فواصل

لبنان بين المطرقة والسندان

اسامة عجاج
اسامة عجاج


أزمات لبنان، وتعقيداته ليست خافية على أحد، وليست وليدة اليوم، منها ما يتعلق بالتركيبة السياسية، والانقسام الطائفى، ومنها أيضًا ارتهان لبنان بمعادلة إقليمية، وتحويله إلى ساحة صراع متقدمة، ومواجهات بالوكالة بين إيران وإسرائيل، حيث يدفع ثمنها، دون أى قدرة على التعاطى مع توابعها، ولكنه يعيش حاليًا  أخطرها، لأن الإدارة الأمريكية الحالية، والتى تصدت للواسطة بين بيروت وتل أبيب فى الأشهر الأخيرة، تفتقد الحد الأدنى من الوعى بأبعاد الأزمة، ويكفى أن مبعوثها المسئول عن الملف وإدارته توم باراك، من أصول لبنانية صحيح، ولكنه دخل السياسة من عالم العقارات، وله تصريحات صادمة، منها تهديده بعودة لبنان إلى الشام، وضمه إلى سوريا، كما اتهم الطبقة السياسية فى لبنان (بالمراوغة والاحتيال)، ومن سمات إدارة ترامب أيضًا البحث عن انتصارات زائفة، منها إعلان الرئيس ترامب نفسه، عن اتصال نادر بين الرئيس اللبنانى جوزف عون ونتنياهو، دون اتفاق سابق مع الأول، الذى تنصل من الأمر، رغم الاتصالات معه، كما تكرر الاستعجال، أيضًا فى الإعلان المفاجئ عن مذكرة تفاهم بين الوفدين اللبنانى والإسرائيلى، أثناء مباحثاتهم فى واشنطن فى الجولة الأولى من حوالى أسبوعين، من ستة بنود، فاجأت الجميع، دون معرفة من شارك فى صياغتها، ومن وافق عليها، ولم تؤكدها أى جهة لبنانية،  وساهمت المذكرة فى تأزيم الموقف على الصعيد الداخلى اللبنانى، خاصة وأنها تضمنت بنودًا خطيرة، منها احتفاظ إسرائيل بحقها اتخاذ كافة التدابير للدفاع عن النفس، فى أى وقت، ضد هجمات وشيكة أو جارية، ولا يجوز أن يعيق وقف الأعمال العدائية هذا الحق، فى مقابل عدم قيامها بأى عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف لبنانية مدنية أو عسكرية، ولم تشر إلى حتى نية الانسحاب الإسرائيلى، من المواقع التى احتلتها أو إعادة المهجرين، أو تسليم الأسرى، وهى المطالب الأولية للحكومة اللبنانية، وأكدت على إدراك الطرفين لضرورة الحد من أنشطة الجماعات المسلحة غير الحكومية، مع تحديد من يحق لها حمل السلاح، وربطت الهدنة واستمرارها وتقدم المفاوضات، باتخاذ الحكومة إجراءات لمنع حزب الله من تنفيذ أى هجمات، وكأن مطلوبًا من الدولة، نزع سلاح الحزب خلال أيام الهدنة العشرة، هو أمر مستحيل، وقد حدد الحزب موقفه على لسان زعيمه الشيخ نعيم قاسم فى خمس نقاط مطلوبة للانفتاح والحوار مع الحكومة وهى وقف العدوان، والانسحاب الإسرائيلى، والإفراج عن الأسرى، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار بدعم دولى، معتبرًا أن الدبلوماسية لم تحقق شيئًا، طوال الـ ١٥ شهرًا الماضية.

وقد نتفهم أسباب موافقة الحكومة اللبنانية على الذهاب إلى المفاوضات، نتيجة ضغط غير مسبوق من الداخل، من توابع استمرار العدوان الإسرائيلى الذى نتج عنه أزمة إنسانية، وحركة نزوح ضخمة، وتدهور اقتصادى هو الأسوأ، حيث يعانى لبنان من دين خارجى، وانهيار البنية التحتية، وانخفاض حاد فى احتياطيات النقد الأجنبى، وتراجع الناتج المحلى بـ ٩ بالمائة، والنسبة مرشحة للزيادة، وارتفاع كبير فى معدلات الفقر والبطالة، وقد نتفهم أيضًا حديث الرئيس جوزف عون عن إمكانية الذهاب إلى واشنطن، بدعوة من الرئيس ترامب للقاء بنيامين نتنياهو، وحديثه عن تحمل المسئولية، مهما كانت، ولكن هناك محاذير يجب أخذها فى الاعتبار، منها الانقسام الداخلى العميق، بين الموالين للحكومة داخليًا، من الأحزاب والتكتلات العديدة، وبين المعارضة لها، خاصة حزب الله، ولا نبالغ إذا قلنا، إنه يملك قدرات لا يستهان بها على الصعيد العسكرى، والدعم الطائفى، وقدرة على إرباك المشهد اللبنانى، سواء بتعطيل عمل الحكومة، بانسحاب وزراء حركة أمل وحزب الله الخمسة من بين ٢٤ وزيرًا، وفى حالة تقديم استقالتهم، تدخل لبنان فى مأزق سياسى ودستورى، وقد يلجأ الحزب إلى الحشد الجماهيرى فى الشارع، أو توجيه قدراته العسكرية للداخل، خاصة أنه يتهم الحكومة بإدخال البلاد فى مرحلة شديدة الخطورة، على وجوده كوطن، وتماسكه الداخلى ووحدته الوطنية، بعد خضوعه للإملاءات الأمريكية، وتعامله مع المفاوضات، على أنها تنازل استراتيجى بدون أى مقابل، معتبرًا الذهاب إلى خيار التفاوض المباشر مع العدو الصهيونى، جاء على خلاف الإرادة الوطنية٠ 

المؤشرات تكشف عن صعوبة إحراز تقدم فى جولة المباحثات الثانية التى تم الإعلان عن انعقادها غدًا الخميس، والأسباب عديدة، منها ما يتعلق بالبون الشاسع بين أهداف طرفى التفاوض، لبنان يطالب على لسان الرئيس جوزيف عون بوقف الأعمال العدائية، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلى لمناطق جنوبية، ونشر الجيش حتى الحدود الدولية المعترف بها، وهى أهداف مشروعة ومنطقية، بينما نتنياهو يتحدث فى تناقض فج عن وجود فرصة لحل سياسى، مع التأكيد على أن (مهمة إسرائيل فى لبنان لم تنته بعد)، وزاد عليه أحد أهم  المقربين منه، وزير الشئون الاستراتيجية رون ديرمر، الذى رسم خريطة جديدة للبنان، بعد تقسيمه إلى ثلاث مناطق أمنية، الأولى منطقة عازلة بعمق ثمانية كيلو تحت السيطرة الكاملة للجيش الإسرائيلى، والذى دمر كل مظاهر الحياة التى تمنع النازحين من العودة، الثانية المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطانى، من حدود المنطقة العازلة إلى مجرى النهر، والتى تحاول إسرائيل ضمها دون إعلان، والسيطرة عليها أمنيًا وعسكريًا، دون تواجد برى، والثالثة المنطقة شمال الليطانى وحتى الحدود مع سوريا، تكون السيطرة فيها للجيش والقوات الأمنية اللبنانية، مما يستلزم عملية نزع سلاح الله، الذى تتعامل معه إسرائيل، على أنه خطر وجودى عليها، من الضرورى شطبه من المعادلة اللبنانية، مع منع أى وجود له فى الجنوب، وإنهاء كل الصيغ القديمة، ومنها القرار ١٧٠١، ووجود قوات اليونيفيل، ولعل تلك الرؤية الإسرائيلية، تفتح الطريق على مصراعيه لمواجهة بين حزب الله وبين الجيش اللبنانى، الذى عليه أن يتحمل مسئولية عجزت تل أبيب عن تحقيها طوال حقب سابقة.

 وحقيقة الأمر، أن مصير حزب الله وسلاحه، مرتبط - شاء من شاء، وأبى من أبى - بمسار تسوية الأزمة والصراع بين إيران وإسرائيل، وفى هذه الحالة، سيتحول لبنان إلى بند ضمن بنود ذلك التفاهم الدولى والإقليمى، وهى ورقة لن تتخلى عنها طهران بسهولة، إلا إذا ضغطت واشنطن على تل أبيب باتجاه انسحابها من كافة الأراضى اللبنانية المحتلة، بعدها تنتفى أسباب احتفاظ حزب الله لسلاحه، فهل تفعل؟، لا أظن.