بعد التوجيهات الرئاسية بربطها باحتياجات سوق العمل

60 يوماً تفصل الجامعات عن خارطة جديدة للتخصصات

 د. تامر شوقى  -   د. سارة فوزى -  د. محمد كمال
د. تامر شوقى - د. سارة فوزى - د. محمد كمال


خبراء: الحل ليس فى إلغاء المواد النظرية بل دمجها ضمن برامج تعليمية أكثر مرونة

بعد مرور نحو شهر على صدور التوجيهات الرئاسية بإعادة هيكلة منظومة التعليم العالى وربطها باحتياجات سوق العمل، ومع تبقى شهرين فقط على الموعد المحدد للانتهاء من الدراسة الشاملة التى وجهت بها وزارة التعليم العالى، لا تزال أصداء هذا القرار حاضرة بقوة فى الأوساط الأكاديمية والتعليمية، وسط حالة من النقاش الواسع بين الخبراء وأعضاء هيئة التدريس حول آليات التطبيق وأبعاده المستقبلية.

اقرأ أيضًا| وزير التعليم العالي يؤكد دعم الدولة الكامل لتطوير الجامعات التكنولوجية

وقد فتح هذا التوجه الباب أمام تساؤلات جوهرية تتعلق بمصير بعض التخصصات التقليدية، وإمكانية تطويرها أو دمجها، إلى جانب طرح رؤى جديدة لاستحداث تخصصات أكثر مواكبة للتطورات العالمية، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على الهوية المعرفية والاستجابة لمتطلبات العصر.
تخصصات جديدة

وأكدت د. سارة فوزى، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعى ومدرس الإعلام الرقمى بكلية الإعلام جامعة القاهرة، أنه فى الوقت الذى قد نشهد فيه عزوفًا عن بعض التخصصات، مثل الفلسفة أو علم الاجتماع، تظل هذه المجالات ضرورية، خاصة فى إطار الدراسات البينية التى أصبحت أحد أهم اتجاهات التعليم الحديثة. ومن هنا قد يكون الحل ليس فى إلغاء هذه التخصصات، بل فى إعادة دمجها ضمن برامج تعليمية أكثر مرونة وتكاملًا.

وأوضحت فوزى أننا بالفعل فى حاجة ملحة إلى استحداث تخصصات جديدة، فحتى الآن لا توجد كليات مستقلة متخصصة فى علوم الفضاء أو علم الفلك، قادرة على تخريج كوادر مؤهلة فى مجالات استراتيجية، مثل تكنولوجيا الفضاء واستكشاف الكون، حيث تظل هذه التخصصات غالبًا مجرد أقسام فرعية داخل كليات العلوم أو الجيولوجيا.

اقرأ أيضًا| وزيرا التعليم العالي والتربية والتعليم يبحثان تعزيز التكامل المؤسسي بين الوزارتين

كما تبرز الحاجة إلى التوسع فى كليات الذكاء الاصطناعى. وألقت الضوء على ضرورة إعادة النظر فى مدة الدراسة لبعض التخصصات، حيث إن هناك مجالات لا تستدعى أربع سنوات كاملة، ويمكن الاكتفاء فيها بثلاث سنوات، كما هو معمول به فى العديد من الجامعات الدولية.

فى المقابل، هناك تخصصات أخرى تتطلب أربع أو خمس سنوات نظرًا لطبيعتها التطبيقية أو التقنية، مع التأكيد على أن الدمج أو إعادة الهيكلة لا يعنى تقليلًا من قيمة التخصصات أو أعضاء هيئة التدريس، بل هو إعادة تنظيم تستهدف تعظيم الاستفادة من الإمكانيات المتاحة، ومواكبة التطورات العالمية. فى النهاية، نحن لا نواجه معادلة «إلغاء أو إبقاء»، بل نسعى إلى «إعادة توزيع ذكية» توازن بين الحفاظ على الهوية المعرفية والاستعداد لمتطلبات المستقبل.

متطلبات سوق العمل

وفى ذات السياق، أكد د. تامر شوقى، أستاذ علم النفس التربوى بجامعة عين شمس، أن الجامعات واجهت فى السنوات السابقة العديد من المشكلات، من أبرزها وجود فائض كبير من الخريجين فى بعض التخصصات، مما أدى إلى تزايد معدلات البطالة، وكذلك افتقاد الخريجين للمهارات ولمتطلبات سوق العمل. ويمكن عزو تلك المشكلات إلى العديد من الأسباب، منها عدم وجود خطط مسبقة تحدد احتياجات سوق العمل، سواء على المستوى المحلى أو الدولى، مما أدى إلى تكدس الخريجين فى بعض التخصصات غير المطلوبة فى سوق العمل، وقلتهم فى التخصصات الأخرى المطلوبة.

اقرأ أيضًا| وزير التعليم العالي: تطوير المستشفيات الجامعية والارتقاء بجودة الرعاية والتعليم الطبي

وأكد د. شوقى أنه فى كل الأحوال لا يمكن إلغاء أى تخصص جامعى، لأن جميع التخصصات، سواء نظرية أو عملية، لها أهميتها، سواء فى سوق العمل أو فى تنمية الجوانب الشخصية والوجدانية والمهارية لدى خريجيها، مما يتطلب إحياء تلك التخصصات من خلال عدة إجراءات، من بينها دمج التوجهات الحديثة فى تلك التخصصات، وإنشاء برامج جديدة بها مثل تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى التخصص، وتقليل أعداد الطلاب المقبولين بتلك التخصصات بما يحقق جودة أعلى للخريج، وتوفير قواعد بيانات علمية حديثة لأعضاء هيئة التدريس تسمح لهم بالاطلاع على آخر ما توصل إليه العلم الحديث، والتوسع فى البعثات العلمية للدول المتقدمة للتعرف على خبراتهم فى تطوير تخصصاتهم ونقلها إلى مصر.
توجيهات رئاسية

وأوضح الخبير التربوى وأستاذ القيم والأخلاق المهنية المساعد بجامعة القاهرة، د. محمد كمال، أن دعوة فخامة رئيس الجمهورية لإعادة هيكلة منظومة التعليم العالى من خلال ربطها بسوق العمل لم تكن هى الأولى، بل هى المرة الثالثة التى يوجه بذلك لأهمية الأمر.

ولكى يتم تنفيذ توجيهات الرئيس على النحو الصحيح، فإن ذلك يتطلب دراسة حقيقية لسوق العمل المحلى، والخليجى، والدولى، وربط ذلك بالتخصصات الموجودة بالفعل، وما يمكن استحداثه من برامج، دون أن يعنى ذلك إلغاء تخصصات، فهذا يعنى خللًا جسيمًا فى منظومة المعرفة الإنسانية.

والصحيح أن التخصصات التى يقل الطلب عليها يمكن دمجها مع بعضها البعض، والحد من أعداد الطلاب المقبولين بها بشكل تدريجى، وهو ما ينطبق على كليات مثل الحقوق والآداب والتجارة. أما كليات مثل التربية، فيجب أن تصبح كليات دراسات عليا فقط، يلتحق بها خريجو الكليات التى يمكن أن يعمل خريجوها بالتدريس.