مقياس النيل ذاكرة النهر| دار الكتب تفتح خزائنها وتكشف الأسرار

مقياس النيل سنة ١٨٠١
مقياس النيل سنة ١٨٠١


نهر النيل يروى حكايات الخلود من قلب قصر المانسترلى التاريخى، حيث استدعت الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية ذاكرة النهر الخالد فى معرض بصرى استثنائى أقيم بمناسبة يوم التراث العالمى.
 

اللوحات المعروضة لم تكن مجرد رسوم جرافيكية أو توثيق صامت، بل كانت مستنسخات نادرة لرحالة أوروبيين أبهرهم سحر العمارة الإسلامية فى جزيرة الروضة، لتعيد إحياء قصة «مقياس النيل»؛ ذلك الحارس الأمين الذى سجل نبض الحياة والزراعة فى مصر على مر العصور.

اقرأ أيضًا| قيادات أكاديمية بجامعة القاهرة يزورون جناح دار الكتب بمعرض الكتاب

يقول د.أسامة طلعت، رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية أن اختيار مقياس النيل كسمة رئيسية للمعرض هذا العام يحمل دلالات حضارية وقومية بالغة الأهمية، موضحًا أن المعرض يتزامن مع تحرك دولى مكثف تقوده مصر بالتعاون مع جمهورية الصين الشعبية لإعداد ملف مشترك يهدف لتسجيل مقاييس الأنهار على قائمة التراث العالمى بمنظمة اليونسكو، مما يجعل من هذه الوثائق واللوحات سلاحاً معرفياً يدعم أحقية هذا الأثر الفريد بمكانته الدولية.

المحتوى البصرى للمعرض يضم كنوزًا أرشيفية تمتد جذورها إلى القرن السابع عشر، لتقدم تسلسلاً زمنيًا لتطور رؤية الأجانب لهذا المنشأ المائى المعجز، لوحة الفنان «لويجى ماير» التى تعود لعام 1801 كانت درة التاج فى هذا العرض، حيث وثقت بدقة متناهية مشهد «تخليق المقياس»، وهو الطقس الاجتماعى والدينى الذى كان يحبس أنفاس القاهرة قديمًا.. واللوحة تظهر بوضوح العمود الرخامى المثمن المتربع فى قلب البئر المربع، والناس والعلماء يترقبون وصول المياه إلى علامة 16 ذراعًا، وهى النقطة الفاصلة التى تعنى أن النيل قد «وفى» بعهده، لترتفع الراية الصفراء فوق المبنى معلنةً انطلاق الأفراح وبداية موسم زراعى فياض.

اقرأ أيضًا| مجلس الوزراء : عدم الإفراج عن «الأجهزة الكهربائية» إلا بعد مطابقة متطلبات كفاءة الطاقة

التفاصيل الهندسية لم تغب عن أروقة المعرض، إذ استعرضت اللوحات شديدة الدقة من «كتاب وصف مصر» التى وضعتها لجنة العلوم والفنون إبان الحملة الفرنسية، رسوم تقدم تشريحاً معمارياً للمقياس، فتظهر المبنى المخروطى الشهير بمساربه المفتوحة التى تسمح لمياه النهر بالتدفق بانسيابية إلى داخل بئر القياس، بالإضافة إلى قطاعات عرضية وطولية تبين القبة الخشبية المزخرفة والقصور المحيطة بالمكان فى تلك الحقبة، مما يقدم للباحثين مادة علمية نادرة حول التحولات العمرانية التى طرأت على جزيرة الروضة.

الرحالة الشهير «ديفيد روبرتس» كان له حضور مميز عبر رسومه من كتابه «مصر والنوبة» الصادر عام 1849، لوحات روبرتس تمنح الزائر رؤية فنية باهرة للمقياس من الداخل، حيث استطاع ببراعة تصوير الضوء والظلال داخل البئر العميقة، إلا أن المعرض لم يكتفِ بالعرض الفنى بل اتخذ منحى نقديًا توثيقياً. الدكتور أسامة طلعت أشار إلى أن لوحات روبرتس، رغم جمالها الأخاذ، تفتقر إلى الواقعية التامة فى بعض جوانبها، إذ أغفل الرسام تصوير المبنى المخروطى والقبة اللذين كانا قائمين بالفعل فى ذلك الوقت، مما يجعل من مقارنة هذه الرسوم بالواقع التاريخى أداة تعليمية تبرز أهمية التوثيق الأرشيفى فى تصحيح الانطباعات الفنية والرحلية.

الحدث اكتسب صبغة سيادية وتاريخية بامتياز، إذ يعكس عبقرية الإدارة المائية المصرية القديمة التى جعلت من النيل شريانًا منظمًا وليس مجرد نهر عشوائى، القيمة العلمية لهذه اللوحات تتجاوز مجرد العرض، فهى تبرهن على أن مقياس النيل كان بمثابة «مركز العمليات» للدولة المصرية، حيث كانت الضرائب والخطط الزراعية تُبنى بناءً على الأرقام التى يسجلها ذلك العمود الرخامى، الرسالة الموجهة للعالم من خلال المعرض تؤكد أن هذا المقياس القابع فى الطرف الجنوبى للجزيرة ليس مجرد أثر صامت، بل هو ذاكرة حية للهندسة المائية التى سبقت عصرها بقرون.

مراسم الافتتاح شهدت حضورًا أكاديميًا وأثريًا رفيعًا، حيث التقت رؤى خبراء الآثار والمشروعات مع الكنوز الوثائقية للهيئة، القيادات الأثرية الحاضرة أثنت على هذا التكامل المؤسسى، مؤكدين أن التراث المصرى لا ينفصل فيه الأثر عن الوثيقة، الحوارات الجانبية فى أروقة المعرض ركزت على ضرورة إحياء هذه الاحتفالات القومية المرتبطة بالنيل فى الوجدان الجمعى المصرى، لتظل قصة «وفاء النيل» ملهمة للأجيال القادمة فى الحفاظ على مواردنا المائية وتاريخنا العريق الذى بدأ من نقطة قياس فى قلب النهر.