من حق سلطنة عمان أن تشعر بالمرارة، ففى اللحظة الأخيرة لإنجاز اتفاق ينهى الأزمة بين واشنطن وطهران، يتم إجهاضه بهجوم على إيران، حدث ذلك مرتين، الأولى فى يونيو الماضي، بحرب الـ ١٢ يوماً التى بدأتها تل أبيب وساندتها واشنطن، والمرة الثانية فى فبراير الماضي، عندما نجحت الوساطة فى إنجاز مشروع اتفاق مبدئي، وكان من المقرر البحث على التفاصيل، ويومها اعتبر الوزير العمانى بدر البوسعيدى أنه كان (فى متناول اليد)، فى قضايا الحد من التخصيب ورفع العقوبات، وكانت المفاجأة، فى بدء مرحلة جديدة من المواجهات العسكرية، لم تنته بعد، ومرشحة لمزيد من التصعيد والتعقيد بصورة غير مسبوقة. ولعلها فرصة لتقييم السياسة الخارجية العمانية، وإدارتها لأحد أهم الأزمات التى تواجه كل دول العالم، وهى من بينها بحكم الجوار الجغرافى مع إيران، ودون اتهامى بالتحيز، فأستطيع القول بأن سلطنة عمان هى إحدى أهم الدول، أو فى مقدمتها التى أدارت مواقفها بامتياز، وخرجت منها بأقل الخسائر، بل كرست مفهوماً مطروحاً منذ حقب زمنية، أن (الحكمة عمانية)، ونستطيع أن نتوقف عند بعض سمات تلك السياسة، والتى أكدتها الأزمة الأخيرة، وهى كالتالي:
الوسيط الأمين: فقد اعتمدت مسقط منذ عقود على سياسة خارجية قائمة على الحياد البناء، دون اصطفاف مع أى طرف، وتجنب الأضواء الإعلامية، وعدم التدخل فى شئون الآخرين، وهو نهج ديبلوماسى جعل منها وسيطاً موثوقاً به من كافة الأطراف، وفى كافة النزاعات، وحققت فى ذلك نجاحات ملحوظة، ومن أهمها، استضافة المباحثات السرية بين واشنطن وطهران، والتى استمرت منذ عام ٢٠١١، والتى فتحت الطريق أمام التوصل إلى الاتفاق النووى عام ٢٠١٥، حتى قام الرئيس ترامب بالانسحاب منه فى ولايته الأولى عام ٢٠١٨، وكانت السلطنة الوسيط الأهم والوحيد قبل بدء المواجهات العسكرية الأخيرة، وبهذه الصفة كانت على اطلاع بما وصلت إليه المباحثات، حيث التزمت طهران بعدم امتلاك مواد يمكن أن تنتج قنبلة نووية، وعدم تراكم المواد المخصبة أو تخزينها، أو تحويل المخزون القائم إلى وقود نووي، ويومها وفى محاولة قطع الطريق أمام (عسكرة الأزمة)، ذهب الوزير بدر البوسعيدى إلى واشنطن، حيث التقى نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس، واستخدم الإعلام فى محاولة الضغط على الإدارة، مخاطباً الرأى العام الأمريكى فى حوار مع قناة (سى بى إس)، وقالها صراحة (هذه ليست حربكم).
الفهم الصحيح للمرحلة الحالية: ولعل القراءة المتأنية للحوار الخطير بين وزير الخارجية بدر البوسعيدي، مع رؤساء تحرير الصحف العمانية، تكشف عن رؤية متقدمة لتلك المواجهات، فهدفها ليس فقط إضعاف إيران، بل هى خطوة فى طريق إعادة تشكيل المنطقة، وكثير من أطراف إقليمية تدرك ذلك، ولكنها تراهن على أن مسايرة أمريكا، قد يدفعها إلى تعديل قراراتها، وألقى الوزير الضوء وبشكل واضح وصريح على الدور الإسرائيلى فى الحرب، والترويج لفكرة سهولتها، وتحقيق انتصار سريع فيها، وهو ما أكدته المعلومات التى جاءت فى تقرير «نيويورك تايمز» منذ أيام، عن آليات اتخاذ ترامب قرار الحرب، أثناء زيارة نتنياهو إلى واشنطن ومعه قادة الأجهزة الامنية ومسئولون عسكريون، في١١ فبراير الماضي، وكشف عن تماهى أفكار نتنياهو مع ترامب، رغم انتقادات كبار مساعديه السردية الإسرائيلية، والتى اعتبرها البعض (هزلية وهراء)، كما قال وزير الخارجية الأمريكي، مع تحفظ شديد من الجنرالات عليها، ولكن ترامب لأسباب خاصة به، تبنى خيار الحرب، ومن المهم هنا فهم حديث الوزير، وتأكيداته بأن مسقط لن تنضم لمجلس السلام، ولن تطبع مع إسرائيل، فى محاولة لخلق مسافه بينها، وبين إعادة تشكيل المنطقة على مقاس إسرائيل.
ثالثاً: التوازن بين العلاقات مع إيران، دون إغفال كونها دولة خليجية، ولعلنا نتوقف عند مضمون أول بيان عمانى الصادر فى نفس يوم بداية الهجمات، فى الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي، الذى أعرب عن أسفه لما يجري، والتحذير من خطر توسعه إلى ما لا تحمد عقباه، وتتنافى مع القانون الدولي، ومبدأ حل القضايا بالوسائل السلمية، وبعد التطورات التى شهدتها المواجهات، وصف الإجراءات التى اتخذتها واشنطن وتل ابيب، بأنها (غير أخلاقية وغير قانونية)، وعلى نفس المستوى اعتبرت أن هجوم إيران على جيرانها (مؤسف للغاية وغير مقبول)، واستنكر الاستهدافات الإيرانية لمنشآت البنية التحتية الخليجية، وأعرب عن تضامنها وتأييدها فيما اتخذته هذه الدول، من إجراءات لحماية أمنها وسيادتها، ولم يتغير الموقف العمانى بعد هجوم طائرة مسيرة لخزانات وقود فى صلالة، فى ظل عدم وضوح أى مبرر للعملية، مع شكوك حول الجهة المنفذة له، مما دفع السلطنة إلى التريث قبل توجيه الاتهامات لأى جهة، مع نفى إيرانى على لسان هيئة الأركان تنفيذ أى هجمات على أراضى السلطنة، وفى هذا الشأن، نتوقف عند الاتصال النادر بين السلطان هيثم بن طارق والرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان، باعتباره الوحيد خليجياً، حيث جرى فيه التأكيد على حيادية الموقف العماني، واستنكارها للاستهداف المستمر الذى طال أرضها، مع رفض تقديم أى مستوى من مستويات الدعم أو التسهيلات، لافتقاد وجود شرعية دولية صريحة.
رابعاً: الانحياز للقانون والشرعية الدولية: يظل الموقف العمانى من أزمة مضيق هرمز، نموذجاً فريداً للحكمة العمانية، عندما حسمت أمرها بين المطالب الإيرانية، بفرض رسوم على حق المرور من المضيق، والذى يعنى دخلاً كبيراً ومورداً مالياً لا ينضب، باعتبارها شريكة فيه، وواشنطن التى تسببت أصلاً فى الأزمة، بعد عرض رئيس لجنة الأمن القومى والسياسة الخارجية فى البرلمان الإيرانى إبراهيم عزيزي، على السلطنة، إبرام معاهدة حول المضيق، فى إطار ما أسماه مشروع إجراء استراتيجى لتأمين الأمن والتقدم المستدام فيه، ووافقت السلطنة على المشاركة فى المباحثات على مستوى وكلاء الوزارة، بمشاركة مختصين من الجانبين، بهدف مختلف تماماً عن الرؤية الإيرانية، وهو البحث فى الخيارات الممكنة لضمان انسيابية العبور، وكانت التصريحات العمانية واضحة، وجاءت على لسان وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات العمانى سعيد المعولي، حيث اعتبر أن فرض أى رسوم على السفن يتعارض مع الاتفاقيات الدولية، التى تنص على نظام المرور العابر.
وبعد، فكل التوقعات تشير إلى أن اللحظة القادمة (عُمانية) بامتياز، مهما تعددت السبل، وأظن أن مسقط فى انتظارها.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







