لم يكن الشرق الأوسط خلال الأسابيع الأخيرة فقط ساحة حرب بين أمريكا وإيران وإسرائيل، بل كان ساحة اختبار لمَنْ يملك القدرة على أن يقول: هناك مسار آخر.
وفى هذا الاختبار، الذى يختلط فيها هدير السلاح بضجيج التصريحات، لم تكن مصر دولةً تراقب من بعيد، ولا عاصمةً تكتفى بإعلان القلق، بل كانت -فى تقديرى- أكثر الباحثين عن السلام اتساقًا ووضوحًا وحضورًا، لأن القاهرة فهمت منذ اللحظة الأولى أن اتساع الحرب لا يهدد طرفًا واحدًا، بل يهدد الإقليم كله: الخليج، ولبنان، والملاحة، والطاقة، والاقتصاد العربى، وفكرة الدولة نفسها إذا تُركت المنطقة لمنطق الانفجار المفتوح.
المشهد اليوم يبدو كأنه يتجه نحو التهدئة: لكن المهم هنا ليس فقط أن العالم يتحرك الآن نحو وقف النار، المهم أن مصر كانت هناك قبل أن يعترف الآخرون بأن التهدئة هى الخيار الوحيد العقلانى.
وهنا بالضبط تظهر قيمة السياسة المصرية؛ لأن القاهرة لم تتعامل مع الحرب باعتبارها فرصة لاستعراض المواقف، بل باعتبارها خطرًا يجب منعه من أن يتحول إلى قدر، هذه ليست لغة إنسانية عامة، هذه لغة أمن قومى صريح، مصر تعرف أن الخليج إذا اشتعل، فلن يحترق وحده، وتعرف أن لبنان إذا تُرك لجبهة مفتوحة، فلن يبقى ملفًا لبنانيًا فقط، وتعرف أن هرمز إذا أُغلق أو تعطلت الملاحة فيه، فلن تكون المسألة سعر برميل فقط، بل اختناقًا اقتصاديًا إقليميًا ودوليًا، ولهذا كان منطق القاهرة منذ البداية واضحًا: دعم الأشقاء، ومنع الحرب من التمدد، وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة، وعدم الوقوع فى فخ تحويل المنطقة كلها إلى مسرح حرب خدمةً لمشاريع لا تخدم العرب ولا شعوبهم.
ولذلك، فإن الحديث عن مصر هنا يجب ألا يبقى عند مستوى «الدعم» بمعناه البروتوكولى، مصر لعبت دورًا أكبر: دور العقل العربى، الذى يرفض أن يُدار الإقليم بالعصبية، تحرك الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى أبوظبى والدوحة، ويأتى بعد ذلك التنسيق مع الرياض والبحرين، لا يجب أن يُقرأ كجولة دبلوماسية، بل كرسالة سياسية دقيقة: القاهرة قررت أن تكون فى أقرب نقطة إلى الخطر، لأن اللحظات التى يُراد فيها للمنطقة أن تنزلق إلى حرب أوسع لا تُدار بالبيانات وحدها، هنا تكون القيادة فى الحضور، وفى لمّ الشمل، وفى تثبيت الجبهة العربية، وفى قطع الطريق على كل مَنْ يريد أن يدق إسفينًا بين العواصم العربية أو يخلط بين التضامن والانزلاق إلى الحرب.
وفى رأيى، هذا هو جوهر «عقيدة السيسى» فى التعامل مع الأزمات الدولية والإقليمية: التهدئة ليست ضعفًا، بل شكل متقدم من أشكال القوة، فالقوة هنا ليست فى الدخول إلى المعركة دائمًا، بل فى منع الآخرين من أن يفرضوا عليك معركتهم، وتوقيتها، وسقفها، ونتائجها، وهذه العقيدة هى التى تفسر لماذا ظلت مصر ثابتة على خط واحد: لا تهاون مع أمن الخليج، ولا قبول بالاعتداء على الدول العربية، لكن أيضًا لا اندفاع إلى حرب مفتوحة لا يعرف أحد أين تتوقف، ولا مَنْ سيقبض فاتورتها، وفى زمن يغرى فيه الاستقطاب كثيرين بأن يختاروا الموقع الأعلى صوتًا، اختارت مصر الموقع الأصعب: أن تكون صوت الحكمة حين يصبح الصخب هو العملة الأرخص.
وليس من قبيل المصادفة أن يبدأ الآخرون الآن فى الاقتراب من اللغة، التى تحدثت بها مصر منذ البداية، عندما تدعو فرنسا وبريطانيا عشرات الدول إلى بحث تأمين الملاحة بعد توقف الحرب، فهما تعترفان ضمنيًا بأن الاستقرار لا يُبنى باستمرار القتال، بل بترتيبات ما بعده، وعندما تتحرك الصين لتطرح نفسها كوسيط عقلانى وقوة استقرار، فهى تفعل ذلك لأن منطق الحرب الأمريكية لم يعد يكفى وحده لإدارة المشهد، وعندما يتحدث ترامب نفسه عن أن الحرب «يجب أن تنتهى قريبًا»، وعن احتمال اتفاق وعن وقف إطلاق نار على الجبهة اللبنانية، فهذه ليست مجرد مرونة شخصية؛ هذه علامة على أن ضغوط الحرب، والاقتصاد، والحلفاء، والوسطاء، دفعت واشنطن إلى الاقتراب من منطق كانت القاهرة تقول به منذ البداية: لا أحد يربح من ترك الشرق الأوسط يحترق طويلًا.
لكن الأهم أن مصر لا تبحث عن «سلام بأى ثمن»، بل عن سلام يمنع انهيار الإقليم، وهنا يكمن الفرق بين التهدئة كتكتيك، والتهدئة كرؤية، هناك مَنْ يريد وقف النار فقط؛ لأنه تعب من كلفة الحرب، بينما مصر تريد وقف النار؛ لأنها تدرك أن استمرارها سيعيد هندسة المنطقة بطريقة تضر بالدول العربية كلها، ولهذا فإن سعيها إلى تثبيت الجبهة العربية الواحدة ليس شعارًا قديمًا، بل ضرورة عملية: لأن العرب إذا تركوا كل عاصمة تتعامل مع النار وحدها، ستنتصر الحرب على الجميع حتى لو توقفت مؤقتًا فى الجبهات.
ولهذا أيضًا ينبغى أن يُفهم الدعم المصرى للأشقاء الخليجيين دعمًا صحيحًا، ليس مطلوبًا من مصر أن تثبت وفاءها بالدخول فى كل حرب، بل أن تثبته بما هو أبعد أثرًا: أن تمنع الحرب من أن تتحول إلى مصير عربى، أن تحمى الخليج من أن يصبح ساحة الردود المتبادلة، أن تحمى لبنان من أن يتحول إلى جبهة دائمة، أن تحمى البحر الأحمر وشرق المتوسط والخليج من أن تصبح كلها أجزاءً من حرب واحدة لا تنتهى، هذا هو المعنى الأعمق للمساندة: ليس أن تُصفق للمعركة، بل أن تحمى الأشقاء من أن يُستدرجوا إلى ما هو أخطر منها.
مصر حاضرة فى هذا المشهد ليس لأنها تبحث عن دور، بل لأن طبيعة الأزمة نفسها أعادت الاعتبار لدور لا يمكن الاستغناء عنه: دور الدولة التى تملك علاقات، وثقلًا، ومصداقية، وذاكرة تاريخية تعرف بها أن الحروب فى هذه المنطقة لا تنتهى غالبًا عند حدودها الأولى.
ولهذا، إذا كان هناك اليوم مَنْ يستحق أن يُوصف بأنه «أهم الباحثين عن السلام»، فإنها القاهرة ليس لأنها ترفع شعار السلام فقط، بل لأنها -وسط كل هذا الجنون- بقيت الدولة، التى تعرف أن إنقاذ الإقليم من الحرب هو أرفع وأنبل أشكال البطولة السياسية.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







