بطلة من ورق.. حكاية عداءة استقلت المترو لتربح سباق الماراثون

العداءة روزي رويز
العداءة روزي رويز


لم تكن تتصبب عرقاً، ولم يدق قلبها تعباً، بل كانت تلوح بيدها للجماهير بابتسامة ناصعة كأنها في حفل زفافها، لا ماراثوناً شاقاً امتد لـ 42 كيلومتراً.

وفي ذلك اليوم من عام 1980، عبرت روزي رويز خط النهاية في ماراثون بوسطن محطمة الأرقام القياسية، لكنها في الحقيقة لم تكن تركض خلف المجد، بل كانت تستقل مترو الأنفاق في واحدة من أغرب قصص الاحتيال الرياضي التي عرفها العالم، لتبقى ذكراها درساً في أن الطرق المختصرة قد توصلك لخط النهاية.. لكنها أبداً لا تصنع بطلاً.

 

◄ البداية

 

الزمان في 21 أبريل 1980، والمكان ماراثون بوسطن الشهير، حيث وقعت واحدة من أغرب المفاجآت؛ حينما عبرت شابة غير معروفة تدعى روزي رويز خط النهاية في المركز الأول، ولم تكتفِ "روزي" بالفوز فقط، بل حققت زمناً قياسياً قدره (2:31:56)، وهو ثالث أسرع زمن في تاريخ الماراثون للسيدات آنذاك.

صعدت روزي منصة التتويج، وتسلمت الميدالية الذهبية وإكليل الغار وسط ذهول الجميع. لم تدم فرحة روزي طويلاً، فالمحترفون في عالم الجري لاحظوا أشياء غريبة؛ لم تكن روزي تتصبب عرقاً كبقية المتسابقين، ولم يظهر عليها الإرهاق الشديد بعد قطع مسافة 42 كيلومتراً، حتى أن "بيل روجرز" بطل فئة الرجال شك فيها فور جلوسها بجانبه.

 

◄ تحقيق فوري

 

بدأت "رابطة بوسطن الرياضية" تحقيقاً فورياً، واكتشفت المفاجأة الصادمة، لم تظهر روزي في أي صورة من الـ 10,000 صورة التي التُقطت خلال أول 40 كيلومتراً من السباق! وسرعان ما تقدم طالبان من جامعة هارفارد بشهادتهما، مؤكدين أنهما شاهدا روزي وهي تقفز من وسط الجمهور لتنضم للسباق قبل ميل واحد فقط من خط النهاية.

لم يكن هذا الخداع هو الأول لروزي، فالتحقيقات كشفت أنها تأهلت أصلاً لماراثون بوسطن عن طريق الغش في ماراثون نيويورك عام 1979، حيث استقلت "مترو الأنفاق" لتصل إلى خط النهاية وتحقق زمناً يؤهلها لسباق بوسطن

ويبدو أنها حاولت تكرار الخدعة في بوسطن، لكنها أخطأت في حساباتها؛ فقامت بالقفز في المسار في وقت مبكر جداً، مما جعلها تسبق جميع المتنافسات الأخريات (448 امرأة) دون أن تدرك أنها أصبحت "البطلة" المزيفة.

 

◄ السقوط من القمة إلى القاع

 

بعد 8 أيام من الفوز المزعوم، جردت روزي من لقبها، وأُعلنت الكندية جاكلين جاريو بطلة حقيقية للسباق، لم تكن هذه نهاية متاعب روزي، فبعد أن أصبحت رمزاً للغش الرياضي، فقدت وظيفتها في نيويورك، ثم تورطت لاحقاً في قضايا سرقة واتجار بالمخدرات، وقضت فترات في السجن.

 

◄ النهاية الصامتة

 

ظلت روزي رويز تصر حتى آخر يوم في حياتها على أنها فازت بالسباق بنزاهة، ورفضت إعادة الميدالية التي استلمتها، وفي يوليو 2019، رحلت روزي عن عمر يناهز 66 عاماً في فلوريدا بسبب مرض السرطان.

رحلت "مختصرة الطريق"، لكن قصتها ظلت محفورة في تاريخ الرياضة، ليس كإنجاز رياضي، بل كدرس قاسٍ دفع منظمي الماراثونات حول العالم لوضع إجراءات أمنية صارمة واستخدام "شرائح تتبع إلكترونية" لضمان ألا يسبق المترو أقدام العدائين مرة أخرى.

وُلدت رويز في هافانا عاصمة كوبا عام 1953، وعندما بلغت 8 سنوات، أجبرها والدها على مغادرة البلاد صوب الولايات المتحدة رفقة شقيقها الأكبر.

والدها كان متخوفا من الوضع السياسي المحتدم في كوبا، وقد كان محقا، فبعد عامين من هجرة روزي إلى أمريكا، اشتعلت أزمة الصواريخ الكوبية.

قضت روزي عدة سنوات في ولاية فلوريدا، قبل أن تنتقل إلى نيويورك في مطلع السبعينيات بعد أن فشلت في إتمام دراستها الجامعية.

في السنوات التالية، ابتعدت رويز تدريجيا عن الأنظار، ودخلت في طي النسيان باسم طليقها الكولومبي.

في 8 يوليو 2019 بولاية فلوريدا، ماتت روزي رويز متأثرة بمرض السرطان.. دون أن تعترف أبدا أنها غشت في ذلك اليوم الحار في بوسطن.

"تجريدي من هذا اللقب هو ثاني أسوأ شيء حدث في حياتي، بعد إجبار والدي لي على مغادرة كوبا في عمر الثامنة".