يُحسب للرئيس السيسى أنه صاحب المبادرة فى التنمية الشاملة لسيناء، وأن تكون البداية عبر ربط سيناء بالوادى والدلتا بواسطة شبكة طرق وأنفاق تجعل الوصول إلى سيناء ومد يد التنمية لكل ربوعها أمرًا ميسورًا، بعد أن كان فى الماضى حلمًا صعب التحقيق.
تكشف الرواية الأمريكية أن لحظات التفاوض لم تكن سهلة. فقد وصلت المحادثات إلى حافة الانهيار أكثر من مرة، خصوصًا عندما طرح بيجن ترتيبات جزئية أو انتقالية طويلة الأمد
نعيش فى ذكرى 25 أبريل، واحدة من أعظم انتصاراتنا. كان يومًا من أيام الربيع الذهبى لعام 1982، وفيه رفعت مصر علمها على كامل أرضها، باستعادة العريش وساحل سيناء بالكامل شمالًا وجنوبًا، فيما عدا طابا التى استعدناها لاحقًا بالعمل القانونى والدبلوماسي، وهذا العمل كان مؤيدًا بقوة دولة وجيش اختبرهم العدو جيدًا، فقرر عدم مواجهتهم مرة أخرى بالحروب التقليدية.
ربما لا ينتبه الكثيرون إلى أن الزعيم الراحل أنور السادات، بطل الحرب والسلام، كان أول من تصدى لفكرة «إسرائيل الكبرى». ويُقصد بـ «إسرائيل الكبرى» المفهوم الأيديولوجى الذى كان يؤمن به رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق مناحيم بيجن، والذى يقوم على رفض الانسحاب من الأراضى المحتلة، والتمدد على حساب دول الجوار.
وفق ما ترويه وثائق وزارة الخارجية الأمريكية حول اتفاقيات كامب ديفيد، فإن الرئيس السادات دخل المفاوضات وهو يواجه طرحًا متصلبًا من بيجن، الذى تمسك برفض الانسحاب الكامل، وبفكرة الإبقاء على السيطرة الإسرائيلية على الأراضى المحتلة، خصوصًا الضفة الغربية وقطاع غزة، تحت مسمى «الحكم الذاتي»، وهى صيغة اقترحتها إسرائيل لمنح الفلسطينيين صلاحياتٍ إدارية محدودة مع بقاء السيادة الأمنية والعسكرية بيدها.
وتشير الوثيقة الأمريكية بوضوح إلى أن بيجن سعى إلى صياغات تُبقى السيادة الفعلية لإسرائيل، بينما كان السادات يرفض أى تسوية لا تقوم على مبدأ واضح: إنهاء الاحتلال مقابل السلام، ومنذ اللحظة الأولى، وضع السادات سقفًا تفاوضيًا حاسمًا يتمثل فى الانسحاب الكامل من سيناء، وكان يعتبر أن أى صيغة تنتقص من هذا المبدأ تعنى إفراغ السلام من مضمونه.
وتكشف الرواية الأمريكية أن لحظات التفاوض لم تكن سهلة. فقد وصلت المحادثات إلى حافة الانهيار أكثر من مرة، خصوصًا عندما طرح بيجن ترتيبات جزئية أو انتقالية طويلة الأمد، هذه الترتيبات كانت تهدف عمليًا إلى تثبيت الواقع القائم، هنا استخدم السادات تكتيك الضغط السياسي، ملوحًا بعدم الاستمرار إذا لم يتحقق تقدم حقيقي، وهو ما دفع الوسيط الأمريكى جيمى كارتر إلى التدخل المُكثف، وتوضح الوثيقة أن كارتر اضطر إلى الدخول فى مفاوضاتٍ تفصيلية مع بيجن لإقناعه بتقديم تنازلات، خاصة فيما يتعلق بتفكيك المستوطنات الإسرائيلية فى سيناء. وكان هذا الملف من أكثر الملفات حساسية، حيث كان بيجن يرفض المساس بالمستوطنات باعتبارها جزءًا من رؤيته الاستراتيجية.
وتحدثت الوثيقة الأمريكية بوضوح عن أن ما تحقق فى الاتفاق النهائى عكس انتصارًا واضحًا للطرح المصرى فى ملف سيناء، إذ نُص على انسحاب إسرائيلى كامل وتفكيك المستوطنات، وهو ما مثّل تراجعًا عمليًا عن منطق «الاحتفاظ بالأرض» الذى حاول بيجن ترسيخه، صحيح أن الإطار الخاص بالقضية الفلسطينية جاء بصيغة أقل حسمًا، لكنه ظل محل خلاف داخل المفاوضات نفسها.
غير أن الدلالة الأهم، كما تعكسها الرواية الأمريكية، هى أن السادات نجح فى كسر الفكرة المركزية التى انطلق منها بيجن، أى استحالة التنازل عن الأرض، وأثبت أن التفاوض المدعوم برؤية استراتيجية يمكن أن يفرض على إسرائيل إعادة النظر فى ثوابتها، على الأقل فى الحالة المصرية.
لم تتوقف عجلة الزمن عن الدوران، وعادت سيناء إلى الواجهة فى زمن حكم تنظيم الإخوان الإرهابي، حاول التنظيم فتح أبواب سيناء أمام عمليات تهجير الفلسطينيين، أى تنفيذ ما يُعرف بـ «مخطط الوطن البديل». ويقصد به توطين اللاجئين الفلسطينيين فى أراضٍ خارج فلسطين التاريخية، مثل: سيناء أو الأردن أو لبنان، بدلاً من تمكينهم من العودة إلى ديارهم.
وكشف الرئيس الفلسطينى محمود عباس (أبو مازن) عن أن الإخوان خلال حكم مصر عرضوا عليه فكرة تخصيص جزء من سيناء لتوطين الفلسطينيين، وهو ما رفضه بشكل قاطع، معتبرًا ذلك تخليًا عن أرض فلسطين ومدخلًا لتصفية القضية وليس حلها.
وتوضح رواية عباس أن هذا المقترح كان مرتبطًا بمشروعاتٍ أوسع طُرحت فى دوائر إسرائيلية وأمريكية، مثل: مشروع «غيورا آيلاند»، وهى خطة هدفها توسيع قطاع غزة داخل أراضى سيناء مقابل ترتيبات إقليمية أخرى، بما يخلق كيانًا فلسطينيًا منفصلاً عن الضفة الغربية والقدس.
هنا تجلى جوهر الرفض الفلسطيني، إذ اعتبر عباس أن القبول بمثل هذه الطروحات يعنى التخلى عن الثوابت الأساسية، وعلى رأسها: حق العودة والقدس، كما يعنى تحويل القضية من صراع على أرض محتلة إلى مسألة توطين إنسانى فى أراضٍ بديلة، ولذلك عبّر عباس بشكل مباشر عن رفضه، قائلًا: إنه لن يقبل «سنتيمترًا واحدًا» خارج الأرض الفلسطينية، فى إشارة إلى تمسكه بالإطار الجغرافى والتاريخى للصراع.
وبعدها اشتعلت أرض سيناء بمواجهة قوية بين الجيش المصرى الباسل وشراذم الجماعة الإرهابية وحلفائها، الذين حاولوا تنفيذ المشروع الإسرائيلى عبر استخدام سلاح الإرهاب، إلا أن القوات المسلحة وقبائل سيناء تصدوا ببسالة نادرة للمخطط، حتى تم القضاء عليه وقطع دابر الإرهاب.
ثم دارت عجلة الزمن لنصل إلى محطة ما سُمى «طوفان الأقصى»، أى العملية العسكرية التى قادتها حماس فى 7 أكتوبر 2023 ضد إسرائيل، ودعمتها إيران وأذرعها فى المنطقة، وأدت إلى حرب واسعة فى غزة، وارتكاب إسرائيل لجرائم ضد الإنسانية وسط صمت دولى مطبق. واستغلتها الحكومة الإسرائيلية لإعادة تسويق مشروع الوطن البديل إلى الواجهة، مصطحبًا أوهام إسرائيل الكبرى.
وعادت إسرائيل لتكثيف الضغوط على مصر من أجل تهجير سكان قطاع غزة إلى سيناء، وصاحبت هذه الضغوط حملة ضغط سياسى على الدولة المصرية، ومعارك غير تقليدية واستخدام مُكثف لوسائل التواصل الاجتماعى شارك فيها تنظيم الإخوان الإرهابي، حيث كثف التنظيم فبركة القصص التى تتحدث عن إغلاق مصر للمعبر بالتزامن مع تظاهر عناصر التنظيم الإرهابى أمام السفارات والقنصليات المصرية فى الغرب، تحت زعم إغلاق معبر رفح الذى احتلته إسرائيل من الجانب الفلسطيني، ثم انكشف التعاون الخفى بين إسرائيل والإخوان، بسماح الحكومة الإسرائيلية لقادة التنظيم الإخوانى داخل إسرائيل بالتظاهر أمام مبنى السفارة المصرية فى تل أبيب.
تصدت الدولة المصرية بكل مؤسساتها للمخطط المتجدد، ووضع الرئيس عبدالفتاح السيسى خطًا أحمر برفض أى محاولة لتهجير الفلسطينيين، بالتزامن مع تقديم كل سبل الدعم للأشقاء المُحاصرين فى غزة. وعبر التفاوض النشط مع الولايات المتحدة، وصلنا إلى إنهاء حرب غزة بتوقيع اتفاق شرم الشيخ عام 2025. وهكذا حققت مصر انتصارًا جديدًا على فكرة إسرائيل الكبرى، وحافظت على القضية الفلسطينية حية، رغم كل محاولات الابتزاز والتشويه للموقف المصري.
لم تتخلَّ مصر عن الأشقاء فى قطاع غزة، وكسرت حصارهم بحضور مصرى مُكثف داخل القطاع من خلال عمل اللجنة المصرية لإغاثة أهالى غزة، والتى قدمت نموذجًا عمليًا للدعم الشامل عبر تنفيذ مئات المشروعات فى قطاعات الإسكان والطرق والتعليم، ضمن منحة مصرية لإعادة الإعمار قُدّرت بنحو 500 مليون دولار، وتشمل: بناء وتطوير مدارس ووحدات سكنية، ورفع كفاءة البنية التحتية، مما أعاد الحياة إلى مناطق واسعة داخل القطاع.
وحصل ذلك العمل على تقدير أطفال غزة بهتافهم فى ساحات مدرسة شُيّدت بأيادٍ مصرية: «شكرًا مصر»، فى إشارة إلى أن الأمر قد تجاوز حدود الامتنان العابر، لنصبح أمام شهادة حية على أن الفعل المصرى لم يكتفِ بترميم الحجر، بل امتد ليعيد بناء الإنسان ذاته.
ويُحسب للرئيس السيسى أنه صاحب المبادرة فى التنمية الشاملة لسيناء، وأن تكون البداية عبر ربط سيناء بالوادى والدلتا بواسطة شبكة طرق وأنفاق تجعل الوصول إلى سيناء ومد يد التنمية لكل ربوعها أمرًا ميسورًا، بعد أن كان فى الماضى حلمًا صعب التحقيق. وعالج ثغرة التهميش بالمشروعات القومية المُكثفة، فلم تعد الدولة تتعامل مع سيناء بوصفها مجرد مساحة تحتاج إلى خدمات، بل باعتبارها جبهة استراتيجية يُعاد تأمينها عبر هندسة تنموية شاملة.
فعلى سبيل المثال، مشروع خط السكة الحديد (بئر العبد – العريش – رأس النقب) بطول 341 كم، وربطه المباشر بميناء العريش عبر وصلة لوجستية بطول 12 كم، لا يختصران المسافات فقط، بل يعيدان صياغة موقع سيناء داخل معادلة الاقتصاد الوطني، عبر ربط مناطق الإنتاج بالموانئ وتعزيز كفاءة حركة البضائع والتجارة.
وبالتوازي، يأتى تطوير طريق المثلث ضمن مبادرة «حياة كريمة» ليجسد البعد الاجتماعى لهذه الرؤية. فالدولة لا تكتفى بمد البنية التحتية، بل تعمل على تحسين جودة الحياة اليومية للمواطن السيناوي، من خلال طرق أكثر كفاءة، وخدمات أكثر انتظامًا، وبيئة تنموية قابلة للاستدامة. وبذلك تتحول الطرق إلى شرايين حياة، والسكك الحديدية إلى خطوط ربط استراتيجي، وفق معادلة مصرية حاسمة: لا أمن دون تنمية، ولا استقرار دون حضور فعلى للدولة على الأرض.

نوال مصطفى تكتب: صباح الأحد
التغيير للأفضل
المركز الطبى العالمى







