هل تبقى الاحلام على حالها أم تتغير مع تغير الطبائع البشرية؟!
الاحلام كائن حي شأنها شأن أصحابها وتمر بكل المراحل التي يمر بها البشر صعودًا وهبوطًا.
كبرنا وتغير الحلم .. لم نعد نبحث عن السعادة كما كنا نفعل ونحن نركض خلف الأماني الصغيرة، بل أصبحنا نطلب فقط العيش بسلام، بعيدًا عن الألم.
نعيش بعيدا عن ذلك الشعور الذي ينهش الروح كلما تذكرنا أن بعض الأحلام كبرت معنا، لكنها لم تتحقق أبدًا حتى أصبحت عبئًا على قلوبنا المحملة بالرهانات الخاسرة وكمية المحاولات الفاشلة التي قمنا بها لتحقيق أحلام مستحيلة.
نحن كعود القصب، الذي امتصوا منه كل ما كان يمنحه طعم الحياة.
كان في يومٍ من الأيام ممتلئًا بعذوبة السكر، لكنهم اعتصروه حتى جف ، وحتى تحولت روحه إلى مجرد ناي، يئن كلما عبرت الريح من ثقوبه.
لا تستغربوا مرارة الشجن في عزفه، فهو لم يختر هذا النغم الحزين، لكنه خرج منه كما يخرج الدمع من عينٍ اعتادت الفقد.
إننا اليوم لا نحلم بالفرح كما كنا، ولا نلهث خلف السعادة كما كان بالأمس، بل فقط نحاول أن نحيا، بلا ألم، بلا جراحٍ جديدة، بلا أوهامٍ تزرع في القلب أملاً لا ينبت أبدًا.
كبرنا، وصارت الحياة درساً لا نريد إعادته، صارت المشاعر عبئًا نحمله ونحن نعلم أن لا شيء يبقى كما كان، وأن الحلم الذي تغير، ربما لم يكن حلمًا منذ البداية، بل مجرد وهمٍ جميل.. صدقناه.
عندما كنا صغارًا كانت أقصى أمانينا أن نكبر .. أن ننجح في الامتحان .. أن نحظى بلعبة جديدة.
وعندما وصلنا لأعتاب الصبا والمراهقة كانت أكبر أحلامنا أن نعيش قصة حب نقية .. أن نستمع لكلمة حلوة من شفايف الحبيب .. أن نعيش مشاعر الشوق واللهفة .. أن نترقب بشغف لحظة اللقاء.
وعندما كبرنا قليلا وطرقنا أبواب الشباب كبرت أحلامنا وأصبحت تمتد إلى التخرج من الجامعة والالتحاق بوظيفة ، ثم البحث عن شريك العمر.
تمضي السنوات ونكبر .. وتكبر معنا أحلامنا وتتحول إلى شقة وموبيليا واجهزة كهربائية وسيارة حديثة.
يمضي قطار العمر السريع دون أن يتوقف في المحطات إلا نادرا للتزود بالوقود وإراحة المواتير المتعبة.
وتتغير الأحلام مرة أخرى وتعود صغيرة كما كانت في البدايات .. وتصبح كل المتعة أن يمر اليوم بهدوء وبدون مشكلات .. وتصبح كل السعادة أن نعيش في سلام نفسي بلا منغصات .. وتصبح كل البهجة أن نتلقى هدية في أي مناسبة.
الأحلام تبدأ صغيرة ومحدودة، ثم تكبر وتتسع، وفي النهاية تعود صغيرة كما بدأت وندرك قبل الرحيل أن الحلم الوحيد الذي لم نحلم به ونتمناه هو أن نخرج من الدنيا بصفحة بيضاء ناصعة وخالية من الذنوب والخطايا .. أن نخرج من الدنيا دون أن نظلم أو نحقد أو نحسد .. على الرغم من أنه الحلم الأعظم والأصدق .. والأبقى.
تجار الدين والحرب.. رؤساء وملالي
محمد هاشم يكتب: الأمن الرقمي
أبــنــاء الشــعــب







