فى لحظة احتفالية تستعيد فيها السينما العربية أحد أبرز رموزها، يحتفى مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، برئاسة الناقد محمد علال، بالمخرج المصرى العالمى يوسف شاهين، وذلك ضمن فعاليات دورته السادسة التى انطلقت مساء أمس الجمعة فى عنابة، المدينة المعروفة بلقب «جوهرة المتوسط».
ويأتى هذا الاحتفاء بمناسبة مئوية ميلاد شاهين، حيث تم تكريم اسمه فى حفل الافتتاح، إلى جانب تنظيم ليلة مصرية تقام غدًا الأحد، يعرض خلالها عدد من أبرز أعماله، من بينها «عودة الابن الضال» و«باب الحديد» و«النيل والحياة»، فضلًا عن معرض خاص لملصقات أفلامه، فى استعادة بصرية لذاكرة سينمائية ثرية.
غير أن هذا التكريم لا يتوقف عند حد الاحتفاء، بل يفتح بابًا واسعًا لإعادة قراءة العلاقة المركبة التى جمعت شاهين بالجزائر؛ تلك العلاقة التى لم تكن عابرة أو ظرفية، بل تشكلت عبر مسارات متشابكة من النضال السياسي، والتعاون الإنتاجي، والتجريب الفني، وأحيانًا التوتر.
فالاحتفاء بشاهين فى عنابة، خاصة من خلال عرض أعماله ذات الإنتاج المشترك، لا يقتصر على البعد الرمزي، بل يعيد طرح تساؤلات حول تجربة سينمائية ظلت، رغم ثرائها، أقل تناولًا فى الدراسات العربية، خصوصًا فيما يتعلق بعلاقته بالجزائر كفضاء سياسى وثقافى وإنتاجي.
تعود جذور هذه العلاقة إلى فيلم «جميلة» (1958)، الذى تناول سيرة المناضلة جميلة بوحيرد خلال الثورة الجزائرية، وهو العمل الذى وضع شاهين فى موقع المخرج المنخرط فى قضايا التحرر، وساهم فى تدويل القضية الجزائرية عبر السينما.
وفى سبعينيات القرن الماضي، ومع تصاعد القيود الرقابية فى مصر، وجدت تجربة شاهين فى الجزائر مساحة أكثر حرية، حيث تعاون مع المخرج والمنتج أحمد راشدي، ليقدم عددًا من أبرز أعماله، مثل «العصفور»، و«عودة الابن الضال»، فى هذا السياق، لم تكن الجزائر مجرد جهة تمويل، بل شريكًا حقيقيًا فى مشروع سينمائى بديل، أتاح لشاهين مساحة أوسع للتجريب والتعبير، وأسهم فى وصول أفلامه إلى دوائر التوزيع الأوروبية، ويمكن قراءة علاقة يوسف شاهين بالجزائر عبر مستويين متداخلين؛ الأول نضالي، يتمثل فى دعمه للقضية الجزائرية وتوظيفه السينما كأداة تحرر، والثانى إنتاجي، من خلال شراكة حاسمة أسهمت فى إنقاذ وتوسيع مشروعه الفني.
فى النهاية، لا يمكن اختزال هذه العلاقة فى نموذج مثالى بقدر ما هى تجربة إنسانية وفنية معقدة، تعكس طموح سينما عربية مشتركة اصطدمت أحيانًا بحدود الواقع السياسى واختلاف الرؤى، ولكن يمكن اعتبارها من أغنى التجارب فى تاريخ السينما العربية.

المنشاوى.. العظيم
محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها







