وقود المجازر

رحلة «الدم والدهون» من النفايات إلى بنزين الطائرات

وقود المجازر
وقود المجازر


من عتمة السلخانة التقليدية وضجيجها البدائي، تولد اليوم منظومة مصرية عصرية تُحاكى فى دقتها الكود العالمي؛ ليتحول «المجزر» إلى قوة اقتصادية تدار بعقلٍ استثمارى أخضر.
 فى هذا الملف، نرصد «الانفجار الفني» الذى قادته وزارة التنمية المحلية لتحويل 470 مجزرًا من عبء بيئى إلى مصانع لإنتاج الثروة، حيث تُطحن الدهون وتُعالج الدماء عبر وحدات «الكوكر» لتتحول إلى «وقود طائرات» يُحلق بالصناعة المصرية فى سماء الاستدامة.  من «كفر شكر» التى دشنت عصر الذبح الذكي، إلى «المجازر المتنقلة» التى غطت الحدود، نحن أمام ملحمة تكنولوجية تستبدل الهدر بالمليارات، وتجعل من «النفط الأخضر» المسال من رحم المخلفات قاطرةً جديدة للأمن الغذائى والتصدير الدولي. لفترات طويلة، ارتبطت منظومة المجازر الحكومية بالمحافظات بنمط تشغيل تقليدى اعتمد على إمكانات محدودة واشتراطات لم تتغير أو تواكب بشكل جوهرى التطور فى المعايير العالمية بهذا المجال الحيوى والمهم . وعلى مدار السنوات الماضية، عانت المجازر تحديات ممتدة تتعلق بتهالك البنية التحتية، ومحدودية نظم النظافة وغياب آليات التعامل مع المخلفات الحيوانية، بسبب الاعتماد على أساليب تشغيل لا تواكب متطلبات السلامة الغذائية أو الاشتراطات البيئية الحديثة.
ومع تولى د. منال عوض وزيرة التنمية المحلية والبيئة، تم إعادة تنظيم هذا الملف، وبدأت الوزارة فى مرحلة جديدة تستهدف الانتقال من واقع تشغيل متراجع إلى منظومة أكثر تطورًا، تقوم على إعادة الهيكلة الشاملة وتحديث أساليب الإدارة والتشغيل، والانتقال إلى نموذج يعتمد على المعايير الحديثة فى الصحة البيطرية وأيضًا جودة الأداء وتوفير لحوم آمنة للمواطنين، بالاضافة إلى تحولها من عبء خدمى على الدولة إلى مشروع اقتصادى متكامل وطرحه للاستثمار على القطاع الخاص .

أكواد عالمية

أكدت د. منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، أن الوزارة تولى اهتمامًا كبيرًا بتنفيذ المشروع القومى لتطوير ورفع كفاءة المجازر الحكومية وتحويلها إلى نقاط ذبح نموذجية متطورة، والذى يساهم فى ضبط منظومة تداول اللحوم الحمراء وتعزيز الأمن الغذائى للمواطنين.

تطوير 470 مجزرًا وفق أعلى معايير الصحة والسلامة

دعم الاقتصاد الأخضر داخل وحدات «البيوجاز» ومحطات معالجة المخلفات

وقالت الوزيرة فى تصريحات لـ«الأخبار»، إن خطة تطوير المجازر تستهدف إنشاء منظومة حديثة لإدارة عمليات الذبح وتداول اللحوم وفق أعلى معايير الصحة والسلامة، وأن عدد المجازر على مستوى الجمهورية كان يبلغ نحو 464 مجزرًا وارتفع حاليًا إلى قرابة 470 مجزرًا.
وأشارت د.منال عوض، إلى أن المنظومة الجديدة للمجازر المطورة باتت مؤهلة للعمل وفق أعلى المواصفات والمعايير الفنية، وبعضها جاهز للتصدير إلى الخارج بعد استيفاء الاشتراطات اللازمة والحصول على الموافقات الرسمية، وتوافر الكميات المناسبة من الثروة الحيوانية.
وأكدت وزيرة التنمية المحلية والبيئة أن الوزارة حريصة على تشغيل المجازر المطورة بأعلى كفاءة ووفق الجدول الزمنى المحدد، لافتة إلى التنسيق مع عدد من المستثمرين لإدارة وتشغيل بعض المجازر عبر القطاع الخاص، وذلك لضمان الحفاظ على استثمارات الدولة وتحقيق قيمة مضافة للمحافظات حيث تم بالفعل خلال الفترة الماضية تشغيل عدد من المجازر بالمحافظات من جانب شركات القطاع الخاص عبر تعاقدات تم ابرامها تحقق فوائد مالية واقتصادية للمحافظات.
وشددت على أن خطة التطوير تستهدف دعم الاقتصاد الأخضر، من خلال تزويد عدد من المجازر بوحدات بيوجاز ومحطات معالجة، التى تسهم فى الاستفادة من المخلفات الحيوانية وتحويلها إلى موارد ذات عائد اقتصادي، إلى جانب الحفاظ على البيئة.
وأضافت د. منال عوض، أن منظومة التطوير تعتمد على التحول من الذبح التقليدى إلى الذبح الآلى أو شبه الآلي، والتى ترفع جودة وسلامة المنتج، بجانب تطبيق منظومة رقابة حديثة تعتمد على كاميرات متابعة داخل المجازر لتتبع عمليات الذبح والفحص البيطرى بشكل كامل.
ولفتت إلى أن المنظومة الجديدة تعالج مشكلة المخلفات الحيوانية من خلال فصل الدماء والمخلفات عن شبكات الصرف الصحي، والتعامل معها عبر وحدات معالجة متخصصة «كوكر» لتحويلها إلى منتجات قابلة للاستفادة الاقتصادية. وأكدت وزيرة التنمية المحلية والبيئة أن بعض المجازر المطورة يتم تنفيذها وفق الأكواد والمعايير الدولية فى هذا المجال، وأنها مؤهلة بالفعل للعمل وفق أعلى المعايير العالمية.

سباق ضد الزمن

خطة جديدة  للإدارة والتشغيل

تضمنت خطة وزارة التنمية المحلية والبيئة تطوير المجازر الحكومية إنشاء ما يُعرف بـ «المجازر اللوجستية الحدودية»، وعددها 5 مجازر استراتيجية، تستهدف العمل كمراكز إنتاج متكاملة وفق معايير تشغيل حديثة، من بينها مشروع استثمارى فى محافظة دمياط، والذى كان من أبرز المشروعات التى تم تنفيذها خلال تلك المرحلة.
انقسمت المرحلة الأولى إلى شقين، شملت المرحلة العاجلة 43 مجزرًا، من بينها مجزر دمياط، وكان من المخطط الانتهاء منها خلال عام 2019، إلا أن التنفيذ امتد حتى عام 2021 نتيجة بعض التحديات الفنية والتنفيذية، قبل أن تتوقف بعض الأعمال مؤقتًا فى عدد من المواقع.
ومع إعادة الدفع بهذا الملف خلال عام 2024، تم استكمال تقييم المجازر المتوقفة، بالتوازى مع وضع خطة جديدة لاستكمال باقى مراحل التطوير.
وفى المرحلة الحالية، تم اختيار 10 مجازر كنموذج جديد للتطوير يتم تنفيذه وفق أسلوب مختلف يعتمد على أحدث النظم التشغيلية والمعايير العالمية، أبرزها مجزر كفر شكر بمحافظة القليوبية، الذى تم تصميمه وفق الكود العالمى فى الإنشاء والتشغيل ليكون أول نموذج متكامل من نوعه.
ويُعد مجزر كفر شكر أول مجزر يتم إنشاؤه بالكامل بالمعدات الحديثة وفق المعايير الدولية، خلال فترة تنفيذ لم تتجاوز أربعة أشهر، وتم افتتاحه فى يناير 2026، ليشكل نقطة تحول نحو نموذج جديد فى إدارة وتشغيل المجازر.
كما تم الانتهاء حتى الآن من نحو 32 مجزرًا من إجمالى 43 مجزرًا ضمن المرحلة الأولى، ومن المقرر الانتهاء من تسليم وتشغيل الـ43 مجزرًا بالكامل وقبل حلول عيد الأضحى المبارك.
وفى إطار التطوير، تم إدخال تجربة جديدة لأول مرة فى مصر تتمثل فى إنشاء مجزر متنقل نصف آلى يمكن نقله عبر سيارات مخصصة، لاستخدامه فى حالات الطوارئ والمناطق النائية، وتم بالفعل تصنيع المجزر المتنقل وتوريده، الآن يعمل فى محافظة مطروح بمدينة السلوم على الحدود، لخدمة بعض المناطق هناك.