فى كتابه «دور عائلة روتشيلد فى إنشاء دولة إسرائيل»، المنشور عن «مركز دراسات الوحدة العربية» فى بيروت، أزاح «معتمر أمين الستار» عما قدمته عائلة «روتشيلد» لمؤسسها «ماير أمشيل روتشيلد» من نموذج فاقع عن تأثير الفواعل ومراكز القوى الاقتصادية غير الحكومية فى الدول الرأسمالية الصاعدة فى أوروبا الغربية منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، فى صنع القرار السياسى فى تلك الدول، وفى تحديد خياراتها وقراراتها الكبرى وعلى رأسها الحصول على وعد بلفور لإقامة دولة لليهود فى فلسطين.
اقرأ أيضًا| شراكات استراتيجـيـة ..مسار جديد للعـلاقـــات المصريـــة التركيـــة.. والصناعـة والتكنولوجيا نقطة الانطلاق
وبينما كانت الدول العربية تكتوى بنيران الاستعمار الخانق، كان هناك من يسوى على «جمر الخبث» مشروع دولة لليهود على أرض فلسطين. تاريخ تفوح منه سرقة الأرض رسمته عائلة «روتشيلد» لنفسها ومنه كان سرطان القرن العشرين وما بعده «إسرائيل».
«رابطة روتشيلد» أنشأت مستشفى فى القدس عام 1854 لخدمة اليهود، ولعبت دورا فى إصدار وعد بلفور
البارون إدموند أول من ساهم فى إنشاء المستوطنات، وفى عام 1900 شهدت فلسطين 21 مستوطنة
بن جوريون قال إن الحدود المخصصة لإسرائيل ليست نهائية. وفى مايو 1948 جدد إعلانه قائلاً: «إننا نريد أرض إسرائيل بكاملها»
على مدى أكثر من قرن دعم «آل روتشيلد» إنشاء الدولة اليهودية، إذ تظهر التجربة التاريخية لـ «رابطة روتشيلد العائلية»، التى أسست فروعًا لها فى خمس عواصم أوروبية، أن لها تأثيرا كبيرا فى السياسات الخارجية لعدد من الدول، ولا سيما بصدد مشروع إنشاء دولة قومية لليهود، منذ أنشأت أول شركاتها المصرفية فى لندن خلال عام 1812، وحتى انتقال قيادة العائلة إلى الجيل السابع منذ عام 2018.
ويقصد بـ «رابطة روتشيلد العائلية» فى هذا المقام: فروع العائلة التى توزعت بين ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والنمسا وإيطاليا، وحازت نفوذًا اقتصاديًا مكنها من ممارسة تأثير عابر حدود الدول، إذ لعبت الرابطة دورًا فى مشروع إنشاء دولة قومية لليهود منذ المؤتمر الصهيونى الأول فى مدينة بازل، سويسرا، خلال 29 أغسطس 1897، وحتى إعلان قيام الكيان الإسرائيلى فى 15 مايو 1948.
الثروة والانعتاق
تعد «رابطة روتشيلد» عابرة لحدود الدول، حيث وضعت هدفين أساسيين هما أولا: تراكم ثروة الرابطة والحفاظ عليها، لأنها أداة نفوذها الرئيسية. والثاني: مساعدة الانعتاق اليهودى عبر العالم، وهى القضية السياسية الأولى للرابطة. فلقد صاحب قضية الانعتاق اليهودى فى المجتمعات الغربية ثورات أوروبية كبرى.
اقرأ أيضًا| خبير استراتيجي: مشاركة الرئيس في منتدى دافوس دليل قوة دور مصر بالشرق الأوسط
وتعود نشأة رابطة روتشيلد، كعائلة بنكية بزغ نجمها فى البلاط الملكى للكثير من العروش الأوروبية إلى القرن الثامن عشر. وأُسست الرابطة خمسة فروع، فى خمس عواصم أوروبية، جعلها أكبر بنك أوروبى طوال القرن التاسع عشر، متفوقة على الروابط البنكية المنافسة كلها. ونجحت فى الحفاظ على كيانها لأكثر من قرنين من الزمان، عبر ثمانية أجيال متعاقبة.
ووضع الأب المؤسس نواة الرابطة البنكية، ووضع قوانين صارمة، التزمت بها الرابطة لأجيال. ونشأت العائلة فى مدينة فرانكفورت، التابعة للإمبراطورية الرومانية المقدسة، وهى مركز مالى وتجارى منذ القرن الخامس عشر. تقع فى منطقة ربط بين إنجلترا وهولندا وروسيا والنمسا وفرنسا. ويعود أول ذكر للرابطة فى الأوراق الرسمية إلى عام 1577.
سوق الديون
فرضت البيئة الاجتماعية نفسها على النشاط الاقتصادى للأقلية اليهودية، فقيدتهم القوانين حتى قيام الثورة الفرنسية فى عام 1789 من النشاط الزراعى، لذلك عمل معظمهم كوسطاء تجاريين، وارتفع شأن من عمل منهم فى القصر مراسلى بلاط، أو وكيلاً مالياً.
اقرأ أيضًا| صندوق النقد الدولي يعقد ندوة حول بناء أطر قوية للحوكمة في الشرق الأوسط
وكان النبلاء يكلفونهم بالعمل فى الخدمات المالية التى تشمل مراجعة الضرائب ونشاط الإقراض، حيث بدا للأقلية اليهودية السبق فى هذا النشاط، بسبب تحريم الكنيسة نشاط الإقراض بالربا لحقب زمنية طويلة. ويعتمد نشاط الإقراض على خواص، من أهمها بناء شبكة قادرة على المتابعة والتحصيل، ولا سيما فى أوقات الحروب والثورات. واشتهرت أسماء لعائلات من النخب اليهودية مثل أوبنهايمر.
أسس ماير أمشيل روتشيلد (1743 - 1812) الرابطة العائلية العابرة للدول، التى تجسد حلم الانعتاق اليهودى، حيث أرسله والده، وهو فى العاشرة من عمره، لدراسة التوراة والتلمود فى مدينة فورت، فى منطقة نورنبيرج، لكنه قطعها عائدًا بعد وفاة والده المفاجئة فى عام 1755، ومكث مع أخيه الأصغر سنًا لمدة وجيزه.
ثم أرسله الأقارب ليتعلم فى بنك أوبنهايم فى مدينة هانوفر، حيث مكث فيها حتى نهاية حرب السبع سنوات فى عام 1763، تعلم خلالها التجارة فى العملات النادرة وإدارة القروض المالية..
عاد روتشيلد بعد الحرب إلى حارة اليهود فى مدينة فرانكفورت، ليبدأ نشاطه بالتجارة وتداول العملات النادرة. ودخل مجال البنوك عبر علاقته برجال الحكم، وهى خاصية بدأها الأب المؤسس وأصبحت سمة أساسية فى أعمال رابطة روتشيلد.
ونافس على إدارة قروض أكبر ثلاثة بنوك لعائلات مسيحية وتفوق عليهم منذ عام 1806. وما عزز من مكانة روتشيلد هو تعيينه مع ابنه الأول وكيلاً مالياً لإمبراطور النمسا فى عام 1800.
ثم توالت التعيينات فى الدول. وهذا مؤشر إلى ارتفاع الجدارة الائتمانية، وإدارة قروض بمبالغ كبيرة، مع الحفاظ بسرية أسماء أصحاب رأس المال..
وكان روتشيلد فى الواجهة ممثلاً عن الكثير من بيوت الحكم الأوروبية، ما رسخ مكانة الرابطة فى أسواق المال، حتى اعتبرها بعض المؤرخين سادس أكبر قوة فى أوروبا.
واختارت مجلة فوربس الأمريكية مائير روتشيلد فى عام 2005 من ضمن أكثر 20 شخصية مؤثرة فى تاريخ رجال الأعمال، وعللت اختيارها بسبب تطويره مجال العمل البنكى الحديث من حيث الحفاظ على سرية العملاء وسرعة تداول البيانات والمعلومات فى شبكة الفروع.
فروع العائلة
ترجمت القيم العائلية الاجتماعية لمفاهيم ونسجت منها عقود شراكة اقتصادية، ضمنت الحقوق وفرضت الالتزامات والواجبات، وطرائق الميراث، وطرائق الفصل الداخلى فى المنازعات، جعلتها تصمد أمام الكثير من التحديات، اعتماداً على روابط الدم والأخوة.
هذا وكتب روتشيلد عقد الشراكة لشركة «إم إيه روتشيلد وأبناؤه» فى عام 1810 مع أبنائه الخمسة، وجعل لكل منهم نصيباً متساوياً. وكانت التسويات بين الأطراف تتم بتحكيم الأب. ومنذ وفاته فى عام 1812 تحول التحكيم إلى لجنة يكونها مجلس العائلة، وتكون قراراتها ملزمة، ولا يمكن الطعن فيها.
بدأ تأسيس فروع العائلة فى عام 1798، برعاية ماير روتشيلد الذى أرسل ابنه الثالث ناثان إلى مانشستر، فى إنجلترا، ليتابع توسيع نشاطه التجارى. ثم أسست الرابطة فروعاً فى فرنسا فى عام 1811، والنمسا فى عام 1820، وأخيراً فى نابولى فى عام 1823.
ما زال بعض الفروع يعمل منذ التأسيس الأول، وأهمها فرع لندن. وحصل هذا الفرع على وعد آرثر بلفور (رئيس الوزراء البريطانى 1902 - 1905) ووزير الخارجية (1916 - 1919) لليهود بإقامة دولة لهم فى فلسطين، وذلك فى عام 1917.
أجيال متعاقبة
تقسم أجيال الرابطة الثمانية إلى أجيال توسعية، وأجيال تراجعية، ثم الجيل المعاصر. التزمت كلها بالضوابط المؤسسية للرابطة والحفاظ على نشاطها المالى. واستعملت نفوذها فى الدفع بقضية الانعتاق اليهودى فى الدول الأوروبية، والدفع بإقامة دولة لليهود.
تعد الأجيال الأربعة الأولى أجيالاً توسعية؛ إذ استطاعت تأسيس الرابطة ونشر فروعها ومد نفوذها المالى إلى سياسى. ولعل الجيل الثالث الذى عاش فى القرن التاسع عشر، فهو جيل الاثنى عشر حفيدًا. ويُعتبر الجيل الرابع الذى عاش بين النصف الأخير من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، آخر الأجيال التوسعية. وهو جيل الـ 44 حفيدًا. وعاصر استقلال البلقان عن الدولة العثمانية، وبداية الاستيطان فى فلسطين، وموجة الاستعمار الأوروبى.
يعد الجيلان الخامس والسادس أجيالاً تراجعية، حيث شهدا تراجع نفوذ الرابطة. ولقد عاصر الجيل الخامس الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، وحصل على وعد بلفور، وعاصر فترة ما بين الحربين (1919 - 1939)، والحرب العالمية الثانية (1939 - 1945). وساعد الهجرات اليهودية إلى فلسطين. واستطاع دعم مشروع دولة اليهود حتى إقامة الدولة فى عام 1948.
نشأ الجيل السادس فى القرن العشرين، فى ظل الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945)، وعاصر الحرب الباردة (1947 - 1991). وأعاد هيكلة شبكة روتشيلد وتطويرها. واستقرت مكانة الرابطة فى ظل قيادة الأجيال المعاصرة، بداية من الجيل السابع (الدمج) الذى عاصر الحرب الباردة والعولمة، وأشرف على دمج فروع رابطة روتشيلد فى شركات قابضة دولية.
وطن لليهود
بنت الرابطة تصورها الذاتى لما تستطيع عمله لفكرة إنشاء وطن لليهود استنادًا إلى إمكانياتها، لكنها تخطت هذا التصور بدفع من توقعات الآخرين، وما أملته التطورات الدولية، وتبنت الدفاع عن الأقليات اليهودية فى المجتمعات الأوروبية، ودفعت من أجل حصولهم على المساواة فى الحقوق المدنية والسياسية.
أنشأت الرابطة مشروعات فى فلسطين لخدمة الأقلية اليهودية، بدأت من مستشفى روتشيلد فى القدس عام 1854، وكان من أوائل المشروعات المباشرة لخدمة المجتمع اليهودى المحلى على صغره. وكلفت الرابطة ألبرت كوهن، مسئول العمل الخيرى فى فرع روتشيلد بباريس بهذه المهمة. وبعد نجاح مهمته، وفد على السلطان العثمانى عبد المجيد الأول، وحصل منه على فرمان يمنح اليهود امتيازات متساوية مع المسيحيين فى أنحاء الدولة العثمانية كلها.
وبعد شهور قليلة، قام موسى مونتيفيورى، صهر مدير فرع روتشيلد لندن، ورئيس مجلس نواب اليهود البريطانيين، برحلته الرابعة وقابل السلطان العثمانى، وحصل منه على فرمان ببناء مستشفى مماثل خارج أسوار القدس. وكانت الأرض المشتراة فى عام 1855 من متسلم القدس أحمد آغا الدزدار، أول أرض يسمح ببيعها لأجنبى فى فلسطين.
إضافة إلى ذلك، كان هناك مجتمعان زراعيان سبق أن أُسسا فى صفد وطبرية، بدعم من مونتيفيورى، وكانا بمنزلة مستوطنات أولية، تكونت من بعض النمساويين والبولنديين، وذلك بالرغم من رفض أهالى صفد المستوطنات، لكن تم الإقرار بوجودهم بعد مواجهة حدثت بين الأهالى والمستوطنين.
ماذا عن الهجرة؟
أدركت الرابطة دورها فى الهجرة الأولى (1882 - 1903)، وساهمت فى إعداد فلسطين لاستقبال المهاجرين قبل بداية الهجرة، حيث ساهمت مع الاتحاد الإسرائيلى العالمى فى إنشاء مدرسة مكفه (أمل) إسرائيل الزراعية فى يافا، خلال عام 1870، على مساحة 750 فدانًا، بهدف إعداد أجيال من الفنيين الزراعيين لخدمة المستوطنات المزمع بناؤها.
كما أجرت المدرسة دراسات بالتعاون مع صندوق استكشاف فلسطين، لتحديد أنسب المحاصيل لطبيعة التربة، لكن حركة الهجرة كانت ضعيفة، ثم شهدت تحسناً طفيفاً بعد شراء الأقلية اليهودية بعض الأراضى فى صفد وطبرية، وإنشاء مجتمعات زراعية بدعم من الهيئات التى تصلهم من أثرياء اليهود.
نشطت الحركات الثورية اليهودية والصهيونية، ودفعت إلى الهجرة بعدما ساءت الأوضاع فى نطاق الاستيطان، ودفعت الحركة اليهودية باتجاه الولايات المتحدة والأرجنتين، بينما دفعت الحركة الصهيونية بقيادة مفكرين، مثل ليون بنسكر (1821 - 1891)، إلى الهجرة إلى فلسطين.
تحول البارون إدموند روتشيلد من متبرع إلى مساهم فى إنشاء المستوطنات، وتبنى البارون إدموند استراتيجية أولية فى فلسطين، مكونة من عدة نقاط أهمها: إعادة التأهيل الاقتصادى والاجتماعى للاجئين اليهود من روسيا، والتصدى للنشاط التبشيرى المسيحى، والتصدى لمعاداة اليهود.
وازدهرت المستوطنات بناءً على هذه الاستراتيجية. ثم قام بتوسعة نشاط الاستيطان عبر شراء الأراضى بطريقة مطردة. تحول البارون إدموند من مساهم إلى راعى بناء المستوطنات التى بلغت 21 مستوطنة فى عام 1900.
أخفقت جهود الدولة العثمانية فى وقف الهجرات، حيث أصدرت إعلاناً عبر قنصلياتها فى أوديسا، يطلب راغبى الهجرة بعدم قبولهم فى فلسطين، مع السماح بهجرتهم إلى أى منطقة أخرى فى الدولة العثمانية، لكن بشرط اكتسابهم الجنسية العثمانية.
وفيما كانت سياسات الدولة العثمانية حاسمة فى منع الهجرات، وعينت ولاة حازمين، كان فساد بعض قادة الإدارة المحلية يسهل للمهاجرين التحايل على القوانين، للاستقرار فى فلسطين، ولا سيما بين اليهود الزائرين على أنهم حجاج، وغيرهم من المتسللين من موانئ، مثل ميناء بيروت.
ومن المهم هنا الحديث عن أهمية الدور الذى لعبته الرابطة فى الهجرات المتتالية، حيث شهدت الفترة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى الإعلان عن قيام الدولة عام 1948 أربع هجرات، عرفت بالهجرة الثالثة حتى السادسة. كما لعبت دورًا فى دعم الاستيطان خلال فترة الانتداب (1920 - 1948) إذ نجحت فى الاستيلاء على ستة فى المائة من مساحة فلسطين.
رفض التقسيم
لعبت الرابطة دورا فى إصدار وعد بلفور، فى 2 نوفمبر 1917، فى شكل خطاب من اللورد بلفور، وزير الخارجية البريطانى، إلى اللورد روتشيلد الثانى، وذلك بعد نجاحها فى تحيّن التوقيت الملائم لتحويل مشروع الاستيطان إلى واقع سياسى لإنشاء الدولة برعاية بريطانية.
يعد وعد بلفور أهم وثيقة حصلت عليها الحركة الصهيونية من أجل إنشاء دولة لليهود فى فلسطين، ومن هنا شرعت الدولة اليهودية إلى مرحلة الإعداد على مدار 31 عامًا بين عامى 1917 و1948 التى شهدت عملية الإعداد السياسى والاقتصادى لقيام الدولة فى ظل تنامى المقاومة الفلسطينية.
يشار هنا إلى أنه أمام الهجرات اليهودية المتلاحقة والملاحظة إلى فلسطين، انفجرت أعمال عنف وجرت مواجهات دامية بين الفلسطينيين والمهاجرين اليهود فى عام 1921، واضطرت سلطات الانتداب إلى الحد من هذه الهجرات كحل مؤقت.
توالت السنوات وعملت سلطة الانتداب البريطانى على تنظيم شئون الحكم فى فلسطين، وقدمت مقترحات لإنشاء صيغة للتمثيل النيابى، تشمل الأطراف كلها فى فلسطين، منها إنشاء الوكالة العربية على غرار الوكالة اليهودية لكن الجانب الفلسطينى رفض ذلك بقيادة موسى كاظم الحسينى لأنها تشير إلى موافقة ضمنية على وعد بلفور..
لم تتوقف مقاومة الفلسطينيين عند هذا ففى عام 1929 ومع اندلاع ثورة البراق، اندلعت المواجهات فى مختلف المدن الفلسطينية، بسبب الإجراءات التى اتخذت بجوار حائط البراق وسمحت بإقامة منشآت لليهود.
وازداد الغضب الفلسطينى من الانتداب وانفجرت ثورة 1936، التى تعد أكبر انتفاضة شعبية ضد الإنجليز ومشروع الدولة اليهودية. ومع تزايد الرفض الفلسطينى لفكرة التقسيم فرضت لندن حل التقسيم على الطرفين وهو ما عرف بوثيقة الكتاب الأبيض عام 1939.
ومرت السنوات وفى عام 1945 جرت وقائع مؤتمر يالطا بين قادة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى وبريطانيا وفيه أعرب كل من فرانكلين روزفلت وجوزف ستالين دعمهما للصهيونية. وتلاحقت الأحداث بسرعة وفى 26 سبتمبر 1947 أعلنت الحكومة البريطانية انسحاب قواتها من فلسطين حتى لو لم تتوصل الأمم المتحدة إلى تقسيم عربي- يهودى مقبول..
وفى 29 نوفمبر عام 1947، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تقسيم فلسطين إلى منطقتين عربية ويهودية وتدويل القدس والمناطق المقدسة، واستمر تراجع دور الرابطة اليهودية فى التأثير فيما يحدث فى فلسطين حتى إتمام الانسحاب البريطانى فى 15 مايو 1948 قبل أن يعلن دافيد بن جوريون عن قيام دولة إسرائيل قبل يوم من إتمام بريطانيا انسحابها.
ولجأت العصابات الصهيونية إلى إشاعة جو من الفزع فى المناطق التى كانت مخصصة لإنشاء الدولة الفلسطينية وإجبار سكانها على الهجرة، ووقعت مذابح عدة لنشر الفزع أهمها، دير ياسين فى أبريل 1948.. لكن أحد الفصول الرئيسية تمثل فى إعلان بن جوريون أن الحدود المخصصة لإسرائيل ليست نهائية.
وفى مايو 1948 عشية إعلان إنشاء الدولة اليهودية جدد إعلانه قائلاً: «إننا نريد أرض إسرائيل بكاملها». وقد يتماشى الترويج مع حدود المعتقد اليهودى، بحسب النبوءة الواردة فى التوراة فى سفر التثنية أن «يطرد الرب جميع هؤلاء الشعوب من أمامكم، فترثون شعوباً أكبر وأعظم منكم.
كل مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم. من البرية ولبنان، من النهر، نهر الفرات، إلى البحر الغربى يكون تخمكم».
وبحلول عام 1957، سلمت إدارة جمعية الاستعمار اليهودى الفلسطينية ممتلكاتها إلى إسرائيل، وذلك بعد 75 عامًا من أول دعم قدمته رابطة روتشيلد للمستوطنات اليهودية فى فلسطين، و117 عاماً على أول طلب رسمى من ليونيل روتشيلد إلى رئيس الوزراء البريطانى فى عام 1840 لمنح اليهود الفرصة لبناء دولتهم فيها.
لم تُحل الجمعية، لكن تحولت إلى منظمة مجتمع مدنى، وتغير الاسم إلى ياد هنديڤ، أو فاعل الخير، فى إشارة إلى البارون إدموند روتشيلد. وكان أول من تولى إدارة المنظمة دوروثى روتشيلد زوجة جيمس روتشيلد فى الفترة بين عامى 1957 و1988، حتى وفاتها، وهى التى استكملت وصية زوجها وأكملت بناء مبنى الكنيست الإسرائيلى، وحضرت افتتاحه فى عام 1966. ولاحقًا أهدت دوروثى الحكومة الإسرائيلية مبنى المحكمة الدستورية، ووضع فى داخله شعار رابطة روتشيلد. ارتبطت قيادة المنظمة باللورد روتشيلد الرابع فى الفترة بين عامى 1988 و2018، وانتقلت الإدارة من بعده إلى ابنته هانا روتشيلد.
الكاتب:
معتمر أمين، باحث متخصص فى العلاقات الدولية، ومهتم بالبحث فى المسائل التاريخية المؤثرة فى الحاضر، والملفات الجيواستراتيجية، وأهمها تأثير خطوط أنابيب الطاقة فى التوازنات فى الشرق الأوسط.

يعمل أمين مدرسًا للعلوم السياسية فى الجامعة البريطانية فى مصر، ويكتب فى صحيفة الشروق المصرية، وهو مساهم فى لجنة الخمسين لكتابة الدستور المصرى لعام 2014.

خطابات ندب المراقبين الأسبوع المقبل
عودة اختبارات القدرات.. وتقييم التخصصات النظرية
«تسول» الاحتياج والاحتيال فى قاهرة المماليك







