أوراق شخصية

شهادة تحت التهديد

د. آمال عثمان
د. آمال عثمان


جاءت كلمات فرانشيسكا ألبانيز، كصرخةٍ خارجةٍ من قلب المشهد. حين وصفت الجيش الإسرائيلى بأنه «الأكثر انحطاطًا»، لم يكن ذلك انفعالًا عابرًا، بل استجابة مباشرة لمشهدٍ موثّق: جنود مدججون بالسلاح يعتدون على أطفال فلسطينيين فى إحدى قرى رام الله.

فيديو يكشف، واقعًا يتجاوز الحادثة إلى بنية كاملة من العنف المُمنهج، لم تكن المقررة الأممية لحقوق الإنسان فى الأرض الفلسطينية المحتلة بحاجة إلى مزيد من الأدلة؛ فقد رأت ما يكفى لتقول ذلك بيقين تام، وتُسقط قناعًا طال بقاؤه: قناع تبرير يُلبس العنف ثوب «الأمن»، ويُعيد إنتاج الوحشية فى هيئة دفاعٍ عن النفس.

ولم يكن التصريح انفعالًا عابرًا، بل امتداد لشهادة موثّقة قدّمتها فى تقرير «تشريح إبادة جماعية» الصادر فى مارس 2024.

لكن ثمن الشهادة كان فادحًا. فمنذ أن وضعت تقريرها على طاولة الأمم المتحدة، تحوّلت إلى هدف مباشر: تهديدات بالقتل، وملاحقات طالت زوجها، ومكالمات مجهولة تتوعد ابنتها بالاغتصاب مع ذكر اسم مدرستها فى تونس؛ فلجأت إلى الشرطة طلبًا للحماية، بعد أن وصل الأمر للترهيب الشخصى. إنها ليست ضريبة رأى، بل فاتورة الحقيقة.

الأخطر أن الهجوم لم يأتِ فقط من مجهولين فى الظلام، بل من عواصم كبرى. فقد دعت دول أوروبية مثل: ألمانيا وفرنسا وإيطاليا علنًا إلى استقالتها، لأنها طالبت بإحالة مسئولين أمريكيين وإسرائيليين إلى المحكمة الجنائية الدولية، ورفضت أن تبقى شاهدًا صامتًا يكتفى بالتوثيق دون تسمية الجريمة. لكن ذلك لم يُوقفها. أصدرت كتابها «حين ينام العالم: قصص وكلمات وجراح فلسطينية مفتوحة»، ويبدأ بحكاية هند رجب، الطفلة التى استغاثت بالهلال الأحمر من داخل سيارة عائلتها، قبل أن تُقتل معهم. 

هنا تتضح القاعدة الجديدة: لم يعد كافيًا ارتكاب الجريمة، بل بات إسكات مَن يُوثقها ضرورة. تهديد ابنة فرانشيسكا رسالة لكل شاهد: إن تكلمت، سندخل إلى بيتك. والمفارقة أن تلك «الهجمات السامة» تمثل دليلًا إضافيًا على خطورة ما كشفته. فالأنظمة التى لا ترتكب إبادة لا تحتاج إلى تهديد أطفال الشهود، أو ملاحقة عائلاتهم. فالحقيقة لا تخشى الضوء.

تصريحها عن «الجيش الأكثر انحطاطًا» لم يكن توصيفًا لجندى، بل تشخيصًا لمنظومة كاملة: تُنتهك فيها الطفولة، ويُلاحق فيها الشهود. وحين يصبح الشاهد متهمًا، فاعلم أن الجريمة لم تعد فعلًا عابرًا، بل نظامًا متكاملاً، وأن الصمت الدولى لم يعد حيادًا، بل تواطؤًا.