العالم يترقب.. نجاح المفاوضات أو عودة المواجهات

واشنطن.. مأزق ترامب القادم فى الكونجرس

ترامب فى خطابه أمام الكونجرس
ترامب فى خطابه أمام الكونجرس


بكل المقاييس لم يشهد العالم مثل تلك الحالة التى يعيشها منذ أسابيع، فى ظل ما وصلت إليه الأمور بعد المواجهات غير المسبوقة بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، فنحن أمام تداعيات كارثية لها والتى جسدها دخول أطراف ودول عديدة فيها دون أن يكون لها ناقة ولا جمل، استنزاف حقيقى للاقتصاد العالمى، أزمة طاقة لم يفلت منها أحد، وتهديد كبير لحرية الملاحة، ومخاوف على سلاسل التوريد.

كما أننا أمام موقف ضبابى يختلف بين لحظة وأخرى من الأطراف الثلاثة خاصة الولايات المتحدة، حيث دخلت واشنطن الحرب دون وجود أى رؤية واضحة أو أهداف محددة مطلوب تنفيذها مما تسبب فى مواقف كارثية وتراجع مستمر، حيث بدأ الأمر بإسقاط النظام الإيرانى والتخلص من برنامجه ومخزونه النووى وترسانته من الصواريخ والمسيرات إلى السعى إلى من يساعد واشنطن على مخرج يحفظ ماء وجه كبار المسئولين خاصة فى ظل ضغوط الداخل التى تتمثل فى خلافات خرجت على السطح بين القيادات العسكرية ووزير الحرب التى ظهرت فى إقالات العديد من كبار القادة يضاف إلى ذلك الانقسام السياسى الحاد والذى ظهر فى مداولات الكونجرس مؤخرًا مع قرب انتهاء مهلة الستين يومًا التى يعطيها الدستور للكونجرس للتصويت على استمرار الحرب أول الشهر المقبل مع أنباء عن استنزاف حقيقى لمخزون الأسلحة الهجومية التى استخدمها الجيش الأمريكى خلال المواجهات الأخيرة. 

إيران -من جهة أخرى- رغم حجم الدمار الذى عانت منه أثبتت قدرتها على الصمود وتحمل الألم وإلحاق الأذى بواحد من أهم الممرات البحرية حتى ولو بشكلٍ جزئى، والغريب أن الحرب أدت إلى تعزيز شعبية النظام، فقط هى إسرائيل التى تعيش حالة من الترقب لما تصل إليه الأمور وتتخوف من استئناف المفاوضات وتضغط وتحرض باتجاه العودة إلى التصعيد وفورًا وهذه محاولة لرصد مزيد من التفاصيل عن مواقف الدول الثلاثة.

مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفى للكونجرس، التى يحين موعدها فى نوفمبر المقبل، يجد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب نفسه فى مأزق كبير، بين رغبته فى استمرار الحرب، التى لم يحقق معظم أهدافها، وبين ضغوط من داخل حزبه «الجمهورى» الذى يستعد لخوض انتخابات تشريعية يسعى خلالها للحفاظ على أغلبية بفارق ضئيل، تشير استطلاعات الرأى أنها أصبحت على المحك.

ولم يكن قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بتمديد مهلة وقف إطلاق النار مفاجئا كما كان عدم وضع حد لانتهاء المهلة متوقعا. حيث جاء القرار بعد أن عقد اجتماعا مع وزارة الحرب حضره كبار رجالها وحذره الكثير منهم من استمرار الهجمات على إيران.

ويأتى ذلك فى الوقت الذى يستعد فيه الكونجرس للتصويت على قرار استمرار الحرب من عدمه حيث تنتهى مهلة الستين يوما التى يعطيها الدستور للكونجرس للتصويت فى قرار الحرب أول الشهر القادم.

ورغم أن الحرب بدأت فى نهاية فبرايرالماضى، إلا أن ترامب أخطر الكونجرس رسميًا بها فى الثانى من مارس، ما أطلق مهلة الستين يومًا التى تنتهى فى الأول من مايو.

وقد أشار بعض الجمهوريين بالفعل إلى أنهم لن يدعموا أى تمديد يتجاوز هذه المهلة. حيث يتوقع الجمهوريون من الرئيس، إما إنهاء النزاع تدريجيًا أو السعى للحصول على موافقة الكونجرس لمواصلته. وقد فشلت كل محاولات الديمقراطيين، بتفعيل بند فى «قرار سلطات الحرب» الصادر عام 1973، وهو قانون يهدف إلى الحد من قدرة الرئيس على خوض الحروب من دون موافقة الكونجرس، للطعن فى النزاع مع إيران.

وجاءت أحدث هذه الإخفاقات، الأربعاء الماضى عندما عرقل الجمهوريون فى مجلس الشيوخ مثل هذا الإجراء للمرة الخامسة منذ بدء الحرب. ومع ذلك، يحدد القانون أيضًا مجموعة من المهل، أولها يحل فى الأول من مايو، ما قد يزيد الضغط على إدارة ترامب فى الأيام المقبلة.

وأكد السيناتور جون كيرتس، الجمهورى عن ولاية يوتا، أنه لن يدعم عملًا عسكريًا مستمرًا يتجاوز إطار الـ60 يومًا من دون موافقة الكونجرس. كما حذّر جمهوريون آخرون، من بينهم النائب براين ماست من فلوريدا، رئيس لجنة الشئون الخارجية، من أن الرئيس قد يفقد دعماً مهماً، إذا استمر النزاع.

وبعد لحظات من نجاح الجمهوريين بصعوبة فى عرقلة قرار متعلق بسلطات الحرب فى مجلس النواب، قال ماست إنه قد يكون هناك عدد مختلف من الأصوات بعد الـ60 يومًا، فى إشارة إلى موعد الأول من مايو.

ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفى للكونجرس تظهر استطلاعات الرأى تراجع شعبية ترامب إلى مستويات سلبية بفارق 17 نقطة وهو ما يعد مؤشرًا مهمًا على احتمالات حدوث «موجة زرقاء» لصالح الديمقراطيين.

ويضغط الحزب الجمهورى بشدة على ترامب لإنهاء الحرب حتى لا يخسر الأغلبية الضئيلة التى يحظى بها فى غرفتى الكونجرس وتشير أحدث توقعات لمجلة «ذا إيكونمست» إلى أن انتخابات التجديد النصفى المقبلة قد تضع الرئيس الأمريكى فى اختبار قاس مع تزايد الاحتمالات بخسارة الحزب الجمهورى لهذه الانتخابات وهو ما سينتج عنه خسارة السيطرة على مجلس النواب.

وبحسب إحصاءات المجلة، فإن فرصة الديمقراطيين تصل إلى 95٪ للفوز بعدد المقاعد اللازم للسيطرة على مجلس النواب، وهو ما يتطلب فقط ثلاثة مقاعد إضافية من أصل 435. كما تشير هذه الاستطلاعات حاليًا إلى تقدم الديمقراطيين بنسبة تقارب 53٪ مقابل 47٪ للجمهوريين.

وفى المقابل، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا فى مجلس الشيوخ، حيث يحتاج الديمقراطيون إلى الفوز بأربعة مقاعد إضافية من أصل 100.

وقد حقق الديمقراطيون اختراقات مهمة فى بعض الولايات، من خلال ترشيح شخصيات قوية قادرة على المنافسة فى بيئات انتخابية صعبة، مثل أوهايو وألاسكا. كما أن الانقسامات داخل الحزب الجمهورى، خصوصًا فى ولايات مثل تكساس، قد تفتح الباب أمام مفاجآت انتخابية تعزز فرص الديمقراطيين. وهو ما يزيد من فرصهم فى السيطرة على مجلس الشيوخ، وينبئ بتغيير موازين القوى داخل الكونجرس بشكل واسع.

ورغم قوة هذه المؤشرات، يظل هناك هامش للمفاجآت، إذ تتراوح نتائج التصويت الشعبى المحتملة بين 50.7٪ و55.6٪ لصالح الديمقراطيين، وهو نطاق واسع نسبيًا. ومع ذلك، حتى الحد الأدنى من هذا النطاق يمنحهم فرصة متكافئة للسيطرة على مجلس النواب، خاصة فى ظل خرائط انتخابية أكثر عدالة مقارنة بالماضى.

ومع احتمال فقدان الجمهوريين لمجلس النواب ودخول مجلس الشيوخ فى سباق مفتوح، تبرز القاعدة السياسية التى تقول إن الانتخابات النصفية غالبًا ما تكون لحظة محاسبة للرئيس أكثر من كونها تجديدًا للثقة.

وعلى الصعيد العسكرى تحمل الأيام المقبلة سيناريوهات تتراوح بين أقصى التهدئة وأقصى التصعيد فالقادة فى كل من واشنطن وطهران يدفعان فواتير باهظة لاستمرار الحرب وما يترتب عليها من إغلاق مضيق هرمز وعواقبه الاقتصادية.

ويرى بعض المحللين أن الحصار الأمريكى لمضيق هرمز يرجح أن يدفع إيران نحو التصعيد بدلاً من الرضوخ والتهدئة. وكلما سارعت واشنطن إلى إدراك أن ممارسة الضغوط دون وجود غاية سياسية نهائية تعد استراتيجية بلا مخرج، تعززت فرصها فى تجنب الانزلاق نحو صراع لا ينتهى.

وفى صحيفة «واشنطن بوست» أبدى ديفيد إجناتيوس دهشته من أن كلا الجانبين يمتلك حوافز هائلة للتوصل إلى اتفاق سلام، ومع ذلك يتصرف كلاهما وكأنه ليس بحاجة إلى مثل هذا الاتفاق، غير أن الشاغل الأكبر للرئيس الأمريكى سيتمثل فى ارتفاع أسعار الوقود وقرب موعد الانتخابات النصفية.

ورغم كل ذلك كشف مسئولون عسكريون أمريكيون لشبكة «سى إن إن» الإخبارية أن الجيش يعمل على إعداد خطط جديدة تستهدف القدرات الإيرانية فى مضيق هرمز، فى حال فشل وقف إطلاق النار مع طهران.

أما النظام فى إيران فيتعامل مع قاطن البيت الأبيض كتاجر عقارات يستخدم أسلوب الضغط حتى اللحظة الأخيرة ليحصل على ما يريد من الطرف الذى يفاوضه، لكنه انكشف لإيران فعرفت كيف تصمد أمام ضغوطه وتلاعبه مستخدمة نفس أدواته بامتناعها عن الذهاب لإسلام آباد وإفشال السيناريو الذى كان يعد له وكأنه هو وحده القادر على كتابته دون أى اعتبار للطرف الآخر، ولذا اعتبر الإيرانيون أن ذهابهم إلى باكستان مضيعة للوقت.