حوار مع النص المحفوظى

مع نجيب محفوظ بين الأصل والصورة

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ


داليا سعودي

 

فى كتابه «نجيب محفوظ، الأصل والصورة» (ديوان للنشر، 2026)، لا يشتبك حسن عبد الموجود مع سيرة عملاق الأدب العربى الذاتية فحسب، بل يشتبك مع أسئلة حرفة الكتابة الأدبية ويفتح حواراً مع النص المحفوظى فيما يشبه مدّ جسر معلق بين الحقيقة والخيال، يوصلنا إلى استشفاف صورة محفوظ من وراء حجب كلماته، وإلى استحضار مشواره الإنسانى والمهنى فى مرآة السرد الإبداعى الحر. إذ يرسم هذا الكتاب التذكارى صوراً متراكبة لمحفوظ بالمراوحة بين الأصل الواقعى والقناع الفنى تارة، وبالموازاة بين الكلمة المكتوبة والصورة الفوتوغرافية تارة أخرى، وبالمزاوجة بين الذاكرة والتخييل فى جميع الأطوار. ليخرج من حالة التشظى التى تفرضها المادة الأولية للكتاب إلى حالة من الالتئام العميق مع نهاية القراءة.  

للوهلة الأولى، يبدو الكتاب وكأنه يخرق أحد المحظورات التى فرضها نجيب محفوظ على قلمه وألزم بها نفسَه طوال فترة اجتراحه الكتابة، وهو من أعرض عن نشر ما دوّنه من سيرته الذاتية بل وبادر إلى إجابة من سأله عنها بأنه قد أحرقها. تعددت الأسباب على لسانه والنتيجة واحدة: فالحياة الاجتماعية لا تتحمّل الصراحة، ولا وجود لأدب الاعتراف فى إطار العادات والتقاليد العربية، وهو لم يرَ فى حياته العادية الرتيبة ما يستحق التدوين، فبات كل همه إن طرأت له فكرة أن يزيد بها رصيده من القصة والرواية. وبدلاً من الخوض فى تفاصيل الحياة الشخصية، اعتمد نوعاً من السيرة الموضوعية بثها فى طيات أعماله الأدبية، وفى أحاديثه الصحفية، لتأتى «أصداء السيرة الذاتية» فى النهاية بياناً مكتوباً باستحالة الخوض فى سيرته على نحو مباشر حمايةً لخصوصيته، ولأسرته، بل ولمنجزه الأدبى من فضول الكلام وفضول المتطفلين.

هذا الرفض الحاسم الذى أعلنه نجيب محفوظ غير ذات مرة، يبدو حسن عبد الموجود وكأنه يقفز هنا فوق أسواره، فيتجاوزه بجرأة، ليؤلف سيرةً عن السيرة، ويقدم عملاً إبداعياً عن لحظات الحياة الفارقة فى عمر ممتد لم يحِد صاحبه عن الانشغال بالكتابة إلا ليكون إنساناً بمعنى الكلمة. هكذا، ينطلق المؤلف فى مغامرة فنية محسوبة، مرتدياً قناع محفوظ منذ الميلاد حتى الرحيل، ناطقاً بلسانه، مُطلقاً العنان لتيار وعيه المسترسل، متخيراً محطات حياتية بعينها، عبر كتابة تجترح القفز والوثب، على حد تعبير كيليطو. وعند كل محطة مختارة، يُشهر المؤلف قبساً من كلمات محفوظ (الأصل)، التى كانت مفتاحه اللازم للخروج إلى بستان التخييل (الصورة).

فى الفصول الأولى، تأخذنا لعبة المراوحة بين الأصل والصورة والمقارنة بينهما، لا سيما فى معرض سرد مرحلة الطفولة والصبا. ثم إذا بالصورة تأسرنا شيئاً فشيئاً، حين يظهر من محفوظ ذلك الوجه الذى ألفناه وقرأنا له وعنه. فإذا أرهفنا السمع، أدهشنا تماثل الصوت السارد إلى حد كبير مع صوت محفوظ فى نصوصه، سواء على مستوى النبرة أو الأسلوب أو المعجم أو التراكيب أو الاستعارات أو الموسيقى. وهو أمر لا يتأتى إتقانه إلا لمن كان على صلة وثيقة بطبيعة النص المحفوظي، وكانت أذنه مدربة على التعرف على أسلوب محفوظ وإيقاعاته ومفرداته. والحقيقة أن ثمة تفسير لهذا الأمر، ذكره المؤلف فى كلمته التى ألقاها فى الحفل المخصص لإطلاق الكتاب، وهو أنه ظل طوال عام كامل يقرأ أعمال محفوظ كاملةً بصوتٍ مسموع. فما إن ذكر هذه الجزئية حتى تذكرتُ الأديب الفرنسى جوستاف فلوبير الذى شدد على أهمية القراءة المسموعة لفك شفرة النص الأدبى وتَشَرُّب الأذن خواصّه الصوتية. هكذا قد ينفق الكاتب من عمره عاماً كاملاً أو أكثر لكى يُمسك بخيوط تفصيل ليس بالثانوى فى مثل هذا المشروع الطموح. بالطبع ليس ثمة تطابق كامل بين الأصل والصورة، إذ يعمد المؤلف إلى خلع قناع محفوظ هنا أو هناك، فيُظهر صوته الخاص لأن الذات المبدعة تكره الاقتصار على المحاكاة، وتأبى إلا أن تظهر طوعاً أو كرهاً بين السطور.

فإن نحن أمعنّا النظر بعد أن أرهفنا السمع، سنجد أن التخييل المعتمد فى رسم الصورة ليس متحرراً على الإطلاق، ولا هو محدود بالمراجع الأربعة المذكورة فى نهاية الكتاب. فالواضح أنه استند إلى بحث استقصائى فى كل ما أدلى به محفوظ من تصريحات، وكل ما نقله عنه المقربون. كما تُظهر لنا القراءة المتأنية أيضاً أن المؤلف قد استخلص من أعمال محفوظ الإبداعية نفسها كثيراً من العناصر المكتنزة بقيمة ذاتية ظاهرة، والتى كان محفوظ قد أشار إلى تضمينها لمحات من سيرته. فلكى يرسم صورة الطفل الناشئ فى حى الجمالية، يبدو المؤلف وقد استلهم ملامحه من كمال عبد الجواد فى طفولته، ومن طفل «حكايات حارتنا»، ومن طفولة بطل «عصر الحب»، أما مرابع الصبا وصداقات العباسية فيبدو المؤلف وأنه قد استقى ملامح منها من أعمال مثل «الثلاثية» و«قشتمر»، و«المرايا». وها هى أم أحمد، بطلة الجزء الأول من متتالية «صباح الورد» القصصية، تطل علينا فى المقطوعة الخامسة من الكتاب، وترافق أم محفوظ فى الصباح. وها هم الفتوات يخرجون من «الحرافيش»، رافعين نبابيتهم تحيةً للمعلم عرابي. هكذا يبدو وكأن فيضاً من العناصر الذاتية التى استودعها نجيب محفوظ نصوصه الروائية، قد عاود حسن عبد الموجود استخلاصها من تلك النصوص ليضمّنها كتابه. الأول أخفى كنز الذات فى مغارة الحكاية الخيالية، والثانى استخرج الكنز من بطن الحكاية ليحكى بها عن الذات المتخيّلة، فى لعبة سردية تشبه الأبواب الدوارة.

حكايةً تلو حكاية، يتواصل رسم صورة محفوظ على لسانه فنتبيّن أهم صفاته، ولعل أظهرها سخريته اللاذعة وروحه المرحة الصبورة التى لازمته منذ نعومة أظافره رغم صعوبة الاختبارات التى مر بها فى حياته. ها هو الطبيب يصارحه بإصابته بمرض السكرى فيواجه النبأ بالسخرية والضحك، وهى صفة تعززت بوجود شلة الحرافيش التى لا يستطيع فى صحبتهم إلا أن يكون «صهبجياً». فيكتب المؤلف على لسانه ممسكاً بواحدة من أهم خصاله: «هذه طبيعتي. أنا أكثر الناس تقبّلاً لأنواء القدر وعواصف الزمن. أحزن، لكنى لا أبالغ فى الحزن. أشعر بالصدمة، لكنى لا أسمح لها بأن تغرقني. أكتئب، لكنى أحارب وحش الاكتئاب بالنكات.» 

كما نتبين من صفات محفوظ زهده الدنيوى وتساميه فوق المطامع المادية، وهو من أعاد كامل أجره إلى فريد شوقي، بعد عمل استغرق منه أكثر من سبعة شهور فى سيناريو فيلم «جعلونى مجرماً»، لأنه على حسب قوله قد تعلم من هذه التجربة حرفة كتابة السيناريو فوجد نفسه غير مستحقاً للأجر! كما نرى كيف دعم صغار الفنانين قبل كبارهم وكيف حما مساعديه من الظلم، عندما تولى رئاسة مؤسسة السينما فى مرحلة شهدت فيها السينما المصرية أزمة ضاربة بعد هزيمة يونيو 67. وهو المنصب الذى أعاقه عن ممارسة عمله الأدبي، وظل طوال تقلده له رافضاً بيع قصصه للسينما درءًا لاستغلال نفوذه وحرصاً على طهارة يده.

وقبل كل شيء، فى القلب من الصورة، هناك ذلك القلب الذى يفيض حباً للناس والمخلوقات: حباً لأمه التى جال معها القاهرة مساجد ومتاحف وأديرة، ولوطنه الذى فتح عينيه على الدفاع عنه وعلى الثورة ضد الاستعمار، ولحزب الوفد والنحاس باشا، ولأسرته الصغيرة التى فضلها على نفسه فى جل اختياراته، لسان حاله «فلتكن رجلاً يقدر المسئولية، أباً يخاف على بذرته الطيبة، وإنساناً لا تعميه أنانيته وأحلامه."

حكايةً وراء حكاية، تكتسب الصورة أهمية تستكمل أهمية الأصل، لا سيما حين يدخل السرد إلى أعماق محفوظ، فنرى فرحته أمام نسخ روايته الأولى، ونستمع معه إلى رأى سلامة موسى فى بداياته الأدبية، ونشهد معه أحلام يقظته وهواجسه وهو يخطو خطواته الأولى فى عالم الرواية، فيخاطب نفسه قائلاً : «نجيب محفوظ لن يصبح كاتباً كبيراً!»، «لا أحد يعرف كاتباً اسمه نجيب محفوظ!» وهنا يتعمد المؤلف وضع مثل هذه العبارات على لسان عميد الرواية العربية، مستخدماً اسمه كاملاً «نجيب محفوظ» عوضاً عن ضمير المتكلم كى يحدث نوعاً من التواطؤ مع القارئ الذى سرعان ما يبتسم وهو يقرأ. 

فى الصورة، ثمة تفاصيل تطعن فى الأصل، لأنها تقول بأن كثيراً مما أدلى به محفوظ فى حواراته الصحفية لم يكن يعكس كثيراً من الحقائق التى كانت تعتمل بداخله. «لو أنهم يدققون فى كلماتى فسيعرفون أنها أحجار صغيرة فارغة من الروح. (..) لماذا تريدون جَرّى للكلام؟! أنا غير حر! لو أننى قلتُ ما أومن به فسوف يشهرون حرابهم ويغرسونها فى جسدي...» فى الصورة، سنرى تفاصيل من الأصل مر عليها المعلقون مرار الكرام، فنطالع جَزع محفوظ بعد نشر قصة «الخوف»، إذ يستوقفه رجال الأمن فى الشارع، وفى المقهى، وفى مكتب رئيس المخابرات ووقائع استجواب «صقر»، صلاح نصر. ليصارح نفسه قائلاً: «لقد عشتَ ذلك الخوف شهوراً طويلة يا نجيب، فلماذا لا تكتب ببساطة: أنا خائف؟!»...
وفى الصورة، تستوقفنى نهايات بعض المقطوعات المفعمة بالشجن، كأنها دفقة حميمة متسربة من مخيلة محفوظ تستدعى عطر الأحباب. فى إحدى تلك النهايات، يدفع أديبنا الظلم عن أحد مرؤوسيه فيخرج معه من مكتب الوزير، وأمام أحد المحلات تتراءى له على الزجاج صورته طفلاً مع أبيه وهو يقول له ذات صباح بعيد: «لا تخسر مخلوقاً يحبك أبداً يا ولدي.» وفى نهاية مقطوعة أخرى، إذ شفّه الحنين إلى توفيق الحكيم بعد رحيله وأشتاق إلى مسامراتهما فى الأسكندرية، يتخيل محفوظ خِلّه الراحل جالساً مع عيسى الدباغ وعامر وجدى إلى طاولة مقابِلة فى كازينو «سان ستيفانو» فى إسكندريته «المؤقتة»، «حيث لا ضجيج ولا صراع على كراسٍ ولا طموح فى مجد أو هيمنة»، فتطفو ذكرى صاحبه: «سألنى وابتسامته تتسع: «لماذا تجلس بعيداً عن أحبابك يا نجيب؟» فبكيت.» 

إن مثل هذه القفلات القصصية، التى تُطفر الدمع من عين القارئ، وتُدخله إلى هذا المستوى الدفين المركب من التخييل، الذى تتصافح فيه الشخصيات الخيالية مع الراحلين من الأحباب، هى من صميم أسلوب محفوظ فى مقطوعاته القصصية المتأخرة، لا سيما فى «أحلام فترة النقاهة»، حيث تسقط الحواجز بين الواقعى والمتخيل بكثير من الفن، وبكثير كثيرٍ من الشجن المستخلص من بوح الذات المبدعة.

وللألم نَصيبه الفارِه فى الصورة... 

ها هى قصة المعركة الكبرى حول رواية «أولاد حارتنا» يرويها لنا محفوظ بنفسه بخباياها فى سيرته المتخيلة، رغم أنه فى الواقع قد لاذ وقتها بصمت مطبق. يستنطقه حسن عبد الموجود ليحكى لنا كيف نمت فكرة الرواية بعد طول إجداب فى نتاجه الأدبي، وكيف فطنت السلطة الناصرية إلى فحوى النقد الموجه إليها عبر قصص الفتوات، وكيف تحولت المعركة إلى فرصة ذهبية لكى ينال منه الجميع. «اهدأ اهدأ.. لن تموت اليوم. أفلتَّ من حفل العقاب الجماعي. الكل شارك فى طعنك. (..) اقتلوا نجيب محفوظ أو اطرحوه أرضاً يخلُ لكم وجه ناصر. (..) اهدأ اهدأ... » 
ها هى نوبل تأتيه بعد عقود فيتجدد الصياح، وتتوالى فصول الهجوم تباعاً. المشهد الأول مليء بالبِشر والسخرية. عند الظهيرة تناول محفوظ البصل الأخضر تقليلاً لنسبة السكر فى الدم. فلما زاره السفير السويدى ظل محفوظ واضعاً يده على فمه لكى لا تصدم ضيفه «فحفحة» البصل. إن هذه الطريقة فى قصقصة أجنحة الألم بتضمين السرد مثل هذه الدعابة الساخرة تعكس معرفة حقيقية بروح محفوظ الباسمة، التى هى فى لبها روح المصرى الأصيل. ومع الجائزة، انطلقت الاتهامات تتْرى، كأن كلّاً منها نصل خنجر! فنقرأ هذا المونولوج المشبع بحكمة محفوظ الخالدة وبيانه الآسر، كأنه هو كاتبه: 

«أنا متعب وكدر حتى فى أعلى درجات سرورى كأننى أنوء بحمل إنسان آخر فوق كتفي، إذا تجرأت على تنسّم السعادة يرهبني. يسألنى كيف تفرح بينما تلك الندوب الطازجة فى روحك تكويني؟! كيف تفرح وتلك النصال المشرّعة تخزّ جلدك وتدميني. رجوته أن يكفّ عن تأنيبى وأن يمارس معى لعبة النسيان. فلتهنأ مثلى بهدى وفاتن وعطية والرفاق، وبالدعوات الحلوة الصادقة الطيبة ونجاتك فى الحرب. أغلق عينيك وأتركهم يحملونك على محفّة إلى خيمة المصابين. استمتع برجرجة جسمك وهم يصعدون بك التلة وبأمانك، فالطلقة لم تصب قلبك والشظية عبرت لحسن الحظ بالقرب من روحك.»

وفى المقطوعة الأخيرة، تحلّق الصورة لتعلن لقارئ السيرة على نحو لا لبس فيه أنه لم يكن يقرأ إلا عملاً أدبياً خالصاً، اتخذ كاتبه كل التدابير واحتال بكل الحيل كى يصنع من حياة نجيب محفوظ سيرة روائية مكتملة العناصر الفنية. سيرة افتقدناها فاختُرعت لنا، لتملأ مساحات الصمت الشاسعة التى خلفها وراءه الأستاذ. «يلوذ بالصمت إن ضاق البيانُ به، والروح إن تعبت بالصمتِ تعتصمُ». ها هو الألم يبلغ سنامه فى واقعة محاولة الاغتيال والطعنة التى نفذت إلى عمق الرقبة والوريد الودجي. الضباب كثيف، والوجوه المطلة عبره ما هى إلا تجسيد روائى لأشباح الواقع، خوفو، ومحجوب عبد الدايم، وعرفة. كيف نبتت فى بستان الخيال شخصياتٌ قبل أن تطل المِحن برأسها فى الواقع؟ وكيف تكتسب الشخوص كل هذا الوجود المادى عندما تأتى المحن. ثم أى درس فى السماحة الإنسانية ذلك الذى قدمه الأستاذ بعد تشافيه من غيبوبته إثر محاولة قتله؟! أى قلب شفوق عطوف امتلك؟ وأى شعور بالمسئولية ذلك الذى تملَّكه وهو يوجّه من سرير علاجه رسالته إلى مؤتمر المثقفين: «فلتجتمعوا جميعاً حول مبدأ واحد هو الحرية، لأن الثقافة لا تكون إلا بالحرية، فلنترك جميع خلافاتنا جانباً ونتفق على رفع راية الحرية عالية فى وجه جميع أشكال العنف والإرهاب».

لمثله يتجلى عاشور الناجى فى غياهب المحنة الظلماء. لمثله يخرج الشيخ من خُلوته، ويشق الحارة بنوره.. فُتحت البوابة، فعرفه محفوظ وهو يكابد مَزْقَ الروح بعد أن رتقوا جرح الجسد. ومع ثمالة الإلهام أتته البشارة: «سوف تلتئم.. سوف تلتئم يا حبيب القلب»!