بينما كنت أتأمل فى فواتيرنا المتصاعدة، تذكرت تلك العبارة التى طالما رددها آباؤنا: «الاقتصاد نصف المعيشة»؛ لكننا اليوم، فى زمن تكنولوجيا الرفاهية، نسينا أن «الزّر» الذى نضغطه بتهاون قد يُطفئ نورًا فى مستقبل أجيالنا القادمة.
ربما أجيال الثمانينيات والتسعينيات هى التى لا تزال تتذكر حملات التوعية القومية التى يُنتجها التليفزيون المصرى، من خلال أمرين، الأول: صورة درامية غير مباشرة، مثل مسلسل اسر الأرضب الذى كان يُبث بعد صلاة الجمعة، ويتناول التعريف بأنواع المحاصيل الزراعية وأوقات زراعتها من خلال دراما تشويقية؛ أو فوازير اجدو عبدهب الرمضانية التى تحبس قلوبنا قبل عيوننا فى إطارها الغنائى الجميل.
الثانى: من خلال التوعية الإعلانية المباشرة للتنبيه إلى مخاطر الزيادة السكانية التى أكلت محاولات التنمية المستمرة، ولا يزال صوت الفنان أحمد ماهر يرنّ فى آذاننا: االراجل مش بس بكلمته، الراجل برعايته لبيته وأسرتهب؛ أو البلهارسيا، ذلك المرض الخبيث الذى نما وترعرع على أكباد المصريين: اادى ضهرك للترعة، عمر البلهارسيا فى جتتك ما ترعىب؛ وكلها حملات أيقظت الوعى الجمعى عند عموم الشعب، وكشفت الكثير من المفاهيم المغلوطة التى أسهم فى انتشارها استغلال الجماعات الإخوانية والسلفية للمنابر وتشويش عقول البسطاء وتشويه فطرتهم السليمة.
مؤخرًا أدركنا إيجابية هذه الحملات التوعوية، وبدأنا نشاهدها على قنواتنا مرة أخرى، وهو الأمر الذى يؤكد أن الإعلام التربوى قد أصبح جزءًا رئيسيًّا من أدوات بث الوعى المجتمعى، بعدما أصبحنا نتعاون بصورة أكبر مع وسائل الاتصال والتكنولوجيا، ولعلنا نركز فى ذلك على تثبيت أفكار المواطنة فى نفوس الشباب، مع قراءة أعمق لمستقبل الوطن فى ضوء التغيرات الجيوسياسية المتسارعة، فنكون بذلك قد أخذنا بأيدى أبنائنا من وهدات الاستهتار والاتكال إلى فضاء المشاركة الفاعلة فى صناعة المستقبل.
رغم بعض مواقف السخرية على وسائل التواصل الاجتماعى، فإن حملات التوعية للترشيد ومناهضة الإسراف فى استخدام الطاقة بدأت تؤتى أكلها وتشد الانتباه إلى مكامن الغفلة عند قطاع كبير من الناس، خاصة أن المسألة لا تتعلق بارتفاع فاتورة الكهرباء وقدرة كل فرد على سدادها؛ وإنما بفاتورة الضمير الوطنى اليقظ وقدرته على استيعاب مستقبل الطاقة فى وطن يقدم المليارات دعمًا سنويًّا لتوفير هذه الخدمة؛ وطن يُعافر بكل قوته ليبقى صامدًا، فى الوقت الذى تترنح فيه أكبر الاقتصادات العالمية نتيجة التناطح العالمى فى المنطقة.
بينما كنت أتأمل فى فواتيرنا المتصاعدة، تذكرت تلك العبارة التى طالما رددها آباؤنا: االاقتصاد نصف المعيشةب؛ لكننا اليوم، فى زمن تكنولوجيا الرفاهية، نسينا أن االزّرب الذى نضغطه بتهاون قد يُطفئ نورًا فى مستقبل أجيالنا القادمة.
لم يعد الحديث عن اتوفير الكهرباءب مجرد نصيحة عابرة يسديها خبير اقتصادى فى ندوة مغلقة، أو ملصق توعوى يمرّ عليه الناس مرور الكرام فى ردهات المؤسسات الحكومية. إن الأمر اليوم يتجاوز حدود الفاتورة التى ندفعها فى نهاية الشهر، ليمسّ جوهر انتمائنا لهذه الأرض، ومدى وعينا بأن الموارد ليست إرثًا لا ينضب، بل هى أمانة نقتسمها مع الزمن.
بلا شك؛ إننا نعيش فى بيوت تضج بالأجهزة التى تعمل افى الفراغب: مصابيح تضىء غرفًا خالية، وأجهزة تكييف تصارع حرارة الصيف فى بيوت هجرها سكانها لساعات، وشواحن هواتف تستهلك الطاقة وهى لا تغذى شيئًا. هذا ليس رغدًا من العيش؛ بل نوع من االعمى الاستهلاكىب الذى يغيب عنه الحسّ بالمسئولية.
الكهرباء التى نستصغر شأن ضياعها فى لمبة واحدة، هى فى الحقيقة وقود يُحرق، ومجهود بشرى جبار، وميزانيات ضخمة تُستنزف من خزينة الوطن، كان من الأولى أن تذهب لبناء مدرسة أو تجهيز مستشفى.
يُخطئ من يظن أن ترشيد الاستهلاك يعنى العيش فى الظلام؛ الحقيقة أن الوعى بقيمة التوفير هو فن الإدارة؛ وعلينا أن نعى أن استبدال المصباح الموفر بآخر تقليدى ليس بخلًا، بل هو ذكاء تقنى؛ وأن اختيار ساعات الذروة لتخفيف الأحمال هو قمة التضامن المجتمعى؛ مع الجانب التربوى بأن نعلم أطفالنا أن إطفاء النور خلفهم هو فعل وطنى لا يقل أهمية عن أى واجب آخر؛ وما أزال أصرخ فى ابنىّ عند كل إهمالٍ جديدٍ وأتهددهما بسحب الموبايلات، وخزًا للضمير، وتنبيهًا لغوافل المسئولية، ومنعًا لاستشراء الإهمال البسيط فيضحى غولًا آثمًا لا يُبقى ولا يذر.
الدولة تبذل الغالى والنفيس لتشييد محطات الطاقة العملاقة، وتسعى بقوة لإدخال الطاقة الشمسية، ومحطة الضبعة، إلى الخطوط الدائمة لاعتماد المصانع المتنامية فى الجمهورية الجديدة، مع تمديد الشبكات لتصل إلى أبعد قرية ونجع؛ ولكن كل هذه الجهود الجبّارة ستظل احرثًا فى البحرب ما لم يُقابلها وعى مجتمعى يحميها من غائلة الإسراف البغيض؛ ونحن نرى الآن كيف أن كبرى الدول المنتجة للطاقة تئنّ من ارتفاع الأسعار بسبب التوترات العالمية.
المواطن هو الشريك الأول فى الحفاظ على أمن الطاقة؛ فكل كيلوواط نوفره اليوم، هو رصيد نضمن به ألا ينقطع الضوء عن مريض فى غرفة عمليات، أو طالب يُذاكر دروسه فى ليلة شتاء.. وقبل كل ذلك علينا أن نعى أن القضية ليست فى جنيهات نوفرها من قيمة الفاتورة، رغم أهميتها فى ظل غلاء المعيشة؛ بل فى ترسيخ القيم الإيجابية التى نغرسها فى أبنائنا ومجتمعنا، ليتحول من مجرد مستهلك متذمر يشتكى عند غياب الخدمة، إلى شريك فاعلٍ فى تقديمها، مُدرك لأبعادها الحالية والمستقبلية؛ وليتحوَّل ترشيد الكهرباء من الخوف من الغرامة، إلى اثقافة حياةب.
لنكن نحن الضياء الذى يرشد استهلاكنا، قبل أن نجد أنفسنا فى ظلام لا نملك فيه سوى الندم على ما أسرفنا.. وبعد كل هذا لا يسعنا إلا أن نقول: من فضلك، أيها القارئ، قوم اطفى النور!
أفاعى «الإخوان» (14) .. صالح عشماوى .. أحد مؤسسى النظام الخاص
صلاح دندش يكتب : تخاريف
أيمن بدرة يكتب: الملك الكروي بين الإنجليزي والمصري







