في غرف مغلقة وخلف شاشات لا يتجاوز حجمها كف اليد تدور معارك صامتة لا تستخدم الرصاص بل تستهدف الهوية والبراءة.
لم يعد الإنترنت مجرد نافذة للمعرفة بل تحول إلى غابة رقمية تعج بخوارزميات لا تفرق بين البالغين والصغار ومع تصاعد صرخات الاستغاثة من بيوت سقطت حصونها أمام تريندات العنف وسموم الابتزاز تحركت الدولة ممثلة في الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات الذي أعلن عن قرب طرح شرائح محمول مخصصة للأطفال تعمل كأمن وقائي للشبكات حماية لأطفالنا
حيث تنتقل مسئولية الفلترة من عاتق الأسرة إلى البنية التحتية لشركات الاتصالات، وفي هذا التحقيق نفتح الملف ونتساءل هل تنجح الشريحة الذكية في حسم المعركة ضد المحتوى الضار؟ وكيف يرى المتخصصون هذا الاختراق التقني في جدار الخصوصية والحماية؟
البداية كانت من أروقة مجلس النواب حيث كشف المهندس محمد شمروخ رئيس الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات عن اقتراب طرح شريحة محمول مخصصة للأطفال خلال 60 يوما لكن ما الذي يميز هذه الشريحة عن ملايين الخطوط التي يحملها الأشخاص حاليًا؟
السر يكمن فيما يسمى الأمن الوقائي للشبكات؛ ففي الوقت الذي تعتمد فيه تطبيقات الرقابة الأبوية على برامج يتم تحميلها على الجهاز ويمكن للطفل الذكي حذفها أو تعطيلها تأتي الشريحة الجديدة بنظام فلترة مركزية داخل سيرفرات شركات الاتصالات نفسها.
هذه الشريحة تقوم بتحليل حركة البيانات لحظيًا فبمجرد أن يطلب المتصفح الدخول إلى رابط مشبوه أو موقع إباحي أو منصة تروج للعنف تتدخل الشبكة لحجبه قبل أن تصل أي بيانات إلى شاشة الطفل لتصبح الحماية هنا جزءًا من البنية التحتية للاتصال وليست مجرد خيار برمجي إضافي.
وعند النظر إلى العالم نجد أن حماية الأطفال رقميًا أصبحت قضية أمن قومي في كبرى الدول لكن النماذج تختلف في التطبيق والهدف نفسه؛ ففي الولايات المتحدة وبريطانيا على سبيل المثال يغلب الطابع التجاري حيث تقدم شركات هواتف مخصصة للأطفال لاتتيح الوصول للإنترنت المفتوح أو منصات التواصل وتكتفي بالرسائل والمكالمات وتطبيقات تعليمية محددة.
أما في الصين وكوريا الجنوبية فالنموذج أكثر صرامة؛ حيث تفرض الحكومات تشريعات تلزم شركات الاتصالات والمنصات بتطبيق نظام القصر الذي يغلق التطبيقات تلقائيًا بعد عدد معين من الساعات ويمنع الوصول لمحتوى البالغين عبر ما يسمى بالهوية الرقمية.
أما التجربة المصرية الجديدة فهى تمزج بين الحل التقني الممثل في الشريحة والحل التشريعي من خلال قانون تقنين استخدام الأطفال للسوشيال ميديا والفارق الجوهري هنا هو البساطة؛ فالدولة المصرية تسعى لتوفير أداة لا تتطلب من الأب أو الأم أن يكونوا خبراء في البرمجة لضبطها بل هي خدمة جاهزة ومؤمنة من المنبع.
أهمية الشريحة
في هذا الشأن يقول الدكتور هشام محمود خبير تكنولوجيا المعلومات: إنما يميز هذه الشريحة أنها تنقل الحماية من التطبيق إلى البروتوكول، ففي السابق كان الطفل يستطيع تحميل تطبيق VPN لتجاوز أي حظر محلي على الهاتف لكن مع الشريحة الجديدة الفلترة تتم من الشبكة لدى المزود وهو شركات الاتصالات
وهذا يعني أن البيانات التي تصل للهاتف هي بيانات مغسولة ومنقاة بالفعل ومع ذلك يجب أن ندرك أن التشفير العالي لبعض التطبيقات مثل واتساب وتليجرام قد يشكل تحديًا أمام الفلترة اللحظية وهنا تبرز أهمية تحديث قواعد البيانات الخاصة بالشركات لمواكبة الروابط المتجددة.
أما يارا طلعت المحامية فتقول: إن طرح هذه الشريحة يمثل سندًا قانونيًا قويًا في قضايا الابتزاز الإلكتروني فعندما توفر الدولة وسيلة حماية رسمية فإن إهمال ولي الأمر في استخدامها قد يضعه تحت طائلة قانون الطفل في بند الإهمال في الرعاية.
كما أن ربط الشريحة بالرقم القومي لولي الأمر يعزز من مفهوم الهوية الرقمية المسئولة فولي الأمر هنا هو المسئول الأول قانونيًا عن أي نشاط يصدر من هذا الخط مما يدفعه بالتبعية لمراقبة سلوك طفله بشكل أكثر حزما.
أما من الناحية النفسية للطفل في التعامل مع مثل هذه التقنيات وسيطرتها على عقلية الطفل في مثل هذا السن الصغير تقول الدكتورة منى حسين استشاري الصحة النفسية: إن المجتمع سواء كانت الدولة أو الأسر نفسها لاتهدف فقط للمنع بل لتقليل التلوث البصري والسمعي الذي يتعرض له الطفل فالمحتوى العنيف أو الجنسي المفاجئ يؤدي إلى صدمات عصبية وتغيير في كيمياء الدماغ .
وتضيف استشاري الصحة النفسية؛ إلا أن الشريحة الذكية تساعد في خلق بيئة آمنة تقلل من مستويات القلق لدى الأطفال وتمنع الاستثارة المبكرة لكن يجب الحذر لأولياء الأمور من الاعتماد الكلي عليها كمربي إلكتروني فالمنع التقني دون حوار قد يولد لدى المراهق رغبة عارمة في كسر القواعد والبحث عن بدائل خفية.
وهنا كان لابد أن نسأل خبير تربوي على كيفية شرح الأمر للطفل لكي يشارك بفاعلية،فيقول الدكتور صبري خالد الخبير تربوي والباحث في شئون الأسرة: إن هذه المبادرة هي طوق نجاة للأسر التي لا تمتلك رفاهية الوعي التقني المعقد لضبط إعدادات الأجهزة. فنحن أمام ديمقراطية الحماية حيث تصبح الحماية حقا لكل طفل مهما كان مستوى ثقافة والديه التقنية.
ويضيف الخبير تربوي والباحث في شئون الأسرة أن تربويا تساعدنا الشريحة في فرض النظام الرقمي بحيث يتعلم الطفل أن للإنترنت حدود كما للشارع حدود.
هي خطوة ممتازة لترميم الفجوة الجيلية التي جعلت الأبناء يسبقون الآباء بسنوات ضوئية في عالم التكنولوجيا.
ويقول المهندس محمود منصور الخبير في إدارة شبكات المحمول؛ إنه من الناحية التشغيلية يمثل هذا المشروع تحديًا تقنيًا واستثمارًا ضخمًا لشركات المحمول الأربع فنحن نتحدث عن دمج التقنيات أو ما يعرف بالفحص العميق للحزم على مستوى ضخم وهذا لا يهدف فقط للحجب بل لتصنيف حركة المرور فشركات الاتصالات هنا لا تلعب دور الرقيب فقط،بل دور المنظم الرقمي.
ويضيف خبير إدارة شبكات المحمول أن التحدي الأكبر الذي سيواجه الشركات هو الحفاظ على سرعة الإنترنت مع وجود هذه الطبقات الإضافية من الفلترة وضمان عدم حدوث بطء يشعر به المستخدم الصغير أثناء الألعاب التعليمية أو الدراسة.
ومن الناحية الاقتصادية وأهميتها في ذلك الملف يقول أمير حسن الباحث الاقتصادي: إن إطلاق شريحة الأطفال سيخلق شريحة سوقية جديدة تماما اقتصاديًا هذا التوجه ذكي لأنه يستهدف قاعدة عريضة من المستهلكين من أولياء الأمور الذين لديهم استعداد لدفع مبالغ إضافية مقابل الاطمئنان ويكون السؤال هنا هل ستكون هذه الباقات مدعومة سعريًا كنوع من المسئولية المجتمعية للدولة؟ أم ستكون باقات تجارية بأسعار مرتفعة؟ إذا نجحت الدولة في توفيرها بأسعار تنافسية فسنشهد تحولا كبيرًا في نمط استهلاك البيانات في مصر وقد نرى تطبيقات مصرية تعليمية يتم تضمينها مجانا مع هذه الشرائح لتشجيع الاستهلاك الآمن.
وتشير الناشطة في حقوق الطفل نهلة القاسمي؛ إلى أن أي خطوة تحمي الطفل من العنف والابتزاز يجب أن تدعم لكن يجب أن نوازن بين الحماية والحق في الوصول للمعلومات فيجب أن تكون المعايير التي يتم على أساسها الحجب واضحة ومعلنة حتى لا يتحول الأمر من حماية من المحتوى الضار إلى حجب للمحتوى التثقيفي الذي قد يراه البعض جريئًا بالإضافة إلى انه يجب ضمان خصوصية بيانات الأطفال بحيث لا يتم استخدام تقارير استخدامهم في أغراض إعلانية أو تسويقية مستقبلا. فالحماية الحقيقية هي التي تحمي عقل الطفل وبياناته في آن واحد.
الأمهات
وفي النهاية كان لابد لنا من سؤال أولياء الأمور عن مثل هذه التقنيات التي من المتوقع طرحها في الأسواق خلال الفترة المقبلة فتقول مروة محمود ولية أمر: كأمهات نعيش في رعب دائم مما يظهر فجأة للأطفال في فيديوهات اليوتيوب أو الألعاب فأكبر مشكلة تواجهنا هي القفز من وراء ظهورنا فالطفل الآن يعرف في التكنولوجيا أكثر منا. ووجود شريحة مقفولة من الشركة نفسها يعطينا راحة بال خاصة عندما يكون الطفل خارج البيت أو في النادي.
وتضيف؛ ما نتمناه هو أن توفر هذه الشريحة أيضا خاصية (GPS) مدمجة بشكل مجاني للأهل لتكتمل منظومة الأمان حماية للعقل وحماية للجسد أيضا بتتبع مكان الطفل.
اقرأ أيضا: ممثل القومي للاتصالات: إتاحة خدمة تمكن أولياء الأمور من تفعيل خطوط للتحكم في محتوى الأطفال
تحركات لاحتواء أزمة الكلاب الضالة بإنشاء ملاجئ آمنة لهم
تزامنًا مع عيد الأضحى .. الداخلية تحكم قبضتها على الأسواق وتضبط المخالفين
تحــرك من مجــلس الشيـــوخ .. لتغليــظ العقوبات على المراهنات الرياضية







