يفتح فوز المفكر المصرى د. محمد عثمان الخشت بجائزة الشيخ زايد للكتاب، فى فرع المخطوطات، عن «موسوعة الأديان العالمية»، أفقًا جديدًا لنقاشٍ يتجاوز حدود الاحتفاء؛ فالموسوعة الصادرة عن جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية بأبوظبي، لا تكتفى برصد الأديان، بل تسعى إلى تفكيك بنيتها العميقة، وإعادة قراءتها بمنهج تحليلى نقدى يراهن على العقل والتفكير. فى هذا الحوار، يتحدث «الخشت» عن دلالات الجائزة، ورهانه على كسر أسر التـلقين، والدفع بالدراسات الدينية إلى فضاء التفكير الحر:
■ فى ضوء فوزكم بجائزة الشيخ زايد للكتاب عن «موسوعة الأديان العالمية»، كيف تقرأون دلالة هذا التتويج لمشروعكم فى دراسة الظواهر الدينية بمنهج تحليلى يتجاوز الوصف التقليدي؟
- لقد ظل العقل العربى والإسلامى لعقود طويلة حبيس فخ السجال العقائدي. ودلالة هذا التتويج تكمن فى الانتصار للمنهج «التحليلى النقدي»؛ وهو إعلان بأن الثقافة العربية باتت مستعدة، بل ومتعطشة، لتشريح الظاهرة الدينية تشريحاً إبستمولوجياً معرفياً وفينومينولوجياً، يغوص فى البنى العميقة للأديان. الجائزة هنا تمثل انتصاراً لـ «العقلانية المفتوحة» التى تعيد قراءة المقدس بأدوات العلم الحديث، وتدعم مشروعنا فى تفكيك البنى المغلقة لتأسيس وعى دينى جديد يتناسب مع تحديات العصر. الجائزة، فى تقديري، تعلن أن المعرفة الدينية لم تعد تُقاس بكمّ النصوص، بل بقدرتها على تفسيرها ونقدها وإعادة تأويلها. وهى أيضًا إشارة إلى أن العالم العربى قادر على إنتاج معرفة أصيلة لا تستنسخ المركزيات الغربية، ولا تعيد تدوير التراث وتكرار الخطاب الدينى التقليدي، بل تفتح مسارًا ثالثًا: عقلاني، إنساني، نقدي.
■ عملكم يركز على تحليل السياقات التاريخية والفلسفية للأديان، لا مجرد عرضها؛ ما الإضافة التى سعيتم لتقديمها فى حقل مقارنة الأديان من خلال هذه الموسوعة؟
- الإضافة الأساسية هى أن الموسوعة ليست «عن الأديان» فقط، بل عن منطق الأديان وكيف تفكّر؟ مع تفكيك وهم التشابه الساذج ووهم الاختلاف المطلق فى آنٍ معًا. المقارنة عندى ليست بحثاً عن فروق شكلية، هى كشف للبنية العميقة: كيف تتكوّن العقائد؟ كيف تتحول عبر التاريخ؟ كيف تتلاقح الأفكار بين الأديان؟ ولذا قدّمتُ معالجة تقوم على ثلاثة مستويات: المستوى النصي: قراءة النصوص الأصلية، والمستوى التاريخي: تتبّع تحوّل الفكرة الدينية عبر الزمن والمؤسسات، والمستوى الفلسفي: تحليل المفاهيم الكبرى: الإله، الوحي، الخلاص، الإنسان. بهذا المعنى، لم أكتب موسوعة «عن الأديان» فقط ، بل عن منطق الأديان وكيف تفكّر. ومن الإضافات الجوهرية التى راهنت عليها فى هذه الموسوعة هى نقل حقل «مقارنة الأديان» من حيز «الفهرسة» إلى حيز «الحفريات المعرفية». والأديان لم تهبط فى فراغ، إنها ظواهر حية تفاعلت مع بيئاتها الجغرافية، والسياسية، والتاريخية.
■ تطرح الموسوعة فكرة إبراز المساحات المشتركة بين الأديان؛ إلى أى مدى يمكن لهذا الطرح أن يسهم فعليًا فى ترسيخ قيم التسامح والتعايش فى الواقع العربى المعاصر؟
- إذا فُهم «المشترك» باعتباره حدًا أدنى للتفاهم وليس استغناء عن الخصوصية والهوية، فإنه يصبح أداة قوية لبناء السلام. أنا لا أدعو إلى تذويب الفروق؛ بل إلى إدارة الاختلاف على قاعدة الاعتراف المُتبادل. تطرح الموسوعة ما يسمى «الاتفاق بالتقاطع»: نلتقى على قيم إنسانية كبرى ـ الكرامة، الحرية، العدل ـ مع احتفاظ كل دين بخصوصيته العقدية. هذا التصور، إذا انتقل من الكتب إلى التعليم والإعلام والمؤسسات، يمكن أن يقلّص خطاب الكراهية ويعيد تعريف العلاقة بين «الأنا» و»الآخر» من صراع إلى تعارف وتنافس فى الخيرات. المشكلة ليست فى الاختلاف، بل فى تحويله إلى أداة للتكفير والكراهية والحروب. ونحن ندعو إلى «الاعتراف المُتبادل» بوحدة الأصل الإنسانى والغاية الأخلاقية، مما يتيح لأتباع الديانات المختلفة العيش فى ظل دولة وطنية مدنية حديثة، تحترم التعددية وتستند إلى المشترك الأخلاقى كقاعدة دستورية وقانونية للتعايش.
■ ما أبرز التحديات العلمية والمنهجية التى واجهتكم فى إعداد عمل موسوعى بهذا الحجم (ستة مجلدات)، وكيف تعاملتم مع تعددية المصادر واختلاف الرؤى؟
- من أكبر التحديات: الإبحار فى محيط متلاطم من النصوص والمرويات، وأيضاً من التحديات الكبيرة أمام الباحث فى الأديان هو كيف يتجرد من انحيازاته الذاتية وعقيدته الشخصية ليدرس عقائد الآخرين بموضوعية تامة. كان لزاماً الحفاظ على مسافة نقدية واحدة من جميع الأديان المدروسة، والتحرر من الانحياز المزدوج: انحياز بعض الأعمال العربية للتبجيل الذاتى والهجوم على الآخر، وانحياز بعض الأعمال المُترجمة لرؤى استشراقية أو علمانية جذرية. وقد تعاملتُ مع ذلك بالعودة إلى المصادر الأصلية، والمقارنة النقدية بينها، وتصويب ما فيها من أخطاء أو تحيزات. والصعوبة الكبرى لم تكن فى جمع المادة، إنما فى إحكام بنائها بحيث تبقى دقيقة وقابلة للبحث والاستعمال العلمي. ومن الناحية المنهجية، لم أكتفِ بمسارٍ واحد، بل اعتمدتُ مقاربةً منهجية متكاملة الأبعاد؛ فاستعنتُ بالوصف لعرض الظواهر بوضوح، وبالتحليل لتفكيك عناصرها وفهمها، وبالنقد للوقوف على مكامن الخلل فيها. ولتوسيع الرؤية، وظفتُ المنهج المقارن لتتبع مسارات التشابه والاختلاف بين الأديان. أما الغوص فى عمق التجربة الدينية، فقد تطلب لجوئى للمنهج الظاهراتى (الفينومينولوجي) لوصف هذه التجربة من الداخل كما يحياها الوعى الإنساني، مع تنحية كافة الأحكام المُسبقة جانباً، فى محاولةٍ جادة للإمساك بجوهرها ومقاصدها الحقيقية، أى وصف الخبرة الدينية كما تتجلى فى الوعى من الداخل، مع تعليق الأحكام (epoché) ومحاولة القبض على بنيتها القصدية.
■ أخيرًا، كيف ترون تأثير هذا العمل ـ بعد فوزه ـ على مستقبل الدراسات الدينية، وما الذى يمكن أن يفتحه من آفاق جديدة للباحثين الشباب؟
- أعتقد أن هذا العمل قد يفتح آفاقاً رئيسية للانتقال من التخصص الضيق إلى المقاربة العابرة للتخصصات؛ لن يعود الباحث فى الدين معزولًا عن علم الاجتماع أو النفس أو الفلسفة. كما أن هذا العمل أعاد تعريف موضوع الدراسة: الدين ليس نصًا فقط، بل شبكة علاقات تاريخية وثقافية ورمزية. أضف الى ما سبق: تحرير الباحث من الخوف؛ الخوف من السؤال، ومن النقد، ومن مساءلة الموروث. فكان لابد من كسر الحاجز النفسى والمعرفى الذى كان يمنع الأجيال الجديدة من اقتحام منطقة الدراسات الدينية بأدوات النقد الحر والعقل المفتوح. وربما تأثير هذا العمل يكمن أيضاً فى تحرير الدراسات الدينية فى العالم العربى من أسوار «اللاهوت الدفاعي» والانطلاق بها نحو «العلوم الإنسانية». أما بالنسبة للباحثين الشباب، فآمل أن تحفزهم الموسوعة لتجاوز عقليات الحفظ والتلقين، والانتقال إلى الاشتباك المعرفى الشجاع مع التراث، واستخدام أدوات الفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا لبناء فكر جديد. المستقبل ليس لمن يعيد إنتاج التراث حرفياً، بل لمن يمتلك شجاعة تفكيكه وتطويره لصناعة تراث جديد.
رسالتى للباحثين الشباب: لا تكتفوا بإعادة إنتاج ما كُتب، بل اسألوا: كيف ولماذا تشكّل هذا الفهم؟ المستقبل فى الدراسات الدينية لن يكون لمن يحفظ، فى الحقيقة المستقبل سوف يكون لمن يفكّر ويؤوّل ويقارن. هذه الموسوعة محاولة لفتح الباب؛ والرهان الحقيقى هو ما سيصنعه الجيل القادم حين يعبر هذا الباب بثقة وعقل حر.
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







