«الريلز».. إدمان رقمى

تداخل التكنولوجيا مع الاحتياجات النفسية «خطير وممنهج»

«الريلز».. إدمان رقمى
«الريلز».. إدمان رقمى


لم تعد مقاطع الفيديو القصيرة «الريلز» فى عصر المنصات الرقمية مجرد تعبير فنى تلقائى أو نشاط ترفيهى عابر، بل تحوّلت إلى ظاهرة معقدة تقودها  تطبيقات السوشيال ميديا، ومع تزايد سرعة العصر أصبحت تملأ الفراغ لدى البعض وكأنها ادمان «السكرول» على الهواتف المحمولة، لكنها فى الخفاء تحمل ما هو أخطر من ذلك على حسب المحتوى.
تشير دراسات فى علم الأعصاب إلى أن التعرض المستمر للمحتوى القصير والمحفّز بصريًا يعزز إفراز الدوبامين، وهو الناقل العصبى المرتبط بنظام المكافأة والشعور بالمتعة، ومع كل تمرير للشاشة، يتلقى الدماغ جرعة سريعة من التحفيز، ما يدفع المستخدم إلى الاستمرار فى المشاهدة والتفاعل وخلق «التريند».
يؤكد د. محمد رمضان دريوة، استشارى الأمراض النفسية وعلاج الإدمان أن دراسة تجريبية نُشرت عام 2023 كشفت أن التعرض المتكرر للفيديوهات القصيرة يؤثر سلبًا على ما يُعرف بـ»الذاكرة المستقبلية» لدى الأطفال، وهى القدرة على تذكر تنفيذ المهام فى وقت لاحق بسبب ظاهرة «التنقل السريع بين السياقات»، حيث ينتقل الدماغ بشكل متكرر بين مقاطع مختلفة، ما يضعف ترسيخ المعلومات فى الذاكرة، وقال إن صناعة الفيديو القصير لا يخضع للصدفة، بل يخضع لدراسات تحليلية متعمقة، تهدف إلى فهم سلوك المستخدم وتحديد نقاط الجذب والملل لديه، ومن هنا، تلجأ المنصات إلى تطوير المحتوى بما يتناسب مع هذا السلوك.
ويضيف دريوة أن الأمر لا يقتصر على مجرد تفضيلات، بل يمتد إلى ما يمكن تسميته بـ»أدوات الإدمان»، وهى مجموعة من الوسائط والتقنيات التى تسهم فى خلق ارتباط نفسى قوى لدى المستخدم، ومن أبرز هذه الأدوات الهاتف المحمول الذى ارتبط بظاهرة نفسية تُعرف بـ»النوموفوبيا»، وهى حالة من القلق الشديد من فقدان الهاتف أو انقطاع الاتصال به.
ويضيف دريوة أنه من الظواهر النفسية المرتبطة أيضًا، ما يُعرف بـ»دودة الأذن»، وهى تعلق لحن أو مقطع موسيقى فى ذهن الفرد بشكل لا إرادي، فيدفعه ذلك إلى تكرار الاستماع إليه. وهنا تتدخل الخوارزميات، التى ترصد هذا التفاعل وتعمل على تعزيز انتشار هذا النوع من المحتوى، ما يخلق حلقة متبادلة بين المستخدم والمنصة، وتكمن الخطورة فى خاصية «اللانهاية» التى تعتمدها بعض التطبيقات، حيث يستمر تدفق المحتوى دون توقف، ما يجعل المستخدم عالقًا فى دائرة من التصفح المستمر، قد تمتد لساعات دون وعى حقيقى بالوقت.
ويوضح المهندس زياد عبد التواب، خبير التحول الرقمى وأمن المعلومات وعضو المجلس الأعلى للثقافة، إن مقاطع الفيديو القصيرة، أو ما يُعرف بـ»الريلز» لا تظهر بشكل عشوائي، بل تعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعى التى تحلل اهتمامات المستخدم وسلوكياته الرقمية، لتقدم له محتوى يتماشى مع ما سبق أن شاهده أو تفاعل معه.. وأشار إلى أن البعد الاقتصادى والتسويقى يلعب دورًا رئيسيًا فى تشكيل هذا المحتوى، حيث إن نسبة كبيرة من الريلز تمثل فى حقيقتها مواد إعلانية لسلع وخدمات، قد لا يحتاجها المستخدم بالفعل، ويتم خلق هذا الاحتياج لديه بفعل التكرار والإلحاح المستمر.
ولفت إلى أن هذه المنصات أتاحت كذلك للمستخدمين إنتاج ونشر مقاطع الفيديو، سعيًا لتحقيق مكاسب مادية، وهو ما أدى إلى تزايد المحتوى المنشور بغض النظر عن جودته أو قيمته، محذرا من تأثيرات اقتراح المحتوى والتى قد تسهم فى توجيه الرأى العام، والتأثير على الحالة المعنوية للأفراد والمجتمعات، بل وقد تؤدى إلى زيادة حدة الاستقطاب فى مختلف المجالات، ، فى ظل تعرض المستخدم لنمط واحد من الآراء والأفكار بشكل متكرر.