يوميات الأخبار

عِشق الموَّال وفن الواو

د. محمد أبوالفضل بدران
د. محمد أبوالفضل بدران


فن الواو فن شعبى انتشر فى صعيد مصر فى فترة ما، وهو فن قولى شفاهى؛ أى غير مُدَوَّن، تحفظه صدور رواته ومُحِبِّيه.

حضور الأدب الشعبى

الناس فى مصر وبخاصة فى الصعيد مُتيّمون بالأدب الشعبى لأنه القريب من أفهام الناس لغةً ومعنى، ولذا نجد التفاف الناس حول القوّالين الذين نقلوا حِكَم القدامى ورؤى الناس دون أن يتكبروا عليهم بالتنظير والغموض، بل أخذوا من أفواه الناس كلامهم وصاغوا منه الموال وفن الواو معبّرين عن أحوال الناس فى الفرح والحزن، وقد شغفتُ بقدرة هؤلاء على نسج الجُمل الشعرية بإيقاعها وبلاغتها لإيصال رسالة إلى المتلقى حاملة خبرات السنين وأوجاع الدهور ومختزلة تجارب الكبار فى زهوهم وانكسارهم. وكم كنتُ أعجب من حفظ الكبار مئات -بل آلاف- الأبيات الشعرية التى حوت الجناس التام والتجانس المعنوى والجمال والدهشة، ولذا وجهتُ طلابى فى الدراسات العليا لجمع هذا الكنز المعرفى المُعرَّض للنسيان، فجمعه بعضهم وحققوه ولكنه يحتاج إلى جهود جامعات مصر ووزاراتها، فجهود الأفراد تظل محدودة. ولو أن أقسام اللغة العربية قامت بهذا الدور لوجدنا كنوزا من الأدب الشعبى للتحقيق والدراسة، فهل تضطلع بهذا الدور؟

فتاة تُضرب فى جنازة

ما يزال ضميرى يؤنبنى عندما أتذكر هذه الحادثة التى حدثت قبل سنوات عندما وجّهت طلابى الذكور لجمع التراث الشفهى الرجالى كالموال والحِكم وفن الواو والمناظرات وغيرها بينما طلبتُ من الطالبات أن يسجّلن «العدّيد» -وهو فن الرثاء فى الجنائز عندما تتجمع النسوة مُؤلِّفاتٍ شعرا فى رثاء المتوفى أو المتوفاة- وهو فن بديع حزين فتحمستْ إحدى الطالبات فى إحدى القرى وذهبت لجنازة بقريتها وقد خبّأت مسجلا صغيرا بين طيات ملابسها للتسجيل، وعندما انتهى الشريط أحدثَ المسجل صوتا فانتبهتْ أخت المتوفى التى أخرجت المسجل من طيات ملابس الطالبة المعزية متهمة إياها بأنها فَرِحة بموت أخيها وشامتة لأن المسجل والراديو والتليفزيون من العيب أن يفتح فى القرى فى أثناء الجنازة والأيام الثلاثة للعزاء فكيف بها وقد أحضرته فى داخل «الواجب» فنالت «عَلقةً» مؤلمة وحطموا المسجل وطردوها من العزاء.

فن الواو والموال

لأخى وتلميذى النجيب الدكتور فوزى عبد السميع أحمد محمد الذى أشرفت عليه فى رسالتيه لنيل الماجستير والدكتوراة ولع شديد بفن الواو والموال، وهذا يعود لأسباب عدة منها أنه شاعر وأنه ينتمى إلى قرية حجازة الشهيرة بفنون القول ولا سيما الشعر والفصاحة فهى من أوائل القبائل العربية التى جاءت مع الفتح الإسلامي، وقد جاءت قبائل عربية أخرى فى أثناء تعرض شبه الجزيرة العربية لجفاف وقحط وحروب وسيول فعبرت البحر الأحمر من ينبع لميناء عيذاب (قريب من القصير حاليا) ثم ساروا نحو الوادى واستقروا بحجازة التى غدت موطنا للبلاغة، ومن هنا فقد اهتم الدكتور فوزى عبدالسميع بجمع الموال وفن الواو ودرسهما دراسة مفيدة وجمع ما يمكن جمعه من فنول القول الشفهية التى لم تعد الذاكرة الجمعية قادرة على حفظها دون تدوين كما كانت فى عصور لم تمتلئ الذاكرة بما امتلأته به من أدران صوتية وكلمات لا تفهم وألحان نشاز وأداء غير مطرب.

فنون القول

من الفنون الشفهية فن الواو الذى يقال إن ابن عروس قد خطا به خطوات كبيرة حتى أعاده لنا الشاعر الكبير عبدالستار سليم فى عصرنا فرتبه ووظفه وبعثه لتلقفه الذائقة الجمعية التى وجدت فيه حكمتها وغموضها وألفاظها ومعانيها؛ وجاء الشاعر عادل صابر ليتم ما بدأه الشاعر عبدالستار سليم ويبنى عليه وينسج نسيجه الخاص ومعه كوكبة كثيرة من مفتونى فن الواو وسحبوا بساط الجمهور من الشعر الفصيح الغامض تاركينه لمؤلفيه والتفوا حول شعراء العامية لأنهم يفهمونهم ويعبرون عن آلامهم وآمالهم؛ بينما وجدت الجموع فى الموال خيمة الشكوى وعباءة تتدثر بها من غوائل الزمن وتبوح من خلاله بآهاتها معبرة عن حزنها وانكساراتها وصراعها مع الزمن والفقر وتمسكها بالقيم والأصول.

التعريف بفن الواو


يعرف الشاعر عبدالستار سليم فن الواو أنه «فن شعبى انتشر فى صعيد مصر فى فترة ما، وهو فن قولى شفاهى؛ أى غير مُدَوَّن، تحفظه صدور رواته ومُحِبِّيه، وكما هو معروف من خصائص الشعر الشعبى التى تُمَيِّزه أنه يعتمد على اللغة الشعبية كأداة للتشكيل الفنى مع الإيقاع الموسيقى المُحَدَّد، وذلك بعد أن تجاوزت اللغة الشعبية «أداة هذا الشعر» حدود القواعد النحوية والصرفية، ويضاف إلى ذلك كله خاصية مجهولية المؤلف غالبا، وكما أن الموال البغدادى (الرباعى) يعتمد على نظام الأغصان الأربعة «ذات قافية موحدة» فكذلك فن الواو يعتمد على نظام الشطرات الأربع التى تُكَوِّن بيتين شعريين، ولها نسق موسيقى خاص، ويُشْتَرط أن تتخذ الشطرتان الأولى والثالثة فى القافية نفسها، والشطرتان الثانية والرابعة فى قافية مُغَايِرَة لسابقتها، كما يعتمد هذا الفن على التجنيس (الجناس بمعناه اللغوى تامًا كان أو ناقصًا) المُغْرق أحيانًا فى التعمية.
ويكمل الدكتور فوزى أن فن الواو «كانت بدايته على يد ابن عروس القوصى وعلى النابى، وعبد الله لهلبها الإسناوى، وأحمد القوصى، وحسن الفرشوطى، وحسين زوط ومن المحدثين عبدالستار سليم، ومحمد خربوش، وعادل صابر على سبيل المثال لا الحصر».

فن الموال والتعبير عن الناس

يرى الدكتور فوزى أن الموال هو فن قولى شفاهى يحمل حكمة الشعوب والسنين التى ترجمها القوّالون وتغنى بها أهل الصعيد طارحين من خلالها قضاياهم الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية وتناوله الظُرَفاء من القوم والمتفكهون فى بعض المواقف، ويسير على تقفية معينة تختلف عن الفنون القولية الشفاهية الأخرى، وينفرد فيه المُغَنِّى بمصاحبة أو بدون مصاحبة آلية وأقل تركيبة للموال أربعة أشطر بوجه عام وغالبًا ما يكون على بحر البسيط. يلجأ الشعراء إلى الانفتاح على النصوص القرآنية والأحاديث النبوية يضمنونها مواويلهم ليُضْفوا على أشعارهم الصبغة الدينية التى تجد

قبولًا واستحسانًا من المُتَلَقِّى، ويُقْبل عليها المُسْتَقْبِل بخشوع وتضرع إلى الله؛ كقول الشاعر محمد الأمين خربوش:

قال: إقرا إنت النبى

رد: إيش أقرا؟ ما عارف

قال قلبى أنا أنَّ بى

صار طه سيد المعارف

ولتوضيح الكلمات: «إيش : أى شيء؟ كلمة بمعنى ماذا؟، أنّ بى: من الأنين؛ أى الوجع».

وهذا التناص اقتباس من القرآن الكريم لبعض كلمات الآيات «اقرأ»، وقوله «رد ايش اقرا ما عارف» اقتباس من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم «ما أنا بقارئ» ردًا على الأمين جبريل فى غار حراء.

ويقول الشاعر الراوى فايز أبو حمزة:

بر الولايا اتنسى دين

كُرْهًا جابوك بعد كُرْها

فى الدنيا كم شفنا نساوين

أَرجَل كتير من دُكورها

ويقول الشاعر فايز أبوحمزة:

إحنا اللى فاتنا الزمن ولا إحنا ليه فتنا

تايهين فى بحر وظلم ما رمانا فوق حوتنا

ضعنا فى كهف الفتن ننده نقول يا مين

عاملين نايمين وإحنا فى الأساس متنا

ويقول الشاعر جابر العبد:

مش كل عابر سبيل النية تِرتَحْلو

ولا كل شحات ماشى، الباب تفتحلو

ولا كل دمعة بتمحى جملة الأحزان

ولا كل ندل وجبان فى السلم تجنحلو

مش: بمعنى لا، ترتحلو: تطمئن له، تمحى: تمسح، جبان: شديد الخوف؛ ممتنع عن الإقدام.

ويتخذ الراوى حمادة العجمى من قصة سيدنا يوسف عليه السلام مدخلا للتكلم عن ظلم ذوى القربى، يقول:

اخواته يبكوا بكدِّيب

بالزور لأبوهم بيفتوا

ليعقوب نبينا بكى الديبْ

قال يوسف أبدًا ما شفته

ويقول عبدالناصر أبوبكر:

معصوم كان ابن يعقوب

معذورة كانت زليخهْ

مين ع الحلاوة ده يعقوب

أعصابنا تعبت يا شيخهْ

بن يعقوب: يوسف -عليه السلام-، ده يعقوب: يعاقب، شيخة: لفظ يطلق على شخص مقصود.

فى النهايات تتجلى البدايات

قال الشاعر عبدالستار سليم:

عِـيـنِى رأت سِـرْب غِــزلانْ/ فيهُم غـزالــة شــريــدهْ

وِالقلب لـمّا اتْــنَـغَزْ لانْ/ شاوَر وِقال لى شاريدهْ

ماشْــيَة الـبِـنَـيَّة بخُـلْخالْ/ تُـخْـطُر كما فِـرْع مايِــلْ

عِـشْق الـصبايا يابو الخالْ/ عامِل فى قلبى عــمــايِــلْ