من أكثر القطاعات التى طالتها الشائعات وتجمّعت حولها قوى الشر الإعلامية كان قطاع البترول. على مدار أشهر عديدة، كانت الأسئلة الصاخبة تتصاعد، من بينها: ماذا حدث لحقل «ظهر»؟ وهل تعرّض بالفعل لعمليات استخراج جائر كما تردد؟ وهل تأثر بالفعل بذلك؟ هل أسعار البنزين والسولار فى مصر مرتبطة بالسعر العالمى حقًا؟ ولماذا لا تنخفض فى مصر حين ينخفض سعر البرميل فى الأسواق الدولية؟ ماذا عن تأخر سداد مستحقات الشركاء الأجانب؟ وهل يهرب الاستثمار الأجنبى من قطاع البترول المصري؟ وهل الصيف القادم سيكون آمنًا من انقطاع التيار الكهربائى بعد ارتفاع أسعار الغاز إلى مستويات قياسية؟
كل هذه الأسئلة صنعتها تقارير منشورة فى مواقع دولية، وتغريدات على وسائل التواصل، وصخب فى قنوات معادية، ومع الأسف ترسّخ بعضها فى أذهان العامة حين تأخر الرد عليها، ومع الوقت تحولت إلى ألغاز تبحث عن إجابة.
على مدار أكثر من ثلاث ساعات، تحدث وباستفاضة المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، مع أسرة «أخبار اليوم»، ليكشف كثيرًا من الحقائق ويفكك ببساطة كل هذه الألغاز. وكانت الردود غنية بالأرقام والإحصائيات، وبشكل يقطع الطريق تمامًا أمام أى تشكيك.
بدأ الحوار بكلمة شكر للعاملين فى الوزارة، لافتًا إلى أن كل ما تم إنجازه يرجع إلى جهد كل العاملين الذين وصفهم بـ «سفراء مصر» فى كل مكان حول العالم تتواجد فيه الوزارة وشركاتها الكبيرة. وهو تنويه مهم إلى استخدام مصر لدبلوماسية الطاقة باعتبارها حقلًا جديدًا يتنامى فى العلاقات الدولية، ورابطًا مهمًا بين مصر وأشقائها العرب فى الخليج، وبوابة واسعة لتموضع مصر كمركز إقليمى للطاقة.
ثم تطرق الوزير إلى نقطة شديدة الحساسية: الثقة. فملف مستحقات الشركاء الأجانب ظل لسنوات أحد أكثر الملفات إزعاجًا، ليس فقط لأنه عبء مالي، بل لأنه كان يطرح سؤالًا أكبر يتعلق بمدى مصداقية الدولة كشريك استثماري. وجاءت الإجابة هذه المرة بالأرقام، حيث تراجعت هذه المستحقات من 6.1 مليار دولار فى 2014 إلى نحو 1.3 مليار دولار حاليًا، مع خطة واضحة لإنهاء الملف بالكامل خلال عام 2026، كما وعد الرئيس عبد الفتاح السيسى بنفسه الشركاء الأجانب فى مؤتمر مصر الدولى للطاقة «إيجبس 2026». وهذه - فى تقديرى - ليست مجرد تسوية حسابات، بل إعادة بناء لصورة الدولة فى نظر شركائها، ورسالة مباشرة مفادها أن مصر انتقلت من مرحلة تراكم الالتزامات إلى مرحلة الانضباط التعاقدي، وهو ما يفسر عودة الاستثمارات كنتيجة طبيعية لتغير معادلة الثقة.
وكانت النتيجة مطمئنة، حيث عادت وتيرة الاكتشافات إلى سابق عهدها مع تقديم الدولة لحوافز تعيد جذب المستثمرين. وقد تُرجمت هذه السياسات إلى خطة واضحة تستهدف حفر 101 بئر استكشافية خلال عام واحد، فى محاولة لتعويض التراجع الطبيعى وبناء قدرة إنتاجية مستدامة.
سألت الوزير حول حقيقة ما حدث لحقل «ظهر» بوصفه أحد أكثر الملفات التى تجمّعت حولها الشائعات، وسبب التراجع النسبى فى إنتاج الحقل. فأكد الوزير أنه أمر طبيعي، فالآبار مثل أى دورة حياة تبدأ قوية وتتصاعد إلى نقطة الذروة ثم تنخفض تدريجيًا. ومع ذلك، لا يزال الحقل يساهم بنسبة تتراوح بين 20% و25% من إجمالى الإنتاج المصري، وهو ما يجعله ركيزة أساسية فى منظومة الطاقة.
ثم سألت الوزير عن صيف 2026: هل نحن جاهزون فى ظل الأزمة الحالية لاختبار ذروة الاستهلاك؟ وكيف تسير العلاقات مع وزارة الكهرباء؟ فوصف الوزير العلاقة بأنها ممتازة، وأنهم شركاء نجاح فى إنجاز صيف 2025 والتعامل مع أحمال بلغت نحو 40 ألف ميجاوات، وهو رقم قياسى غير مسبوق. ورغم ذلك، لم تشهد البلاد أى انقطاعات فى الكهرباء، وهو ما يعكس نجاحًا واضحًا فى إدارة المنظومة من خلال التنسيق الكامل بين وزارتى البترول والكهرباء، واستخدام سفن التغويز، وتوجيه الوقود بكفاءة عالية.
بدأ الوزير حديثه واختتمه بجملة واحدة: «أنا متفائل وأطمئن المصريين». وكانت أسباب التفاؤل وجيهة ولها أصل فى الواقع، ومبنية على رؤية الدولة وعمل الحكومة وتوجيهات الرئيس السيسى بأن تتحول مصر إلى مركز إقليمى للطاقة، وهو ما حدث بالفعل. وسرد الوزير تفاصيل الإنجاز الذى تحقق مع قبرص واتجاها إلى الاعتماد على البنية التحتية الضخمة الموجودة فى مصر، وتشمل محطات الإسالة والموانئ وخطوط النقل، حيث يتم العمل على ربط حقول مثل «أفروديت» و«كرونوس» بالتسهيلات المصرية، بما يسمح بإسالة الغاز وإعادة تصديره أو استخدامه محليًا، وهو ما يضع مصر فى موقع البوابة الإقليمية لتجارة الطاقة فى شرق المتوسط.
ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن شبكة العلاقات التى تتحرك فيها مصر، حيث يظهر التعاون مع الأشقاء العرب، خاصة مع الإمارات فى مشروع إنشاء ميناء لوجستى لتداول المنتجات البترولية على البحر المتوسط، إلى جانب التنسيق مع قبرص وليبيا، والانفتاح على الشركات العالمية، بما يعكس توجهًا نحو بناء شبكة مصالح متكاملة تقوم على تعظيم الاستفادة من الموقع الجغرافى والبنية التحتية.
وفى الداخل، ألمح الوزير إلى معركة أخرى أكثر هدوءًا لكنها لا تقل أهمية، وهى إعادة توجيه استخدامات الغاز نحو تحقيق قيمة مضافة أعلى. فبدلًا من توجيه نحو 60% من الغاز إلى قطاع الكهرباء، تتجه الدولة تدريجيًا إلى التوسع فى توليد الكهرباء من الطاقة المتجددة وتوجيه الغاز إلى الصناعات البتروكيماوية والأسمدة، حيث يتحول الغاز من وقود يُستهلك إلى مادة أولية تُنتج، بما يساهم فى خلق فرص عمل، وتعزيز الإنتاج الصناعي، وتقليل فاتورة الاستيراد.
لكن هذه التحولات جرت فى سياق دولى شديد الاضطراب، حيث ارتفعت أسعار النفط من نحو 61 دولارًا إلى ما يقارب 100 دولار للبرميل، كما شهدت أسعار السولار زيادات حادة، وهو ما فرض ضغوطًا كبيرة على الدولة، التى وجدت نفسها أمام معادلة دقيقة تتطلب التوازن بين حماية المواطن من أعباء الأسعار، والحفاظ على استدامة الإنتاج وعدم زيادة الفاتورة الاستيرادية. ومن هنا جاءت سياسات التسعير بوصفها جزءًا من إدارة هذا التوازن، لا مجرد إجراء مالي.
فكك الوزير الألغاز، وكشف أن خلف كل شائعة كان هناك سؤال مشروع يبحث عن إجابة. قدم ردودًا تنم عن خبرة واسعة بإمكانيات الوزارة، وتطورات الأسواق العالمية وتعقيداتها، مؤكدًا دعم الرئيس السيسى وإصراره على استفادة مصر من ثرواتها، والانفتاح على الاستثمارات الأجنبية فى القطاع، واستخدام التكنولوجيا الحديثة فى رسم خريطة جديدة للاستكشافات سواء للبترول أو الثروات المعدنية، لكن الأهم فى تقديرى هو استعادة ثقة الشركاء الأجانب لأنها جسر تعبر عليه مصر من ملف الأزمة إلى ملف الاطمئنان والأمان .

نوال مصطفى تكتب: صباح الأحد
التغيير للأفضل
المركز الطبى العالمى







