تأبى إسرائيل إلا فشل الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وضع أوزار الحرب فى إيران، إذ ترقب بحذر بالغ ما يجرى فى أروقة البيت الأبيض، وتحاول استقطاب التيارات الأمريكية الداعمة لاستئناف الحرب، للتأثير على دونالد ترامب، كما سبق وضغطت عليه من البداية.
وتزامنًا مع حديث عن التهدئة، لا تألو أبواق إسرائيل جهدًا فى تسويق تأهبها لاستئناف القتال، وتساعدها المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية والعسكرية بسيل بيانات حول طبول الحرب، وكان من بينها تأكيد المؤسسة الدفاعية فى تل أبيب، أن القوات الجوية وهيئة الاستخبارات «أمان» على أهبة الاستعداد لانتقال فورى إلى وضع القتال، بداعى تصاعد التوتر وانهيار المفاوضات بين طهران وواشنطن.
وفيما أعلن ترامب تمديد الهدنة مع إيران، عازيًا القرار إلى إتاحة الفرصة أمام استمرار المسار التفاوضى، هرول مصدر إسرائيلى، وصفته «هيئة البث» العبرية بـ«رفيع المستوى»، معلنًا أن «إسرائيل متشككة فى إمكانية التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، وأن حكومة تل أبيب لن تتنازل عن تنسيقها مع إدارة ترامب لاستئناف الحرب».
وعزا المصدر تعثر المفاوضات إلى ما أسماه «محاولة الإيرانيين كسب الوقت عبر حديث بأصوات متعددة»، وأضاف جازمًا: «نحن والأمريكيون على تنسيق تام، ومستعدون لاستئناف الحرب فورًا». بينما نقل موقع «والَّا» العبرى عن مصدر عسكرى فى تل أبيب استنفار الجيش لسيناريوهات تصعيد محتملة مع إيران، مؤكدًا أن إسرائيل تعمل بتنسيق كامل مع القيادة المركزية الأمريكية.
وبآلة الإعلام العبرية، عمدت إسرائيل إلى إحماء الأجواء لتحفيز واشنطن على استئناف الحرب، وتعطيل المسار الدبلوماسى، وتحت عنوان «ترامب تراجع 5 مرات عن إنذاراته الأخطر لإيران»، رأت قناة «أخبار 12» العبرية، أنه قبل شهر تمامًا، وجه ترامب «إنذارًا نهائيًا وواضحًا»، توعَّد فيه إيران بتدمير البنية التحتية للطاقة خلال 48 ساعة، إذا لم تفتح مضيق هرمز، ومضت القناة المحسوبة على اليمين المتطرف، تقول: «منذ ذلك الحين، أجّل ترامب الموعد النهائى الذى حدّده 5 مرات على الأقل، وكان آخره إعلانه، إرجاء ضرب إيران دون تحديد مهلة زمنية».
ووسط سيل التحريض، مدَّدت المحللة الإسرائيلية، آنا بريسكى، حرب إيران على طاولة التشريح، مشيرة إلى أنها لم تنته «حتى الآن» بانتصار واضح لأى طرف، وعزت مد الهدنة مع إيران إلى تراجع واشنطن قبل تفاقُم مشاكلها. وفيما منحت الهدنة إيران فرصة لالتقاط أنفاسها، استفادت إسرائيل من الضغط العسكرى على عدوها الأكبر، لكنها لا تزال بعيدة عن إحراز أهدافها التى وضعتها من البداية.
وفى مقالها المنشور بصحيفة «معاريف»، رأت بريسكى أن النتيجة الظاهرة حاليًا، كما هو الحال فى غزة ولبنان، هى وقف هش لإطلاق النار، بدلًا من حل جذرى، ويعنى ذلك فى قاموس منطقة الشرق الأوسط: تهيئة الأجواء لجولة جديدة من الاشتباك العسكرى.
وأوضحت أن حرب إيران كشفت فجوة هائلة بين النجاح العملياتى والنتيجة الاستراتيجية، زاعمة أنه رغم استحالة التشكيك فى التفوق الأمريكى - الإسرائيلى على إيران جوًا وبحرًا، واتساع نطاق الضرر الذى لحق بالدولة الفارسية، إلا أن النتيجة النهائية تؤشر على أن عدد منصَّات إطلاق الصواريخ والمسيَّرات الإيرانية التى دُمرت أقل بكثير مما تم إعلانه من البداية.
وذهبت إلى أنه «فى الشرق الأوسط غالبًا ما يكون الانطباع الأول عن الحروب مُضللًا: إذ يبدو أن العدو قد مُنى بهزيمة ساحقة، ولا يتضح إلا لاحقًا ما تبقى فى مخازنه، وما يمكن استعادته، ومدى قدرة النظام على الصمود أكثر مما تصور الخصوم».
وألمحت إلى أن الرئيس ترامب شرع كعادته فى التهديد، مستخدمًا أقصى درجات الخطاب الحاد، لكنه وجد نفسه أمام خيار أقل بريقًا: تصعيد عسكرى آخر، قد يشمل غزوًا بريًا، أو أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية المدنية والاقتصادية فى إيران، أو اتفاقًا دبلوماسيًا يوقف نزيف الأزمة.
وأوضحت: «آثر ترامب الخيار الأخير، ليس لأنه اقتنع فجأة بفضائل المصالحة، بل لأنه أدرك على ما يبدو أن ثمن الاستمرار قد يكون باهظًا للغاية على مستويات اقتصادية وسياسية وإقليمية».
وبحسب الباحثة الإسرائيلية، انفتح الطريق إلى إسلام آباد عن هذه النقطة، وعرض الأمريكيون حزمة سخية نسبيًا من التنازلات الاقتصادية مقابل تغيير فى وضع مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، وإعادة فتح مضيق هرمز. لكن، على عكس التصريحات الرسمية فى وسائل التواصل الاجتماعى، لم يرحب الإيرانيون بالعرض فورًا.
وأضافت: «على العكس، ما زال الإيرانيون يحاولون تحسين مواقفهم، وكسب الوقت، واستخلاص أقصى قدر من البقاء والشرعية من الأزمة. ويُظهر تاريخ المفاوضات مع إيران أن العنوان عادة ما يكون الجزء الأسهل، لتكمن المشكلة الحقيقية فى البنود الصغيرة، والتعريفات، والجداول الزمنية، وآليات المراقبة، ومسألة تحديد الجهة المسئولة عن تفسير كل بند».
واعترفت بأن إسرائيل لا تستطيع فى المقابل تخليًا عن قلقها عند استشراف مآلات التفاوض مع إيران فى ظل هذا الوضع، لا سيما إذا تبيَّن أن الاتفاق المزمع «بمنظور حكومة تل أبيب» ضعيف أو غامض. عندئذ، قد تجد إسرائيل نفسها فى مواجهة إيران مُنهكة، لكنها لم تتجرد من قدراتها الحيوية، والأهم من ذلك، أن طهران استوعبت درسًا مهمًا: إغلاق المضيق، أو التهديد الحقيقى لحركة الملاحة من خلاله، أصبح سلاحًا استراتيجيًا وأكثر فعالية مما كان يُعتقد سابقًا. ومن وجهة نظر طهران، هذه ورقة ضغط يمكن استخدامها مجددًا فى المستقبل.
وخلصت بريسكى إلى أن المرحلة التالية تبدو متوقعة إلى حد كبير، إذ من المستبعد دخول القوات الأمريكية برًا فى الوقت الراهن، وأن استمرار المفاوضات ربما يكون تحت جولات أخرى من الضربات، إذا حاولت إيران المماطلة وانتظار الوقت المناسب، مشيرة إلى أنه حتى فى حال التوصل إلى اتفاق، فمن غير المستبعد أن يستغرق ذلك وقتًا أطول من آمال الأسواق العالمية.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







