيني، تقف ممارسات حيوية لعدد لا يحصى من الكيانات الاقتصادية التي تتحرك بين "التغير" و"الثبات".

 

فالاقتصاد الصيني أشبه ببحر واسع، يزداد اتساعا كلما واجه الأمواج، ويزداد صلابة كلما واجه التحديات. ومع التوجه نحو مرحلة جديدة من "الخطة الخمسية الخامسة عشرة"، ستواصل الصين، بثباتها وانفتاحها وابتكارها، ضخ الثقة والقوة في مسار تعافي الاقتصاد العالمي.